الثلاثاء، 21 نوفمبر 2017

تلخيص رواية 
الجثة الخامسة: د. حسين السيد 
إعداد وإشراف: رجاء حمدان

 



إمتاز عم منصور بصفتين واضحتين , الأولى أن هذا الرجل هو أهم شخص طوال السنتين الاوليتين في كلية الطب لغالبية التلاميذ , إن لم يكن كلهم , ولِما لا , وهو خازن قلعة الأسرار ... المشرحة .. 

 الشيء الآخر الذي يميز عم منصور , هو شراهته المتناهية في التدخين . كان كما نقول إبن مزاج حقيقي . كان عليك أن تحرص على أن تعلن احترامك له , وإياك أن تعامله على أنه مجرد موظف عادي في المشرحة , لن ينسى لك ذلك على الاطلاق لو فعلت . عرفته في أوائل الثمانينيات من القرن الفائت , حين التحقت بكلية الطب. عرفت عم منصور بقامته الضخمة للغاية , وحرصت على أن أكوّن علاقة حسنة و طيبة معه . ومرت الأيام الدراسية بشكل سريع للغاية , وبالرغم من انتهاء حاجتي للمشرحة بعد عامين فقط , إلا أنني حرصت على استمرار زيارته بغرفته بالمشرحة من حين لآخر, ولاحظت سعادته لهذا الشيء . وبعد حينٍ تخرجت من الكلية, وتباعدت زياراتي لها , إلا أنني حرصت على زيارته حين كنت أزورها . ومرت سنين طويلة ولم أعد أتردد مرة ثانية إلى الكلية. لم أتذكره إلا حين أردت الحصول على بعض الكتب الطبية , وذهبت للكلية وأردت أن أزوره , ولكني عرفت أنه مات بالمستشفى في حادث منذ خمسة سنين .   

وهنا طفتْ على سطح ذاكرتي , ذكرى حكاها لي هذا الرجل فى مرة من المرات التي جمعتنا مع بعضنا البعض .. كنت قد سألته يومها عن عالم الجثث الذي يحيا و يكبر فيه .. فالرجل منذ عرفته لا يغادر المشرحة تقريباً على الاطلاق , كما أنه لم يتزوج ؛ ولهذا فإنه قد اتخذ المشرحة منزلا ليعيش فيه .. ولانه أقدم العمال فقد سمحت له إدارة الكلية أن يعيش فى غرفة صغيرة بداخل المشرحة استثنائياً .. تذكرته حين قال لي هل تصدقني يا دكتور لو أخبرتك أنهم حولنا طوال الوقت , بل وإنني كثيراً ما أراهم , وأسمع أصواتهم , وبكائهم وصرخاتهم .. نعم أسمع بكائهم , و نحيبهم المكتوم كأنما هناك ما يحزنهم ويسوءهم .. إننى لست واهماً فيما اقوله الان , ولن أكذبك الحديث أبداً بعد هذا العمر .. كان ما يقوله مثيراً , وشعرت بنشوة هائلة مما أسمعه ..كانت هذه هي المرة الاولى التي أرى فيها شخص يجزم بوجود أشباح عايشها . قال لي ذات مرة : لقد جرت هاهنا منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً .. أحداثاً مرعبة للغاية , وشريرة لأقصى حد , إن الكثير من شعيرات رأسي البيضاء التي تراها الآن حدثت في وقتها .. ذكريات لطالما تمنيتُ أن أنساها , إنني لجأت للحشيش حينها كي أنسى . والآن أريد أن أحكي لك ما حدث, فأغلب الأشخاص الذين عايشوا ما جرى هنا قد توفوا منذ زمن , فقلت له حينها : لا أريد أن أثقل عليك ابدا , ولكن يمكنك أن تحكي كما تشاء .

 كانت البداية قبل أسبوع واحد من بداية السنة الدراسية في الجامعة .. كانت هذه هي أيام التعب الفعلية في العمل بالمشرحة . كان هذا صيف 1971م , كان عم منصور قد أمضى في عمله بالمشرحة اكثر من ما يقارب العشرة سنين مع ثلاثة مساعدين له . كان الأول هو عبدالدايم النوبي , نوبي في بداية العشرينيات من عمره . وكان هناك متولي الديب .. فلاح من البحيرة . فى العام الفائت تحدث لعم منصور عن قدرته على إحضار ما يلزم المكان من عظام الموتى التي يمكن ان يحتاجها التلاميذ في دراستهم .. طبعاً كان من العبث أن يسأله عم منصور عن مصدرها.. سيسرقها بالتأكيد من المقابر .. كان العامل الأخير هو جمال عبد الهادي , الكسول الذي لا يفعل شيئاً سوى ان ينام . 

