الثلاثاء، 21 نوفمبر 2017







تلخيص رواية                                                      
الجثة الخامسة: د. حسين السيد
إعداد وإشراف: رجاء حمدان

إمتاز عم منصور بصفتين رئيسيتين, الأولى أن هذا الرجل هو أهم شخص طوال العامين الأولين في كلية الطب لغالبية الطلاب, إن لم يكن جميعهم, ولِما لا, وهو خازن قلعة الأسرار ...المشرحة ..
الشيء الآخر المميز في عم منصور, هو شراهته المتناهية في التدخين. كان إبن مزاج حقيقي كما نقول. كان عليك أن تحرص على أن تعلن احترامك له, وإياك أن تعامله على أنه مجرد عامل في المشرحة, لن ينسى لك ذلك أبداً لو فعلت. عرفته في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي, حين التحقت بكلية الطب. عرفت عم منصور بقامته الضخمة للغاية, وحرصت على أن أكوّن علاقة طيبة معه. ومرت الأيام الدراسية سريعاً, وبالرغم من انتهاء حاجتي للمشرحة بعد عامين فقط , إلا أنني حرصت على استمرار زيارته بحجرته بالمشرحة من حين لآخر, ولاحظت سعادته لذلك. وبعد حينٍ تخرجت من الكلية, وتباعدت زياراتي لها, إلا أنني حرصت على زيارته حين كنت أزورها. ومرت أعوام كثيرة ولم أعد أتردد مرة أخرى إلى الكلية. لم أتذكره إلا حين أردت الحصول على بعض الكتب الطبية, وذهبت للكلية وأردت أن أزوره, ولكني عرفت أنه مات بالمستشفى في حادث منذ خمسة أعوام . 


وهنا طفتْ على سطح ذاكرتي, ذكرى حكاها لي هذا الرجل فى مرة من المرات التي جمعتنا سوياً .. كنت قد سألته يومها عن عالم الجثث الذي يعيش فيه .. فالرجل منذ عرفته لا يغادر المشرحة تقريباً أبداً , كما أنه لم يتزوج ؛ ولهذا فإنه قد اتخذ المشرحة بيتاً له .. ولانه أقدم العمال فقد سمحت له إدارة الكلية أن يعيش فى حجرة بداخل المشرحة استثنائياً .. تذكرته حين قال لي هل تصدقني يا دكتور لو أخبرتك أنهم حولنا طوال الوقت, بل وإنني كثيراً ما أراهم, وأسمع أصواتهم, وصرخاتهم وبكائهم .. نعم أسمع بكائهم, ونحيبهم كأنما هناك ما يحزنهم ويسوءهم .. إننى لست واهماً فيما أدّعيه, ولن أكذبك الحديث أبداً بعد هذا العمر.. كان ما يقوله مثيراً, وشعرت بنشوة هائلة مما أسمعه ..كانت هذه أول مرة أرى فيها من يجزم بوجود أشباح عايشها . قال لي ذات مرة : لقد جرت هاهنا منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً .. أحداثاً مخيفة, وشريرة لأقصى حد, إن الكثير من شعيرات رأسي البيضاء التي تراها الآن حدثت حينها .. ذكريات لطالما تمنيتُ أن أنساها, إنني لجأت للحشيش حينها كي أنسى. والآن أريد أن أحكي لك ما حدث, فأغلب الأشخاص الذين عايشوا ما حدث قد ماتوا, فقلت له حينها : لا أريد أن أثقل عليك إطلاقاً, ولكن يمكنك أن تحكي كما تشاء.