وقبل أن يبدأ العام ظهرت المشكلة ... لم يكن هناك إلا جثث ثلاث فقط بالمشرحة , ولم يستطع عم منصور ان يحصل على عشر جثث كما هو مطلوب , وكأنما الناس انقطعت عن الموت . فقرر أن ينسى هذا الموضوع فربما يأتي الفرج في وقت قريب .. لم يعد متبقياً غير أيام ثلاث , قبل أن تبدأ الدراسة , لم ينجحوا إلا في توفير جثة واحدة ايضا . قال الدكتور مصطفى ( دكتور من الكلية ) للعم منصور : يمكنك أن تجلب إحدى الجثث من مقبرة ما .. هذا ليس بالأمر الصعب و المعقد في هذه الايام . فاندهش العم منصور, هذه أول مرة يطالبه الدكتور مصطفى بشيء مثل هذا الشيء . ووافق الدكتور نعيم عميد الكلية دكتور مصطفى على هذا الحديث , و قال : خذ ما تشاء من مال و أفعل ! ووافقهم الدكتور فؤاد على هذا الشيء هو الاخر . لم يكن منصور يتخيل أن يحدث هذا معه ... لكنه لن يقبل أن يكون نبّاشاً للقبور مهما حدث , فطلب من متولي ذلك , فانصرف متولي سعيداً بهذه الصفقة .. 

لم يكن أيهما يدري أي كارثة مقبلين عليها وقتها .. قبل أن تصل عقارب الساعة للعاشرة من مساء يوم الجمعة , كانت الجثة على مشارف ابواب كلية الطب . وضع منصور و متولي الجثة على طاولة المشرحة , وراح متولي يزيل الكفن عنها . وعندما رأى عم منصور الجثة , أطلق صرخة عالية جدا , وتراجع الى الوراء و هو مصدوم مما يجري , بينما قال متولي : إنها فتاة !؟. كانت الجثة لفتاة بالفعل , فتاة شابة في ريعان الشباب , كانت حلوة بل أجمل فتاة رآها في حياته . بدت الفتاة كنموذج للفتنة النائمة . شعر الإثنان أنها كائن لا ينتمي في جلاله و روعته الى عالم البشر الفاني . 

 وبالرغم من أن عم منصور قد عمل لأكثر من عشرة سنين مع الموتى , رأى خلالها مئات الجثث , حتى صار يعرف الموتى من طرفة نظر واحدة , إلا أنه حين رآها شك بشدة أنها ميتة . حينها ابتلع متولي ريقه بكل صعوبة , وقال : لم أكن اعرف انها بنت .. ما أخبرني به اللحاد أنها جثة طازجة , فظننتها جثة لرجل , لقد اعتدنا على الدوام ألا نقرب جثث الإناث .. إنه لم يخبرني أنها لفتاة .. إنه خطا اللحاد و ليس خطاي انا . بعدها تركوا الجثة لشرب الشاي , ليعودوا إليها , ثم يكملوا عملهم بحفظها بمادة الفورمالين . فجأة انقطع التيار الكهربائ ي, فشعر عم منصور بشيء من الراحة .. هذا سيؤجل الأمر بعض الوقت .. وجد ذاته يتمنى ألا يعود التيار مرة اخرى , كأن هذا سينقذ جثة الفتاة من مصيرها . وانصرف متولي إلى بيته تاركاً عم منصور الذى راح يفكر مرة ثانية في الفتاة التي لم تفارق خياله . في اليوم الذي يليه قام الدكتور نعيم بإلقاء نظرة على جثة الفتاة , وتبين له بأن جسد الجثة لم يبدأ بالتحلل بعد , ولا وجود للزرقة الرميّة أسفلها , فقال : هذه الفتاة تبدو وكأنها قد ماتت على الأكثر منذ ساعة واحدة ... إنني أشعر بالاندهاش الشديد لهذا الشيء . 

 في هذا اليوم , كان على عبد الدايم أن يبيت في المشرحة , وهذا قبل أن تُوكل مهمة المبيت إلى عم منصور بصورة دائمة . وكانت الساعة قد تجاوزت العاشرة ليلا . كان غارقاً في تأملاته في حديقة المشرحة الخلفية حين لمح ظلاً يتحرك من وراء الباب الزجاجي الذي ينتهي بالمشرحة . فنبض قلبه بقوة , اتجه بخطوات مترددة الى الداخل , ودلف الباب , وتطلع إلى الفناء الطويل الذي يمتد مقابل اعينه حتى قاعة التشريح , بدا خالياً , وقرر أن يفتش المشرحة , وراح يتفقد الجثث , فوجد أن إحدى الجثث قد انحسر عنها الغطاء البلاستيكي الخاص بها , وحين اتجه نحو الجثة لتغطيتها , صرخ صرخة مكتومة ! كانت جثة الفتاة , وكانت تحدق فيه بعيون لامعة مفتوحة على اتساع كبير .. عيون حيّة لا أثر للموت فيها ! مد يديه بعدها نحو الجثة متحاشياً ان ينظر اليها , أعاد الغطاء البلاستيكي إلى موضعه مغطياً إياه ا, وعاد إلى حجرته وحاول أن ينام .. لكن الوصول للنوم كان شيئا مستحيلا بعد ما جرى . في الساعة الثالثة سمع طرقاً على باب حجرته , فظل صامتاً يرتعد من الخوف, إلا أن الطرق توقف بعد فترة من الزمن . 