كانت البداية قبل أسبوع واحد من بداية العام الدراسى .. كانت هذه هي أيام التعب الفعلية في العمل بالمشرحة. كان هذا صيف 1971م, كان عم منصور قد أمضى في عمله بالمشرحة أكثر من عشرة أعوام مع ثلاثة مساعدين له. كان الأول هو عبدالدايم النوبي, نوبي في بداية العشرينيات من عمره. وكان هناك متولي الديب.. فلاح من البحيرة. فى العام الماضي تحدث لعم منصور عن قدرته على إحضار ما يلزم المكان من عظام الموتى التي يحتاجها الطالب .. طبعاً كان من العبث أن يسأله عم منصور عن مصدرها.. سيسرقها بالتأكيد من المقابر.. كان العامل الأخير هو جمال عبد الهادي, الكسول الذي لا يفعل شيئاً سوى النوم .
وقبل أن يبدأ العام ظهرت المشكلة... لم يكن هناك إلا جثث ثلاث فقط بالمشرحة, ولم يستطع عم منصور الحصول على عشر جثث كما هو مطلوب, وكأنما الناس انقطعت عن الموت. فقرر أن يترك الأمر فربما يأتي الفرج قريباً ..لم يعد متبقياً غير أيام ثلاث, قبل أن تبدأ الدراسة, لم ينجحوا إلا  في توفير جثة أخرى. قال الدكتور مصطفى (دكتور من الكلية) للعم منصور: يمكنك أن تجلب إحدى الجثث من مقبرة ما .. هذا ليس بالأمر العسير هذه الأيام. فاندهش العم منصور, هذه أول مرة يطالبه الدكتور مصطفى بشيء كهذا. ووافق الدكتور نعيم عميد الكلية دكتور مصطفى على كلامه, وقال : خذ ما تشاء من مال وأفعل! ووافقهم الدكتور فؤاد على ذلك أيضاً. لم يكن منصور يتخيل أن يحدث هذا معه... لكنه لن يقبل أن يكون نبّاشاً للقبور مهما حدث, فطلب من متولي ذلك, فانصرف متولي سعيداً بهذه الصفقة ..
لم يكن أيهما يدري أي كارثة مقبلين عليها حينها .. قبل أن تصل عقارب الساعة للعاشرة مساء يوم الجمعة, كانت الجثة على باب الكلية. وضع منصور ومتولي الجثة على طاولة المشرحة, وراح متولي يزيل الكفن عنها. وعندما رأى عم منصور الجثة, أطلق شهقة عالية, وتراجع للخلف بذهول, بينما قال متولي: إنها فتاة!؟.  كانت الجثة لفتاة بالفعل, فتاة شابة في مقتبل العمر, كانت حلوة بل أجمل فتاة رآها في حياته. بدت الفتاة كنموذج للفتنة النائمة. شعر الإثنان أنها كائن لا ينتمي في روعته وجلاله لعالم البشر الفاني.
وبالرغم من أن عم منصور قد عمل لأكثر من عشرة أعوام مع الموتى , رأى خلالها مئات الجثث, حتى صار يعرف الموتى بنظرة واحدة, إلا أنه حين رآها شك بشدة أنها ميتة. حينها ابتلع متولي ريقه بصعوبة, وقال: لم أكن أعلم أنها فتاة .. ما أخبرني به اللحاد أنها جثة طازجة, فظننتها جثة لرجل, لقد اعتدنا دائماً ألا نقرب جثث الإناث .. إنه لم يخبرني أنها لفتاة .. إنه خطأه. بعدها تركوا الجثة لشرب الشاي, ليعودوا إليها, ثم يكملوا عملهم بحفظها بالفورمالين. فجأة انقطع التيار الكهربائي, فشعر عم منصور بالراحة .. هذا سيؤجل الأمر بعض الوقت .. وجد نفسه يتمنى ألا يعود التيار ثانية, كأن هذا سينقذ جثة الفتاة من مصيرها. وانصرف متولي إلى بيته تاركاً عم منصور الذى راح يفكر مرة أخرى في الفتاة التي لم تفارق خياله.
في اليوم التالي قام الدكتور نعيم بإلقاء نظرة على الجثة, وتبين له بأن جسد الجثة لم يبدأ بالتحلل بعد, ولا وجود للزرقة الرميّة أسفلها, فقال: هذه الفتاة تبدو وكأنها قد ماتت منذ ساعة واحدة على الأكثر... إنني أشعر بالدهشة.  
في هذا اليوم, كان على عبد الدايم أن يبيت في المشرحة, وهذا قبل أن تُوكل مهمة المبيت إلى عم منصور بشكل دائم. وكانت الساعة قد تجاوزت العاشرة مساءاً. كان غارقاً في تأملاته في حديقة المشرحة الخلفية حين لمح ظلاً يتحرك خلف الباب الزجاجي للمشرحة. فنبض قلبه بقوة,  اتجه بخطوات مترددة نحو الداخل, ودلف الباب, وتطلع إلى الفناء الطويل والممتد أمامه حتى قاعة التشريح, بدا خالياً, وقرر أن يفتش المشرحة, وراح يتفقد الجثث, فوجد أن إحدى الجثث قد انحسر عنها غطائها البلاستيكي, وحين اتجه نحو الجثة لتغطيتها, صرخ صرخة مكتومة ! كانت جثة الفتاة, وكانت تحدق فيه بعيون لامعة مفتوحة باتساعها .. عيون حيّة لا أثر للموت فيها ! مد يديه بعدها نحو الجثة متحاشياً النظر إليها, أعاد الغطاء البلاستيكي إلى موضعه مغطياً إياها, وعاد إلى حجرته وحاول أن ينام .. لكن الوصول للنوم كان صعباً. في الساعة الثالثة سمع طرقاً على باب حجرته, فظل صامتاً يرتعد من الخوف, إلا أن الطرق توقف بعد فترة من الزمن.  
وفي الصباح حين قص عبدالدايم ما رآه ليلاً على عم منصور, قال له عم منصور: إننى لا أرغب فى إخافتك, لكن ما تقوله يُوحي بأفعال - بسم الله الرحمن الرحيم- الجان والعفاريت !!. وفي المساء اتجه جمال للمشرحة كي يبيت فيها. كان جالساً في حديقة المشرحة يستمع إلى أم كلثوم, حين حانت منه التفاتة نحو باب المشرحة, فرأى أن هناك من يقف خلفه متوارياً خلف الزجاج الملون, إلا أن الظل اختفى بعد فترة. وحين دخل المشرحة لقضاء الحاجة, لاحظ أن قاعة التشريح صارت مضاءة. وبعد أن قضى حاجته لاحظ بأن إحدى الجثث دون غطاء, وحين اقترب من الجثة لتغطيتها وجدها جثة الفتاة وهي ترمقه بعينين متسعتين براقتين, ورأى بسمة ما ترتسم على شفتيها, بدت وكأن الحياة قد عادت لها. حينها اضطرب قلبه بشدة وغادر المشرحة مترنحاً. وفي الثالثة صباحاً وجد نفسه مستيقظاً منتبهاً, وهناك من يطرق الباب, ويتسلل إلى أنفه عطر أنثوي, وكان أرعناً ففتح الباب بدون تفكير .. وبالتأكيد لم يدر ما حدث له بعد ذلك .. وآخر ما شعر به كان العطر الأنثوي القوي .. وبعدها لا شيء.

وفي الصباح كان عبدالدايم أول من وصل, ووجد أن باب المشرحة مغلقاً من الداخل .. نادى على جمال فلم يردّ عليه, ثم انضم إليه متولي وعم منصور, ودلف عبدالدايم إلى المشرحة من النافذة, وفتح لهم الباب, لم يجدوا جمال بالغرفة .. كان بابها مفتوحاً, لكن لا أثر له, إنتقلوا إلى غرفة التشريح ووجدوا جثة زائدة, وعندما أزالوا الغطاء عن وجه الجثة الزائدة كانت لجمال, ولكنه كان يتنفس. وبعد أن فحصه أحد الأطباء, لم يجد خللاً عضوياً يفسر غيبوبته, فأخذ يضغط على جبهته وصدغيه. أفاق جمال وهو يتسائل: ماذا يحدث هاهنا ؟!.. ولماذا ترمقونني هكذا ؟!!. لكن أحداً منهم لم يجبه .. فقد ألجمهم القلق وأخرسهم. وبعد أقل من الساعة علم كل من في المشرحة ما حدث لجمال. حكى لهم عن الظل الذي ظن أنه شاهده, وأخبرهم بجثة الفتاة المفتوحة العينين, والتى ثبتتْ نظراتها عليه, وكانت تبتسم له, وأخيراً تلك الطرقات التي سمعها بعد أن نام, وكان آخر ما يتذكره هو فتح الباب .. أما بعد ذلك فهذا ما لا يذكره. وحين علم الدكتور نعيم بالأمر سخر منهم, ومع ذلك أمر أن يبيت اثنين في المشرحة من الآن فصاعداً.