 وفي الصباح حين قص عبدالدايم ما رآه في الليل على عم منصور , قال له عم منصور : إننى لا أرغب فى ان اخيفك اكثر , لكن ما تقوله يُوحي بأفعال - بسم الله الرحمن الرحيم - الجان والعفاريت !!. وفي المساء اتجه جمال للمشرحة لانه دوره في المبيت . كان جالساً في حديقة المشرحة يستمع إلى أم كلثوم , حين حانت منه التفاتة نحو باب المشرحة , فرأى أن هناك من يقف خلفه متوارياً خلف الباب الزجاجي الخاص بالمشرحة , إلا أن الظل اختفى بعد فترة . وحين دخل المشرحة حتى يقضي حاجته , لاحظ أن قاعة التشريح صارت مضاءة . وبعد أن قضى حاجته لاحظ بأن إحدى الجثث دون غطاء , وحين اقترب من الجثة حتى يغطيها وجدها جثة الفتاة وهي ترمقه بعينين براقتين متسعتين , ورأى بسمة ما ترتسم على شفتيها , بدت وكأن الحياة قد عادت لها . حينها اضطرب قلبه بكل قوة وغادر المشرحة مترنحاً . وفي الثالثة صباحاً وجد نفسه منتبهاً مستيقظاً , و هناك من يطرق الباب , ويتسلل إلى أنفه عطر أنثوي فواح , وكان أرعناً ففتح الباب بدون تفكير .. وبالتأكيد لم يدر ما حدث له بعد ذلك .. وآخر ما شعر به كان العطر الفواح الأنثوي .. وبعدها لا شيء . 

 وفي الصباح كان عبدالدايم اول الواصلين الى الكلية , ووجد أن باب المشرحة مغلقاً من الداخل .. نادى على جمال فلم يجبه , ثم انضم إليه متولي وعم منصور , ودلف عبدالدايم إلى المشرحة من الشباك , وفتح لهم الباب , لم يجدوا جمال داخل الحجرة .. كان بابها مفتوحاً , لكن لا أثر له , إنتقلوا إلى غرفة التشريح ووجدوا جثة غريبة لم يكن ليلة البارحة , وعندما أزالوا الغطاء عن وجه الجثة الزائدة كانت لجمال , ولكنه كان يتنفس . وبعد أن فحصه أحد الأطباء , لم يجد خللاً عضوياً يفسر هذه الغيبوبة التي ينام فيها , فأخذ يضغط على جبهته وصدغيه . أفاق جمال وهو يتسائل: ماذا يحدث هاهنا ؟!.. ولماذا تحدقون الي بهذا الشكل ؟!!. لكن أحداً منهم لم يجبه .. فقد ألجمهم القلق و أخرسهم . وبعد أقل من الساعة عرف كل من في المشرحة ما حدث لجمال . حكى لهم عن الظل الذي ظن أنه قد راه الليلة الماضية , وأخبرهم بجثة الفتاة المفتوحة العينين , والتى ثبتتْ نظراتها عليه , وكانت تبتسم له , وأخيراً تلك الطرقات التي سمعها بعد أن ذهب لينام في الحجرة المخصصة للعمال , وكان آخر ما يتذكره هو فتح الباب .. أما بعد ذلك فهذا ما لا يذكره . وحين علم الدكتور نعيم بالأمر ضحك بشدة و سخر منهم , ومع ذلك أمر أن يبيت اثنين في المشرحة من الآن فصاعداً . 

 بدأ نظام المبيت الجديد فى الليلة ذاتها .. واتفقوا أن يكون عم منصور ومتولي فى اول ليلة لهما في المشرحة . وبالفعل بقي الإثنان ليلاً , وظلا يدخنان ويثرثران حتى انتصف الليل ثم قاما حتى يناما . وبعد ساعتين , شعر متولي بمثانته ممتلئة , فنهض واتجه إلى الحمام مترنحاً شبه نائم .. فلما انتهى , عاد بعيون ناعسة شبه مقفلة , ليكتشف أن باب الحجرة مقفل .. أمسك مقبضه وأداره , ودفعه بقوة لكنه لم يتحرك .. وحين سمع عم منصور الصوت أفاق , وتفاجأ بالباب المقفل أيضاً . وشعر متولي بأن هناك أحد في الظلام في نهاية الرواق , فارتفعت صرخاته و عويله , في النهاية تحول صراخ متولي لنحيب مكتوم ..أخذ يرتجف من الخوف , وهو يلاحظ شبح ذلك الكائن يتقدم نحوه بكل هدوء و اصرار . كانت فتاة .. الفتاة التي جلب جثتها منذ أيام . إنها تتقدم نحوه حتى صارت مقابل عينيه . امتدت يدها نحوه , وابتسامتها الساخرة تزداد اتساعاً , ففقد وعيه . وفي ذات الدقيقة زالت مقاومة الباب فجأة أمام محاولات عم منصور المستميتة , ففُتح مرة واحدة كاد معها عم منصور أن يسقط على الارض .. رأى حينها متولي راقداً أمام الباب شاحباً وفاقداً لوعيه . وبعد لحظات أفاق متولي , ورأى عم منصور مقابله , فانهار مرة واحدة باكياً وهو يحتضنه . بعد فترة ليست بالقصيرة هدأ روعه , وحكى لعم منصور ما جرى بالضبط . ثم غادرا المشرحة لكنهما تركا الباب الخارجي مفتوحاً , دون أن يهتموا باقفاله كما كان . وكان هذا خطأ كبيراً , أدركاه فيما بعد .. 