بدأ نظام المبيت الجديد فى نفس الليلة .. واتفقوا أن يكون عم منصور ومتولي فى الليلة الأولى. وبالفعل بقي الإثنان ليلاً, وظلا يدخنان ويثرثران حتى انتصف الليل ثم قاما للنوم. وبعد ساعتين, شعر متولي بمثانته ممتلئة, فنهض واتجه إلى الحمام مترنحاً شبه نائم .. فلما انتهى, عاد بعيون ناعسة شبه مغلقة, ليكتشف أن باب الحجرة مغلق .. أمسك مقبضه وأداره, ودفعه بقوة لكنه لم يتحرك .. وحين سمع عم منصور الصوت أفاق, وتفاجأ بالباب المغلق أيضاً. وشعر متولي بأن هناك أحد في الظلام في نهاية الرواق, فارتفع عويله وصرخاته, في النهاية تحول صراخ متولي لنحيب مكتوم ..أخذ يرتعد, وهو يلاحظ شبح ذلك الكائن يتقدم نحوه بإصرار وهدوء. كانت فتاة .. الفتاة التي جلب جثتها منذ أيام. إنها تتقدم نحوه حتى صارت أمامه. امتدت يدها نحوه, وابتسامتها الساخرة تزداد اتساعاً, ففقد وعيه. وفي نفس اللحظة زالت مقاومة الباب فجأة أمام محاولات عم منصور المستميتة, ففُتح مرة واحدة كاد معها عم منصور أن يسقط أرضاً .. رأى حينها متولي راقداً أمام الباب شاحباً وفاقداً لوعيه. وبعد لحظات أفاق متولي, ورأى عم منصور أمامه, فانهار مرة واحدة باكياً وهو يحتضنه. بعد فترة ليست بالقصيرة هدأ روعه, وحكى لعم منصور ما حدث. ثم غادرا المشرحة لكنهما تركا الباب الخارجي مفتوحاً, دون أن يهتموا بغلقه. وكان هذا خطأ كبيراً, أدركاه فيما بعد ..

في الصباح كانت هناك الطالبة أسماء. فتاة ذكية ورقيقة وحالمة. جاءت اليوم مبكرة, وكان هذا هو يومها الثالث في الكلية, وقررت أن تواجه مخاوفها اليوم, واتخذت قراراً خطيراً, ستذهب اليوم إلى المشرحة. فاتجهت بخطوات مرتبكة إلى المكان. كان الباب مفتوحاً ولا يوجد أحد بالداخل. توجهت إلى المشرحة, تطلعت إلى المناضد التي ترقد فوقها الجثث المغطاة أمامها, فارتجف قلبها للحظة, تقدمت إلى أقرب جثة إليها, كانت جثة الفتاة الجميلة, وراحت تتأملها. كان وجه الفتاة أمامها ما زال محتفظاً بنضارته. كان وجه فتاة نائمة لا أكثر. أغمضت عينيها بقوة, ومدت يدها نحو وجهها, وحين لمسته شعرت بملمس جلدها, وحين فتحت عينيها, وجدت أن العالم قد تغير تماماً عما قبل. وجدت أن الجثة التي أمامها راحت ترمقها بثبات, وابتسامة ساخرة تتلاعب على شفتيها, فتوقف قلب أسماء. وكان هذا من حسن حظها !!
وفي الصباح تجمع رجال الشرطة في المكان, فهناك طالبة قد قتلت في المشرحة, التفاصيل محيرة ومبهمة ومثيرة. وجد عبد الدايم جثتها على أحد مناضد المشرحة, وكانت بكامل ثيابها. لكن المخيف هنا أن جلدها اكتسب اللون البني المميز للجثث المحفوظة بالفورمالين, كما أن رائحة الفورمالين تنبعث منها. وحين سأل رجال البحث القضائي عن الذين يعملون في المشرحة, قال لهم عبد الدايم إن منصور ومتولي كان من المفترض تواجدهم في المشرحة, ولكنه لم يعثر على أيّ منهما. بعدها تم التحقيق مع حارسي أمن البوابة, ولم يضيفا الكثير, فقط ذكر الأول أن الفتاة قد أتت في الصباح بعد السابعة بقليل, وذكر الحارس الآخر, وكان هو المسؤول عن الباب الخلفي للكلية, أن عم منصور ومتولي قد غادرا الكلية بعد صلاة الفجر مباشرة, ولم يرهما يعودان مرة أخرى. وأضاف الحارس أنهما بديا في عجلة من أمرهما, وكانا مرتبكين للغاية.
في اليوم التالي, جلس الدكتور نعيم مع الدكتور مصطفى في مكتبه, في انتظار وصول عم منصور بعد انتهاء التحقيقات. وحين وصل أخبرهم بكل ما حدث لهم, ولم يلق سوى السخرية من الدكتور نعيم, كما لقاها من رجال الشرطة. وأخبر عم منصور الدكتور نعيم بعدم رغبة أي واحد منهم في المبيت في المشرحة. فأجاب الدكتور نعيم بلا مبالاة: لا بأس بهذا.
إبتسم الدكتور محمود, حين رأى الدكتور هشام يدلف باب حجرته. قال الدكتور هشام: لقد أتيت اليوم من أجل الطالبة المقتولة. إنهم يطالبونني بتقرير عن سبب الوفاة. ومن المفترض أن نعده سوياً. هز الدكتور محمود محمود رأسه متفهماً قبل أن يقول: في الواقع سبب الوفاة هو سبب تأخيري في تقديم تقريري. فما زلت لا أعلم كيف ماتت الفتاة, كما أنني أفتقد لإجابات الألغاز الأخرى التي واجهتنا معاً حين قمنا بتشريح جثة الفتاة. فجثتها كانت خالية من الدماء بلا سبب, كما أنه تم حقنها بالفورمالين في فترة قصيرة جداً, ولا يعلموا كيف, كما أن قلبها ضامر تماماً وفارغ من الدماء هو الآخر. قال الدكتور هشام: القضية  أشبه بلعنة ما!.