في الصباح كانت هناك الطالبة أسماء . فتاة ذكية وحالمة ورقيقة . جاءت اليوم في وقت مبكر بعض الشيء , وكان هذا هو يومها الثالث في الكلية , وقررت أن تواجه اليوم كل مخاوفها , واتخذت قراراً خطيراً , ستذهب اليوم إلى المشرحة . فاتجهت بخطوات مرتبكة إلى المكان . كان الباب مفتوحاً ولا يوجد أحد في الداخل . توجهت إلى المشرحة , تطلعت إلى المناضد التي ترقد فوقها الجثث المغطاة مقابل اعينها , فارتجف قلبها للحظة , تقدمت إلى أقرب جثة إليها , كانت جثة الفتاة الفاتنة الجمال , وراحت تتأملها . كان وجه الفتاة أمامها ما زال محتفظاً بنضارة الشباب . كان وجه فتاة نائمة لا أكثر . أغمضت عينيها بقوة , ومدت يدها نحو وجهها , وحين لمسته شعرت بملمس جلدها , وحين فتحت عينيها , وجدت أن العالم قد تغير عما قبل تماماً . وجدت أن الجثة التي أمامها راحت ترمقها بكل قوة و ثبات , وابتسامة ساخرة تتلاعب على شفتيها , فتوقف قلب أسماء . وكان هذا من حسن حظها !! 

 وفي الصباح تجمع في المكان رجال البوليس , فهناك طالبة قد قتلت في المشرحة , التفاصيل محيرة ومثيرة ومبهمة . وجد عبد الدايم جثتها على أحد مناضد المشرحة , وكانت بكامل ملابسها . لكن المخيف هنا أن جلدها اكتسب اللون البني المميز للجثث التي تحفظ بمادة الفورمالين , كما أن رائحة الفورمالين تنبعث منها . وحين سأل رجال البحث القضائي عن الذين يعملون في المشرحة , قال لهم عبد الدايم إن متولي و منصور كان من المفترض تواجدهم في المشرحة , ولكنه لم يعثر على أيّ واحد منهما في المشرحة . بعدها تم التحقيق مع حارسي أمن البوابة , ولم يضيفا الكثير , فقط ذكر الأول أن الفتاة قد أتت في الصباح بعد السابعة بدقائق , وذكر الحارس الآخر, وكان هو المسؤول عن الباب الخلفي للكلية , أن متولي و عم منصور قد غادرا الكلية بعد صلاة الفجر مباشرة, ولم يرهما يعودان مرة ثانية الى المكان . وأضاف الحارس أنهما بديا في عجلة من أمرهما , وكانا مرتبكين للغاية . 

في اليوم الذي يليه , جلس الدكتور نعيم مع الدكتور مصطفى في مكتبه , في انتظار وصول عم منصور بعد ان انتهت التحقيقات حول مقتل الفتاة الجامعية . وحين وصل أخبرهم بكل ما جرى لهم في الليل , ولم يلق سوى السخرية من الدكتور نعيم , كما لقاها من رجال الشرطة . وأخبر عم منصور الدكتور نعيم بعدم رغبة أي واحد منهم في ان يبيت مرة ثانية في المشرحة . فأجاب الدكتور نعيم بلا مبالاة : لا بأس بهذا . 

إبتسم الدكتور محمود, حين رأى الدكتور هشام يدخل الى الحجرة . قال الدكتور هشام : لقد أتيت اليوم من أجل الطالبة التي قتلت . إنهم يطالبونني بتقرير عن سبب الوفاة . ومن المفترض أن نقوم باعداده مع بعضنا البعض . هز الدكتور محمود رأسه متفهماً قبل أن يقول : في الواقع سبب الوفاة هو سبب تأخيري في ان اقدم التقرير لغاية اللحظة الراهنة . فما زلت لا أعلم كيف ماتت الفتاة , كما أنني أفتقد لإجابات الألغاز الثانية التي واجهتنا معاً حين قمنا بتشريح جثة الفتاة . فجثتها كانت خالية من الدماء بلا سبب , كما أنه تم حقنها بالفورمالين في فترة قصيرة للغاية , ولا يعلموا كيف , كما أن قلبها منكمش ضامر متقلص تماماً وفارغ من الدماء هو الآخر . قال الدكتور هشام : القضية أشبه بلعنة ما !. 