مرّ أسبوع كامل ولم يحدث شيء غير طبيعي بالمشرحة. كان من يقوم بعملية التشريح هم المعيدون القدامى بالقسم وليس الطلاب. وبدأ المُعيدون الثلاثة زينب وحاتم وشريف بإعداد الجثث في المشرحة, إستعداداً للفصل الدراسي الجديد. وبعد أن انتهت زينب وانتهى حاتم من تجهيز جثتهم, بقي شريف لوحده في المشرحة أمام جثة الفتاة ليقوم بتجهيزها, بعد أن أمر جمال بالإنصراف. وبدأ عمله, فمد يده إلى كفها الأيسر ليبدأ عمله, وبالخطأ اخترق المشرط الوريد, فسالت منه الدماء الحمراء القانية..دافئة, سائلة ولزجة. تطلع إلى الوريد بذهول وقال: دماء طازجة..أي عبث هذا؟! وحانت من شريف التفاتة إلى وجه الفتاة فارتعد... كان وجهها حينئذ مربداً وممتلأ بالغضب. كانت ترمقه بعينين براقتين, وانعقدت حواجبهما المرسومة بدقة في غضب. ضاقت أنفاسه فشعر بالإختناق. فهوى شريف إلى الأرض, وفجأة دبت الحياة بالجثة, وسمعها تقول بصوت مخيف : لقد صرت لي الآن يا صغير, توقف عن المقاومة, ولا تخش شيئاً... سينتهي الأمر سريعاً فلا تقلق ! هذه المرة قررتْ مراكز المخ العلوية عند شريف أن وقت الإغماء قد حان, فوقع مغشياً عليه على الأرض للأبد !!.

لقد ولّت الأيام الطيبة لتفسح للأيام التعيسة مكانها .. هكذا فكر رئيس المباحث محمد وهدان, وهو يرمق بحنق جثة الدكتور شريف الراقدة أمامه على أحد مناضد المشرحة, وقد اكتسبت اللون البني, وتم حفطها بالفورمالين هي الأخرى .. حاول أن يبعد الفكرة عن عقله, لكنها كانت ملحة كذبابة صيف لعينة .. قاتل متسلسل !! أيكون هذا ما يواجهه حقاً ؟ّ بعد انتهاء التحريات, طلب وكيل النيابة من رئيس المباحث, الرائد محمد وهدان, أن يضع المشرحة تحت الحراسة الدائمة, وأن يتم تسجيل خروج ودخول كل شخص إليها. أما نتيجة تشريح جثة شريف فكانت كالجثة السابقة, بلا دماء على الإطلاق, وكذلك تم حقن أوعيتها الدموية بالفورمالين دون أن يظهر عليها كيف تم حقنها..وكان القلب فارغاً من الدماء كما حدث لقلب الطالبة القتيلة. إذاً هناك لغز ما. قال الدكتور محمود للدكتور هشام: لا أدري لماذا بدأت أميل لتصديق أن هذه الأفعال غير بشرية. وعلينا أن نستعين بأحد ما يهتم بمثل تلك الأمور الخوارقية كالجان والأشباح..

جلس كل من الدكتور نعيم والدكتور مصطفى ليناقشوا ما يحدث. ويبدو أن الدكتور نعيم قد بدأ يقتنع برواية عم منصور ومتولي وما رأوه, خصوصاً بعد ما قال مصطفى : تلك الجثة التي جلبها متولي, لو لاحظت فإن كافة الأحداث حدثت بعد ما جلبها متولي إلى المشرحة, أرى أن سراً ما يُحيط بها. هل لاحظت كيف كانت تبدو حين جلبها متولي, لم تبد كأي جثة ! ذهبتُ بالأمس لألقي نظرة عليها, لقد فُزعت حين أزحت جفنيها لأرى عينيها, لن تصدق كم البريق والحيوية التي ما زالت تحتفظ بهما. إنني أعمل بالطب منذ أكثر من أربعين عاماً, لم أر جثة كهذه في حياتي كلها, علينا أن نستعين بمتولي لنعرف من هي, وكيف ماتت, وما الظروف المحيطة بموتها ؟!.

يعيش عم منصور في منشية الصدر, منطقة فقيرة تنتشر فيها الأكواخ والعشش الخشبية, والبيوت المصنوعة من الطمى . كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين غادر القهوة. وصل المنزل وفتح الباب, وإمتدت يده إلى جانب الحائط حيث مفتاح الإضاءة, ضغط عليه فلم يضيء المصباح. لذلك بات ليلته في الظلام, وراح في نوم عميق, وتعالى شخيره. لم يدر هل نام طويلاً أم وقتاً قصيراً عندما شعر بحركة ما في الحجرة, فصاح : من هناك ؟ وجاوبه الصمت قبل أن يشعر ببرودة تغطي المكان.. شعر بقلبه يضطرب فجأة, وبرائحة عطرية تغطي المكان تتسلل نحو أنفه. تذكر أين شم هذا العطر من قبل, نعم في المشرحة في تلك الليلة التي هاجم فيه متولي شيء ما, حينها شعر بهلع شديد. فوجيء بأنامل دقيقة باردة كالثلج تحيط بذراعيه وتقبضان عليه بقوة. حاول التملص من هذه القبضات فلم يستطع.. فصرخ بأعلى صوته, فترددت في المكان ضحكة أنثوية, وصوت جميل يقترب من أذنه قائلاً : خائف أنت ومذعور يا صغيري.. أن هذا يطربني بشدة. هنا لم يعد بالإمكان أن يظل في وعيه, ففقد وعيه بين يديها. تعالت الدقات القوية على باب بيته منادية عليه, وقد انتبه بعض جيرانه لصرخاته, فهبوا إليه لنجدته. حطم الجيران الباب ووجدوا عم منصور راقداً على الأرض ومغشياً عليه بجوار الفراش, والعطر الأنثوي المثير يملأ الفراغ, فانهمك الناس في إفاقته إلى أن استفاق, وراحوا يخمنون ماذا حدث له ؟! 