مرّ أسبوع كامل ولم يحدث شيء غير طبيعي في المشرحة . كان من يقوم بعملية التشريح هم المعيدون القدامى بالقسم و ليس التلاميذ . وبدأ المُعيدون الثلاثة زينب وشريف وحاتم بإعداد الجثث في المشرحة , إستعداداً للفصل الدراسي الجديد . وبعد أن انتهت زينب وانتهى حاتم من تجهيز الجثث الموكلة لهم , بقي شريف لوحده في المشرحة أمام جثة الفتاة حتى يقوم بتجهيزها , بعد أن أمر جمال بان يخرج هو الاخر . و بدأ عمله , فمد يده إلى كفها الأيسر حتى يبدا بالعمل , وبالخطأ اخترق المشرط الوريد , فسالت منه الدماء الحمراء القانية .. دافئة , ولزجة سائلة . تطلع إلى الوريد بذهول و قال : دماء طازجة .. ما هذا الشيء الذي اراه ؟! وحانت من شريف التفاتة إلى وجه الفتاة فسرت الرعشة في اوصاله ... كان وجهها حينئذ مربداً وممتلأ بالغضب . كانت ترمقه بعينين لامعتين بارقتين , وانعقدت حواجبهما المرسومة بدقة في غضب . ضاقت أنفاسه فشعر بانه على وشك الاختناق . فهوى شريف إلى الأرض , وفجأة دبت الحياة بالجثة , وسمعها تقول بصوت مخيف : لقد صرت لي الآن يا صغير, توقف عن مقاومتي , ولا تخش شيئاً ... سينتهي الأمر سريعاً فلا تخاف ! هذه المرة قررتْ مراكز المخ العلوية عند شريف أن وقت الإغماء قد حان , فوقع مغشياً عليه على الأرض الى الابد !!. 

لقد ولّت الأيام الطيبة لتفسح للأيام التعيسة مكانها .. هكذا فكر رئيس المباحث محمد وهدان , وهو يرمق بحنق جثة الدكتور شريف التي ترقد مقابل عينيه على أحد مناضد المشرحة , وقد اكتسبت اللون البني , وتم حفطها بالفورمالين هي الثانية كسابقتها .. حاول أن يبعد الفكرة عن عقله , لكنها كانت ملحة كذبابة صيف لعينة .. قاتل متسلسل !! أيكون هذا ما يواجهه في هذه القضية ؟ّ بعد انتهاء التحريات , طلب وكيل النيابة من رئيس المباحث , الرائد محمد وهدان , أن يضع المشرحة تحت الحراسة الدائمة , وأن يتم تسجيل دخول و خروج كل شخص إليها . أما نتيجة تشريح جثة شريف فكانت كالجثة السابقة , بلا دماء على الإطلاق , وكذلك تم حقن أوعيتها الدموية بالفورمالين دون أن يظهر عليها كيف تمت عملية الحقن .. وكان القلب فارغاً من الدماء كما حدث لقلب الطالبة الجامعية التي قتلت بذات الطريقة . إذاً هناك لغز ما . قال الدكتور محمود للدكتور هشام : لا أدري لماذا بدأت أميل لتصديق أن هذه الأفعال لا يمكن ان تكون من فعل البشر . وعلينا أن نستعين بأحد ما يهتم بمثل تلك الأمور الخوارقية كالاشباح و الجان .. 

 جلس كل من الدكتور نعيم والدكتور مصطفى حتى يتناقشوا في كل ما يجري في مشرحة الكلية . ويبدو أن الدكتور نعيم قد بدأ يقتنع برواية عم منصور ومتولي وما رأوه , خصوصاً بعد ما قال مصطفى : تلك الجثة التي جلبها متولي , لو لاحظت فإن كافة الأحداث بدات تظهر بعد ان جلبها متولي إلى المشرحة , أرى أن سراً ما يُحيط بها . هل لاحظت كيف كانت تبدو حين جلبها متولي , لم تبد كأي جثة ! ذهبتُ ليلة البارحة حتى القي نظرة عليها , لقد فُزعت حين أزحت جفنيها حتى ارى عيونها , لن تصدق كم البريق والحيوية التي ما زالت تحتفظ بهما . إنني أعمل بالطب منذ أكثر من أربعين سنة تقريبا , لم أر جثة كهذه في حياتي كلها , علينا أن نستعين بمتولي لنعرف من هي , وكيف ماتت , وما الظروف التي احاطت بموتها ؟!. 