وفي نفس الوقت حدث أمر مثير آخر مع جمال. عاد إلى بيته بعد أن انتصف الليل, إتجه إلى المطبخ ليجد على المنضدة طبقاً من الأرز وآخر من البامية تتوسطه قطعة صغيرة من اللحم. فشعر بالسعادة لهذه الوجبة. بدأ في التهام الأكل عندما شعر بأن هناك من يراقبه. لا بد من أنها زوجته, التفت ليرى حورية كانت تبتسم إليه ابتسامة جميلة. سألها: هل أنت إحدى قريبات زوجتي, فقالت له : إنني ضيفتك الليلة ! ظلت تبتسم إليه, وفجأة تذكر أين رآها.. فهبط الجواب على رأسه كالمصائب التي تأتي بلا توقع.. إنها جثة الفتاة التي بالمشرحة ! تيبس على مقعده ولم يقو على فعل شيء, فقالت له : في المرة القادمة إنتبه لما تأكل. فاتجهت نظراته إلى طعامه فرأى الأرز صار دوداً مقززاً, والطبيخ كان دماء.. هنا لم يستطع أن يكتم صرخاته, فصرخ صرخة مزقت سكون البيت.. فاندفعت زوجته إلى المطبخ صارخة هي الأخرى, ولكن الفتاة لم تعد بالشقة. ظل يصرخ لفترة, وانتابته نوبة عنيفة من القيء فانحنى ليفرغ ما أكله تحت الطاولة, وزوجته تراقبه بوجل, ولا تكف عن سؤاله عما حدث, ولكنه لم يكن قادراً على الإجابة.

 في نفس الوقت كان متولي هو الآخر يمر بلحظات لا تقل إثارة عما يمر به زميلاه. كان قد استلقى على فراشه في انتظار أن تأتيه زوجته. أخذ متولي يفكر وهو راقد على فراشه في صفقة جديدة من صفقاته التي لا تنتهي. توفير جثث جديدة مقابل المال. ظل سارحاً في خيالاته حين لاحظ أن النور قد أطفأ فجأة, وقبل أن ينادي زوجته شعر بها تدلف إلى السرير, وترقد إلى جواره, فاقترب منها ليحتضنها, فأحس بيديها باردتين, ثم فوجيء بصوت زوجته يأتي من خارج الغرفة, ففزع ولم يتمالك نفسه, فأطلق صرخة, وفزع حين همست همسة مخيفة في أذنيه : إنني هنا وقد جئت لآخذك معي. حاول أن يدفعها بيده, إلا أنه أحس بدوار مفاجيء يغطي مناطق وعيه, وبعدها لم يشعر بشيء. أما زوجته فاندفعت بفزع نحو الحجرة لتجدها خالية !!.

وفي الصباح كان عبدالدايم كعادته أول الواصلين إلى المشرحة. دخل مع العسكري, المكلف بحراسة المشرحة, إلى غرفة الجثث ليفزعوا مما رأوا. فأمامهما كانت الجثث الموجودة بالمشرحة بأكملها معلقة بالهواء بصورة مقلوبة, فكانت أرجلها للأعلى, ورأسها للأسفل. وفوجيء عبدالدايم حين رأى متولي بين هذه الجثث, وكان عارياً تماماً. فقام هو والعسكري اسماعيل, الذي كان يرتجف من الخوف, بإنزال متولي إلى الأرض. واندفع الإثنان في جر جسد متولي للإبتعاد به عن هذا المكان الملعون. جذبوه نحو غرفة العمال, ثم وضعوه على الفراش.. وبينما غطاه عبدالدايم, اندفع الجندي نحو باب الحجرة فاراً, وهو يصرخ: لن أمكث في هذا المكان الملعون لحظة واحدة. أخذ عبدالدايم يهز رأس وجسد متولي محاولاً إنعاشه, ولكن متولي بالرغم من انتظام أنفاسه, لم يستجب لمحاولات عبدالدايم إلا بعد وقت طويل. وحين استعاد وعيه, كان عم منصور قد وصل, وكان يوجه سؤالاً واحداً لمتولي : من أين أتيت بهذه الجثة اللعينة ؟.

إتفق الدكتور نعيم والدكتور مصطفى على أن يتولى الأخير أمر الأمور الغريبة التي تحصل في المشرحة. وقرر الدكتور مصطفى أن يعرف قصة الفتاة الجثة, والتي حصلت جميع الحوادث بعد وصولها. وصل الدكتور مصطفى ومتولي إلى قرية أولاد عكاشة وقت المغرب, تلك القرية التي  تلتصق بقرية متولي, والتي جلب منها جثة الفتاة.  وصلا إلى بيت اللحاد عبدالودود الذي رحب بهما, ودخلوا إلى حجرته التي بان الإهمال فيها جلياً. سأله الدكتور مصطفى عن الجثة الفتاة, وإن كان بإمكانه أن يمده ببعض المعلومات عنها. قال عبدالودود : الجثة كانت لرجل يدعى كمال أبو الفضل, فقال مصطفى : ولكن الجثة التي جاء بها متولي كانت لفتاة صغيرة في بداية العشرينيات من عمرها ! فقال عبدالودود: مستحيل أن يحدث هذا, فأنا لا أخطيء أي قبر. وأمام إصراره, قال له مصطفى: هل يضايقك يا حاج لو قدتنا إلى القبر الذي جلبت منه الجثة؟ فقادهما إلى قبر كمال أبو الفضل. بدت الحيرة على متولي.. فلم يكن هذا هو القبر الذي جلبوا منه الجثة. كان متولي ما زال يذكر النقش الغامض الموجود على أحد حواف الشاهد, فراحوا يتنقلوا بين القبور للبحث عن القبر الصحيح, وبعد حين أشار متولي إلى القبر. حينها صاح عبدالودود مبتعداً عن القبر, وقال : لقد جلبنا المتاعب لأنفسنا ولغيرنا, لقد نبشنا قبرها, لقد أيقظنا شهرها. هذا القبر يحوي حكاية تتناقلها العجائز, لنذهب لخالتي هي أكثر دراية مني بهذه الحكاية !

كانت خالته طاعنة في السن. تعيش في بيت ريفي من الطوب. رحبت بهم بصوت قوي. قال لها عبدالودود: نريدك أن تحكي لنا ما تذكرينه عن رومية. قالت إنها قصة قديمة, سأحكيها لكم:  بدأ كل شيء حين جاء الفرنجة إلى مصر ليحتلوها. كان هناك محمود إبن الحاج عبد الحفيظ. كان يتسم بالمروءة والوسامة. كانت الفتيات ينظرن إليه ويتنهدن, ولكنه خذلهن جميعاً. قالوا إنه ترك القرية, وذهب إلى القاهرة كي يحارب الفرنجة. غاب ثلاثة أعوام, وعاد مع زوجته ! التي قالوا إنها كانت فتنة تحبو على الأرض من جمالها. من يراها يظنها من بنات الفرنجة الجميلات. كانت ذات بشرة رائقة, وذات عينين حلوتين آسرتين, لا تستطيع النظر إليهن من حلاوتهن, لذا أطلقوا عليها رومية. مرت الأيام عليها في القرية هادئة.. ومع الوقت بدأت الهمسات ترتفع عن سبب تأخر حملها حتى الآن.. إلا أن الأمر بدا وكأنما لا يشغل بال زوجها الذي كان يعشقها. وبعدها اشتعلت الشائعات عنها حين زعم البعض أنهم رأوها بين المقابر في منتصف ليلة مقمرة. وبالطبع لم يصدق أحد حرفاً مما قيل, وأعتقد البعض أنها افتراءات مصدرها الفتيات الحانقات عليها. وبعد ذلك مات الكلب الذي كان يملكه الحاج عبد الحفيظ, حماها. الرجل كان يحب الكلب ويرعاه, وكان لا يفارقه أبداً. والغريب في الأمر أنهم وجدوا بين أسنانه قطعة ممزقة من ملابس رومية.. وأيضاً هذه المرة لم يشك فيها أحد.. فانتهى الأمر وتناساه الجميع, قبل أن يبدأ اختفاء بعض أطفال القرية. قالوا إنهم كانوا ستة أو سبعة, وحين بحثوا عنهم لم يعثروا إلا على جثة أحدهم فقط. كانت جثة الطفل شاحبة كالثلج خالية تماماً من الدماء. إتجهت أصابع الشك إليها هذه المرة, فقد كان كل الأطفال الذين فقدوا من رواد بيتها.. فقد اعتادت أن تلاعب الكثير من الأطفال. ولكن هذا الحب لا يفسر أن تجد خادمتها بين حاجياتها أشياء تخص الأطفال المختفيين. وبدأت الهمسات تزيد أكثر وأكثر لحين ما وصلت إلى مسامع زوجها.. فواجهها بالأمر. بكت كثيراً له وأخبرته بأن الجميع يغار منها لجمالها, بعدها طلبت رومية من زوجها الطلاق, لأنها لا تطيق أن تعيش في قريته, فرفض طلبها, ثم ذهبا ليعيشا بالقاهرة. غاب لفترة طويلة بالقاهرة قبل أن يعود بمفرده لزيارة أهله, ليجد أن كل من يقابله ينظر إليه بارتياب ويتحاشاه. فأخبره والده أنه وبعد أن غادر إلى القاهرة, عاشت القرية أهوالاً كثيرة.. إختفى الشباب من دون أثر.. وغرقت الكثير من الفتيات في المصرف أو الترعة.. لكن المخيف حقاً أن الكثيرين صاروا يرون رومية في شوارع القرية, وفي نفس الأوقات التي تحدث فيها الحوادث. لم يصدق محمود هذا الكلام..فزوجته لا تفارقه أبداً منذ غادرا إلى القاهرة, ولكن  والده أخبره أنه وأمه أيضاً قد شاهداها ذات ليلة مظلمة تتجول حول الدار. حينها عاد محمود إلى القاهرة. وفي اليوم التالي رجع مع رومية. وبالطبع عاملها الجميع بخوف, ولم يحدثها أحد, وتفاجأ الجميع بموتها في اليوم التالي. قامت حماتها بتغسيلها, وأوصى عبد الحفيظ أن يكون لها قبر بمفردها. وبعدها بعدة أيام مات هو وزوجته (عبدالحفيظ و زوجته) في نفس الوقت.. وجدوهما ميتين في الفراش, ليلحقهم محمود بعدها بأيام قليلة. وتناثرت بعدها الأقاويل عنها أكثر من ذي قبل.. البعض أقسم أنه رآها بعد ذلك تتجول ليلاً. وبالطبع لا أحد يدري بالحقيقة في أقوال كهذه..لكنها ظلت في النفوس والذاكرة طويلاً, وصارت قصة يتناقلها الجميع بتوجس ورعب, وصار قبرها منبوذاً يخشاه الجميع .

في الصباح عاد الدكتور مصطفى ومتولي مباشرة إلى الكلية, لتنفيذ ما نويا عليه دون إبطاء .. سوف يدفنون تلك الجثة الملعونة هذا اليوم. تم دفن الجثة  وتخلصوا منها. لكن صباح اليوم التالي أتى حاملاً مفاجأة لهم. دخلوا المشرحة  فوجدوا الجثة راقدة على منضدتها كما كانت من قبل .. إمتلأت نفوسهم بالرعب والفزع.. بدا الأمر, وكأن الجثة ترفض أن تتركهم, وأنها مصرة على أن تبقى بالمشرحة.. ما الذي يعنيه هذا ؟؟. علم الدكتور مصطفى أن الجثة قد عادت ثانية للمشرحة, فأصابه الذهول والرعب. شعر أنه بحاجة للتحدث إلى أحد ما, فاتجه إلى قسم الطب الشرعي, إلى الدكتور محمود. قص عليه الدكتور مصطفى كل شيء علمه عن الجثة, وعن عودتها للمشرحة بعد دفنها. وطلب رأي الدكتور محمود, الذي قال: أرى أننا نواجه لعنة ما..شراً ما..سحراً ما..سمه ما شئت فلا أدري في الواقع ما هو. إبتسم الدكتور مصطفى وقال: هذا ما أردت سماعه منك, ولهذا أتوقع أن تساعدني في أن نستعين بالوحيد الذي أعتقد أنه يفهم في هذه الأمور. قال محمود: أظنك تعني الدكتور محمد شاهين, قال الدكتور مصطفى: نعم.

أخبرت باتعة زوجة متولي جارتها أم كريم بما حدث لزوجها, فأخبرتها أنه لن يحل لها هذه المشكلة إلا الشيخ عبد العاطي, كان أشهر الدجالين في ذلك الوقت, لذلك قررت باتعة أن تذهب إليه بصحبة جارتها. ولما حان دورهما دخلتا حجرة مظلمة بارتباك.. كان هناك الكثير من الدخان ورائحة بخور خانقة. في منتصف الحجرة كان يجلس الشيخ عبدالعاطي بلحيته الشعثاء. شعرت باتعة بالخوف من هذا الجو المظلم الخانق فلم تستطع التحدث, فجف ريقها وصمتت, فاندفعت أم كريم تقص عليه كل شيء أخبرتها به باتعة, فاستمع إليها الشيخ وفمه مستمراً في همهمته الغامضة, ثم قال : خذي هذا الحجاب واعطيه لزوجك, واخبريه أن يضعه خلسة في فم هذه الجثة دون أن يلحظه أحد أو يراه, لا تنسِ أن تخبريه أن يضع عليه بعضاً من بوله قبل وضعه في فم الجثة, فهذا سيحميه من شرها ويبطل سحرها, وسينتهي هذا العمل الخبيث إن شاء الله. وفي الصباح كان متولي في المشرحة وفي جيبه الحجاب.. وبالرغم من خوفه وتردده, فقد قرر أن يكون آخر من يخرج من المشرحة, حتى يضع حجاب عبد العاطي دون أن يراه أحد. وبمجرد أن صار بمفرده بالمشرحة إتجه إلى قاعة التشريح, ليضع الحجاب في فم الجثة, وبالفعل وضعه دون أن يحدث أمراً سيئاً !