يعيش عم منصور في منشية الصدر , منطقة بسيطة فقيرة تنتشر فيها الأكواخ والعشش الخشبية , والبيوت المصنوعة من الطين . كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين غادر القهو ة. وصل الى كوخه و فتح الباب , وإمتدت يده إلى جانب الحائط حيث مفتاح الإضاءة , ضغط عليه فلم يضيء المصباح . لذلك بات ليلته في الظلام الدامس , وراح في نوم عميق , وتعالى شخيره . لم يدر هل نام طويلاً أم وقتاً قصيراً عندما شعر بان هناك حركة غريبة ما في الحجرة , فصاح : من هناك ؟ وجاوبه الصمت قبل أن يحس ببرودة تغطي المكان .. شعر بقلبه يضطرب على حين غرة , وبرائحة عطرية تغطي المكان تتسلل نحو أنفه . تذكر أين شم هذا العطر من قبل , نعم في المشرحة في تلك الليلة التي هاجم فيه متولي شيء غريب , حينها شعر بهلع شديد . فوجيء بأنامل باردة كالثلج دقيقة تحيط بذراعيه وتقبضان عليه بشدة . حاول التملص من هذه القبضات فلم يقدر على ذلك .. فصرخ بأعلى صوته , فترددت في المكان ضحكة أنثوية , وصوت جميل يقترب من أذنه قائلاً : خائف أنت و في حالة من الهلع يا صغيري .. أن هذا يطربني بشدة . هنا لم يعد بالإمكان أن يظل في وعيه , ففقد وعيه بين يديها . تعالت الدقات القوية على باب كوخه تنادي عليه , وقد انتبه بعض جيرانه لصيحاته العالية , فهبوا إليه ليقوموا بمساعدته . حطم الجيران الباب ووجدوا عم منصور راقداً على الأرض ومغشياً عليه بجوار سريره , والعطر الأنثوي المثير يملأ الفراغ, فانهمك الناس في إفاقته إلى أن استفاق , وراحوا يخمنون ما الذي جرى له بالضبط ؟! 

 وفي نفس الوقت حدث مع جمال أمر مثير آخر . عاد إلى منزله بعد أن انتصف الليل , إتجه إلى المطبخ ليجد على المنضدة طبقاً من الأرز وآخر من البامية تتوسطه قطعة بحجم صغير من اللحم . فشعر بالسعادة لهذه الوجبة. بدأ في التهام الأكل عندما شعر بأن هناك من يحدق فيه من بعيد . لا بد من أنها زوجته , التفت ليرى حورية كانت تبتسم إليه ابتسامة فاتنة الجمال . سألها : هل أنت إحدى قريبات زوجتي , فقالت له : إنني الليلة ضيفتك ! ظلت تبتسم إليه , وفجأة تذكر أين رآها .. فهبط الجواب على رأسه كالمصائب التي تأتي بلا توقع .. إنها جثة الفتاة التي تقبع في المشرحة ! تيبس على مقعده ولم يقو على فعل شيء , فقالت له : في المرة الاتية إنتبه لما تأكل . فاتجهت نظراته إلى طعامه فرأى الأرز اصبح نوع من انواع الدود المقزز , والطبيخ كان دماء .. هنا لم يستطع أن يكتم صيحاته , فصرخ صرخة مزقت سكون البيت .. فاندفعت زوجته إلى المطبخ صارخة هي الثانية , ولكن الفتاة لم تعد بالشقة . ظل يصرخ لفترة , وانتابته نوبة عنيفة من القيء فانحنى ليفرغ ما أكله تحت الطاولة , وزوجته تراقبه بخوف كبير , ولا تكف عن سؤاله عما حدث, ولكنه لم يكن قادراً على الإجابة . 

  في نفس الوقت كان متولي هو الآخر يمر باحداث لا تقل إثارة عما يمر به زميلاه . كان قد استلقى على سريره في انتظار أن تأتيه زوجته . أخذ متولي يفكر وهو راقد على السرير في صفقة جديدة من صفقاته التي لا تنتهي . توفير جثث جديدة مقابل بعض النقود . ظل سارحاً في خيالاته حين لاحظ أن النور قد أطفأ فجأة, وقبل أن ينادي زوجته شعر بها تدلف إلى الفراش , وترقد بالقرب منه , فاقترب منها ليحتضنها , فأحس بيديها باردتين , ثم فوجيء بصوت زوجته يأتي من خارج حجرة النوم , ففزع ولم يتمالك ذاته , فأطلق صيحة مرعبة , وفزع حين همست همسة مخيفة في أذنيه : إنني هنا وقد جئت حتى اصطحبك معي . حاول أن يدفعها بيده , إلا أنه أحس بدوار مفاجيء يغطي مناطق وعيه , وبعدها لم يشعر باي شيء . أما زوجته فاندفعت بفزع نحو الغرفة لتجدها خالية !!. 

 وفي الصباح كان عبد الدايم كعادته أول الواصلين إلى المشرحة . دخل مع العسكري , الذي تم تكليفه مؤخرا بحراسة المشرحة , إلى غرفة الجثث ليفزعوا مما شاهدوه هناك . فأمامهما كانت الجثث الموجودة بالمشرحة بأكملها معلقة بالهواء بصورة غير طبيعية مقلوبة راسا على عقب , فكانت أرجلها للأعلى , ورأسها للأسفل . وفوجيء عبدالدايم حين رأى متولي بين هذه الجثث , وكان عارياً تماماً . فقام هو والعسكري اسماعيل , الذي كان يرتجف من الرعب , بإنزال متولي إلى الأرض . واندفع الإثنان في جر جسد متولي للإبتعاد به عن هذا المكان الملعون . جذبوه نحو حجرة العمال , ثم وضعوه على السرير .. وبينما غطاه عبد الدايم , اندفع الجندي نحو باب الحجرة فاراً , وهو يصرخ : لن أمكث في هذا المكان الملعون دقيقة ثانية بعد هذا . أخذ عبدالدايم يهز رأس وجسد متولي محاولاً ان يوقظه , ولكن متولي بالرغم من انتظام أنفاسه , لم يستجب لمحاولات عبد الدايم إلا بعد وقت طويل . وحين استعاد وعيه , كان عم منصور قد وصل , وكان يوجه سؤالاً واحداً لمتولي : من أين أتيت بهذه الجثة اللعينة ؟. 