إنتقل الدكتور مصطفى والدكتور محمود إلى بيت الدكتور محمد شاهين ليفهموا منه ما يحدث. باهتمام بالغ تابع الدكتور محمد شاهين ما يقصه الدكتور محمود, والدكتور مصطفى عن الأحداث الغريبة بالمشرحة. وعندما أنهيا كلامهما, قال : الشبح هو الطيف, وهذا الطيف قد يكون إنساناً أو حيواناً أو أي شيء آخر, ولغوياً تعني كلمة شبح الرؤية غير الواضحة لجسم ما, وشبح الشيء في اللغة هو ظله وخياله.. بالطبع تعد هذه الظاهرة من أهم ظواهر ما وراء الطبيعة, فالفكرة نفسها قديمة, وموجودة في كل الثقافات تقريباً, حتى البدائية منها.. وفي الغالب يتم تفسير ظاهرة الأشباح على أنها أرواح الموتى أو أرواح القتلى, لكن هناك تفسيرات أخرى.. فالبعض يرى أن الأشباح هي الجان أو الملائكة أو الشياطين, وهؤلاء يرون أن الأشباح الطيبة هي إحدى صور الملائكة, والشريرة هي أشباح لجان أو شياطين, وأقرب الإحتمالات هو أنكم تواجهون أحد الجان. إن الحوادث التي يحتك فيها البشر مع الجان منتشرة للغاية في الأرياف والمناطق الشعبية, وأنا بنفسي شهدت الكثير من حوادثها.. وهنا نجد الكثير من حوادث الإختفاء الفجائي.. ونوبات التشنجات والصرع, تدمير الأثاث أو إشعال الحرائق, أو حتى سماع أصوات مخيفة. وفي الغالبية العظمى من هذه الحالات, هناك مرض نفسي ما عند الضحية يفسر الأمر كله. ولكني في الواقع لدي شكوك ما, وأعتقد أن رؤيتي للجثة الآن ستؤكدها أو تنفيها .

وصلوا إلى الكلية بسرعة, ثم دخلوا المشرحة فوراً, وساروا نحو قاعة التشريح, وتسمروا بفزع لما رأوه بها. فأمام أعينهم سبحت في الفراغ أربع جثث عارية معلقة من أرجلها لأعلى ورؤوسها لأسفل. كانت تدور ببطء, ورقدت في المنتصف جثة الفتاة بلا غطاء. ثم فوجئوا بالجثث وهي تهبط ببطء إلى طاولتها لترقد عليها برفق. عند ذلك بدأ الدكتور محمد شاهين بفحص الجثة, وعندما سحب شيئاً من دماؤها, تبين له أن الدم طازج. وعندما صب قطرات من الماء على كف الجثة تصاعد بخار رمادي من ذراعها. فزع وخرج فوراً من المشرحة, وقال بعيون جاحظة : لقد عبثتم بشيء خطير للغاية, فحتى الشياطين تخشى ما  تواجهونه, يا لكم من تعساء, بل يا لنا جميعاً من تعساء. إنها أحد القدماء, إنها أحد الكيانات القديمة, ألم تدركوا هذا ؟! إنها شر حقيقي, إن هلاكنا هذه المرة مؤكداً !!
وعندما عادوا جميعاً إلى بيت الدكتور محمد شاهين, قال : أتدرون لماذا ذعرت ؟! ثم أخرج كتاباً ضخماً وقال : إن هناك أشياء تميز الكيانات القديمة.. إن هيئتهم بشرية تماماً.. كما أن أعمارهم طويلة للغاية حتى أنها تتجاوز آلاف السنين.. ما أمامكم ليست جثة ميتة.. بل إنها أحدهم, لكنها في سبات عميق.. شيء يشبة البيات الشتوي الذي تمارسه بعض الحيوانات.. لكنه هنا قد يصل لعدة قرون .

صمت بعدها الدكتور محمد ثم أكمل : لو لاحظتم فالجثة لم تتحلل على الإطلاق, ولم يظهر عليها أي عامل من عوامل التحلل .. إنها تبدو كفتاة نائمة لا أكثر.. ثم أنكم قد حقنتموها بالفورمالين لحفظها.. وكما رأيتم فإن جسدها قد رفض ولفظ هذا الفورمالين من خلال مسامه, حتى أن عروقها ما زال بها دماء كما رأيتم حين سحبت بعضه بالمحقن. لقد بدأت منذ البداية في ممارسة طقوس العودة. إن القدماء أقوياء وليسوا بحاجة لمن يقوم بعملهم بدلاً منهم . إنها من قامت بطقس البيات الطويل, وهي أيضاً من تقوم بإعداد العدة لطقس العودة. وبقي شيء أخير, يجب أن تمر عليها دورة قمرية كاملة كي تتم الطقوس, وبما أنكم أخبرتوني قصتها, واعتماداً على هذا الكتاب, فهذا يعني أن الطقوس ستكتمل بعد غد مساءاً, حينها سوف تفيق, ولا أريد في الواقع أن أتخيل ما سيحدث بعدها معنا ! إنني أفكر في طقس مضاد لعودتها, لكنني لست متيقناً إن كان هذا سينجح, لا أعلم إن كان هذا الطقس حقيقي أم أنه مجرد هراء. لسوء حظنا أن الكتاب لم يذكر إنْ كان أحد قد قام من قبل بهذه الطقوس أم لا, لهذا ربما ننجح وربما لا ! ليس أمامنا إلا أنْ نجرب ونتحمل النتيجة كاملة, فلو فشلنا نهلك جميعنا !
في تمام الثالثة فجراً شعرتْ باتعة بصوت ما خارج حجرة نومها فوجلت, ونهضت وهمست في إذن زوجها النائم بجوارها, قامت بهز جسده, وعندما قام ليتبين الأمر سمع صوتها, وشعر بيدها الباردة على يده, حينها صرخ, فقامت باتعة تبحث عن زوجها الذي اختفى فجأة, وكان في مكان آخر بعيد جداً. كان في المشرحة الآن معلقاً وسط الجثث.. حيث انتهى أمره الآن للابد, حيث لحق بالشيخ عبد العاطي الذي انتهى أمره هو الآخر هناك .
الجمعة بعد العصر في فيلا الدكتور محمد شاهين كانوا ستة بخلاف الدكتور نفسه. كان الدكتور مصطفى والدكتور محمود والدكتور هشام, ووكيل النيابة الشاب, بالإضافة إلى عم منصور وعبد الدايم, حيث نجح الدكتور هشام في إقناع وكيل النيابة بضرورة الحضور.. أخبره أن حلّ جريمتي القتل الأخيرتين سيكون متاحاً هذه الليلة.. وبالرغم من عدم اقتناع وكيل النيابة إلا أنه في النهاية حضر .