 إتفق الدكتور مصطفى و الدكتور نعيم على أن يتولى مصطفى أمر الأمور الغريبة التي تحصل في المشرحة . وقرر الدكتور مصطفى أن يعرف قصة هذه الجثة اللعينة , والتي حصلت جميع الحوادث بعد وصوله ا. وصل الدكتور مصطفى و متولي وقت المغرب إلى قرية أولاد عكاشة , تلك القرية التي تلتصق بقرية متولي , والتي جلب منها جثة الفتاة . وصلا إلى منزل اللحاد عبد الودود الذي رحب بهما , ودخلوا إلى حجرته التي بان الإهمال فيها واضحا للغاية . سأله الدكتور مصطفى عن جثة الفتاة , وإن كان بإمكانه أن يمده ببعض المعلومات عنها . قال عبد الودود : الجثة كانت لرجل يدعى كمال أبو الفضل , فقال مصطفى : ولكن الجثة التي جاء بها متولي كانت لفتاة شابة في بداية العشرينيات من عمرها ! فقال عبد الودود : مستحيل أن يحدث هذا , فأنا لا أخطيء أي قبر . وأمام اصرار اللحاد , قال له مصطفى: هل يضايقك يا حاج لو قدتنا إلى القبر الذي تم اخذ الجثة منه ؟ فقادهما إلى قبر كمال أبو الفضل . بدت الحيرة على متولي .. فلم يكن هذا هو القبر الذي جلبوا منه الجثة . كان متولي ما زال يذكر النقش الغريب الذي كان متواجدا على أحد حواف الشاهد , فراحوا يتنقلوا بين القبور ليقوموا بالبحث عن القبر الصحيح , وبعد حين أشار متولي إلى القبر . حينها صاح عبد الودود مبتعداً عن القبر , و قال : لقد جلبنا المتاعب لانفسنا و للعديد من الناس , لقد نبشنا قبرها , لقد أيقظنا شهرها . هذا القبر يحوي حكاية تتناقلها النساء الكبيرات في السن , لنذهب لخالتي هي أكثر دراية مني بهذه القصة ! 