أشعل الدكتور محمد شاهين غليونه, وقال موجهاً للجميع كلامه بصوت مرتفع: مرة أخرى إنني أرحب بالجميع في منزلي, ولكن دعوني أذكّركم للمرة الأخيرة بما نحن بصدده, إن علينا أن نوقف أمراً شريراً للغاية متجسداً في هيئة جثة الفتاة التي بالمشرحة, والأمر هنا ليس أحد الجان أو حتى الشياطين, إنه شيء أخطر. ثم صمت وعيناه تتنقل بين الوجوه المترقبة, فأكمل : إننا سنواجه إحدى الكائنات التي عاشت على الأرض قبلنا منذ آلاف السنين, كائنات قوية, وشريرة, وملعونة, يكفي أن أخبركم صادقاً أن مواجهتنا لهذا الشيء قد تحمل هلاكنا, وعليكم أن تعلموا أن احتمالات الفشل فيها أوفر حظاً من فرص النجاح, ولا داعي لأن أذكّركم أن الفشل فيها يساوي هلاكنا جميعاً !! ثم شرح لهم ما سيقومون بعمله بالتفصيل.

وفي تمام الساعة العاشرة مساءاً كانوا جميعاً أمام باب الكلية. وفوجئوا هناك بالرائد محمد وهدان في انتظارهم. وعندما دخلوا إلى قاعة التشريح, تجمدوا في أماكنهم بفزع وترقب, وهم يتطلعون إلى الجثث المعلقة في وضع مقلوب في أركان غرفة التشريح, والفتاة في المنتصف عليها عباءة سوداء. كانت هناك جثتان قد اضيفتا إلى الجثث دون أن يعلم أحد منهم.. جثة متولي, وجثة عبدالعاطي.  كان شيئاً مريعاً, لم يكن أحد منهم قد تخيل بشاعة هذا المنظر. حاولوا الهروب إلا أن باب المشرحة كان قد تحول إلى حائط, ولا مجال للخروج. تجاهل الدكتور محمد شاهين كل هذا وبدأ في إعداد المكان بمساعدة عم منصور وعبد الدايم. أخذ الدكتور محمد يرسم نجمة سداسية كبيرة, واحاط النجمة بدائرة, ثم بدأ يرسم نجوماً صغيرة داخل النجمة الكبيرة, وفجأة سقطت جميع الجثث المعلقة إلى الأرض بعنف محدثة دوياً, فشعروا جميعاً بالرعب والتصقوا ببعضهم البعض في فزع . قال لهم الدكتور محمد وهو ما يزال يرسم خطوطاً ودوائر: لا تلتفتوا إليها وتجاهلوا وجودها تماماً..إنها لن تؤذيكم الآن.

وكما أخبرهم محمد شاهين إتخذ كل واحد منهم قمة رأس من رؤوس النجمة السداسية, وجلس هو في منتصفها, ثم التقط كل منهم جمجمة ووضعها بين قدميه, كان الدكتور محمد شاهين قد جلب الجماجم معه, بعدها قاموا بإشعال شمعة سوداء وثبتوها على الارض, ثم وضع كل واحد منهم الجمجمة التي يمسكها فوقها, فتوهجت فجوات عيون الجماجم بضوء لهبي مخيف كأنه منبعث من الجحيم, ثم تعالى صوت الدكتور محمد شاهين وهو في المنتصف يردد باللاتينية التعويذة التي حفظها عن ظهر قلب. وفجأة ترك عبد الدايم يده من يدي عم منصور والدكتور هشام من الهلع, فرآه الدكتور محمد يفعل هذا فصرخ فيه بفزع قائلاً : إياك أن تفعل !! إلا أن صرخته كانت متأخرة للغاية, وفجأة امتدت أيد خفية نحو عبدالدايم الذي ما إن حرر يديه حتى قفز خارج الدائرة, وأمام عيني الدكتور محمد المفزوعتين تمزقت جثة عبدالدايم إلى أشلاء, فانطلق فوراً الدكتور محمد وحلّ مكان عبدالدايم, وأمسك بيد العم منصور والدكتور هشام, فانطلقت صرخة رعب على الفور وارتج المكان بآلاف الزمجرات الغاضبة الصاخبة, واهتزت الجدران كلها حتى كادت أن تميد, ثم صاحت الفتاة بهم بغضب ومقت وقالت : سأعود أيها البائس, وسوف تدفع الثمن, سوف أعود إليك قريباً جداً, تذكر هذا وانتظرني. وفجأة كالسحر همد كل شيء وسقطت الجثث على أرض المشرحة, وهبطت جثة الفتاة بهدوء إلى مكانها على منضدتها بالمشرحة, واختفت الأصوات والعيون والعواصف الصغيرة, لكنهم وبرغم الحزن على عبد الدايم إلا أن شيئاً من الإرتياح اجتاح أعماقهم. وقد انتهت لعنة تلك الجثة وبقي في أنفسهم سؤال معلق بلا إجابة : هل انتهى الأمر حقاً ؟! لكن أحداً منهم لم يعرف الإجابة ...

                                    النهاية.   




إرسال تعليق