 كانت خالته طاعنة في السن . تحيا في منزل ريفي من الطوب . رحبت بهم بصوت قوي . قال لها عبد الودود : نريدك أن تحكي لنا ما تذكرينه عن رومية . قالت إنها حكاية قديمة للغاية , سأحكيها لكم : بدأ كل شيء حين جاء الفرنجة إلى مصر ليقوموا باحتلالها . كان هناك محمود إبن الحاج عبد الحفيظ . كان يتسم بالوسامة و المروءة الشديدة . كانت الفتيات ينظرن إليه ويتنهدن , ولكنه خذلهن جميعاً . قالوا إنه ترك القرية , وذهب إلى القاهرة كي يحارب الفرنجة . غاب ما يقارب الثلاث سنين , وعاد مع زوجته ! التي قالوا إنها كانت فتنة تحبو على الأرض من سحر جمالها . من يراها يظنها من بنات الفرنجة الجميلات . كانت ذات بشرة رائعة , وذات عينين حلوتين آسرتين , لا تستطيع ان تطيل النظر اليهن من حلاوتهن , لذا أطلقوا عليها رومية . مرت الأيام عليها في القرية هادئة .. ومع الوقت بدأت الهمسات ترتفع عن سبب تأخر حملها حتى ذلك الوقت .. إلا أن الأمر بدا وكأنما لا يشغل بال زوجها الذي كان يهيم عشقا بها . وبعدها اشتعلت الشائعات عنها حين زعم البعض أنهم رأوها بين المقابر في منتصف ليلة مقمرة . وبالطبع لم يصدق أحد حرفاً مما قيل , وأعتقد البعض أنها افتراءات كانوا ينشرونها البنات الحانقات عليها . وبعد ذلك مات الكلب الذي كان يملكه الحاج عبد الحفيظ , حماها . الرجل كان يحب الكلب و يهتم به للغاية , وكان لا يفارقه أبداً. والغريب في الأمر أنهم وجدوا بين أسنانه قطعة ممزقة من ثياب رومية .. وأيضاً هذه المرة لم يشك فيها أحد .. فانتهى الأمر و نسيه الناس كلهم , قبل أن يبدأ اختفاء بعض أطفال القرية . قالوا إنهم كانوا ستة أو سبعة , وحين بحثوا عنهم لم يعثروا إلا على جثة واحد منهم فقط . كانت جثة الطفل شاحبة كالثلج خالية تماماً من الدماء . إتجهت أصابع الشك إليها هذه المرة , فقد كان كل الأطفال الذين فقدوا من الذين يزورون بيتها .. فقد اعتادت أن تلاعب الكثير من الأطفال . ولكن هذا الحب لا يفسر أن تجد خادمتها بين حاجياتها أشياء تخص الأطفال الذين اختفوا . وبدأت الهمسات تزيد أكثر وأكثر لحين ما وصلت إلى مسامع زوجها .. فتحدث معها عن هذا الموضوع . بكت كثيراً له وأخبرته بأن الجميع يغار منها لشدة جمالها , بعدها طلبت رومية من زوجها الطلاق , لأنها لا تطيق أن تعيش في هذه القرية التي تكرهها , فرفض طلبها , ثم ذهبا ليعيشا بالقاهرة . غاب لفترة طويلة بالقاهرة قبل أن يرجع وحيدا لزيارة أهله , ليجد أن كل من يقابله ينظر إليه بخوف شديد و يتحاشى الحديث معه . فأخبره والده أنه وبعد أن غادر إلى القاهرة , عاشت القرية أهوالاً كثيرة .. إختفى الشباب من دون أثر .. وغرقت الكثير من البنات في الترعة او المصرف .. لكن المخيف حقاً أن الكثيرين صاروا يرون رومية في شوارع القرية , وفي نفس الأوقات التي تحدث فيها الحوادث . لم يصدق محمود هذا الكلام .. فزوجته لا تفارقه على الاطلاق منذ ان وصلا الى القاهرة , ولكن والده أخبره أنه وأمه أيضاً قد شاهداها ذات ليلة مظلمة تتجول حول الدار . حينها عاد محمود إلى القاهرة . وفي اليوم الذي يليه رجع مع رومية . وبالطبع عاملها الجميع بارتياب شديد , ولم يحدثها أحد , وتفاجأ الجميع بموتها في اليوم التالي . قامت حماتها بتغسيلها , وأوصى عبد الحفيظ أن يكون لها قبر لوحدها . وبعدها بعدة أيام مات هو وزوجته (عبدالحفيظ و زوجته) في ذات اللحظة .. وجدوهما ميتين في السرير , ليلحقهم محمود بعدها بأيام قليلة . وتناثرت بعدها الأقاويل عنها أكثر من ذي قبل .. البعض أقسم أنه رآها بعد ذلك تتجول في الليالي المظلمة . وبالطبع لا أحد يدري بالحقيقة في أقوال كهذه .. لكنها ظلت في النفوس والذاكرة لوقت طويل , وصارت قصة يتناقلها الجميع برعب و توجس كبير , وصار قبرها منبوذاً يخشاه كل الناس . =في الصباح عاد الدكتور مصطفى و متولي مباشرة إلى الكلية , لتنفيذ ما نويا عليه دون اي تاخير .. سوف يدفنون تلك الجثة الملعونة هذا اليوم . تم دفن الجثة و قاموا بالتخلص منها اخيرا . لكن صباح اليوم الذي يليه أتى حاملاً مفاجأة كبيرة لهم . دخلوا المشرحة فوجدوا الجثة راقدة على منضدتها كما كانت من قبل .. إمتلأت نفوسهم بالفزع و الرعب اكثر من ذي قبل .. بدا الأمر, وكأن الجثة ترفض أن تتركهم , وأنها مصرة على أن تبقى بالمشرحة .. ما الذي يعنيه هذا ؟؟. علم الدكتور مصطفى أن الجثة قد رجعت مرة ثانية للمشرحة , فأصابه الرعب و الدهشة و الذهول . شعر أنه بحاجة للتحدث إلى أحد ما , فاتجه إلى قسم الطب الشرعي , إلى الدكتور محمود . قص عليه الدكتور مصطفى كل شيء عرفه لغاية هذه اللحظة عن الجثة , وعن عودتها للمشرحة بعد دفنها . وطلب رأي الدكتور محمود , الذي قال : أرى أننا نواجه لعنة ما .. شراً ما .. سحراً ما .. سمه ما شئت فلا أدري في الواقع ما هو . إبتسم الدكتور مصطفى وقال : هذا ما أردت ان اسمعه منك , ولهذا أتوقع أن تساعدني في أن نستعين بالوحيد الذي أعتقد أنه يفهم في هذه الأمور . قال محمود : اظن انك تقصد الدكتور محمد شاهين , قال الدكتور مصطفى : نعم. 

أخبرت باتعة زوجة متولي جارتها أم كريم بما جرى لزوجها منذ فترة قصيرة , فأخبرتها أنه لن يحل لها هذه المشكلة إلا الشيخ عبد العاطي , كان أشهر الدجالين في ذلك الوقت , لذلك قررت باتعة أن تذهب إليه برفقة جارتها . ولما حان دورهما دخلتا الى الحجرة المظلمة الخاصة بالشيخ بكل ارتباك و ارتياب .. كان هناك الكثير من الدخان ورائحة بخور خانقة . في منتصف الحجرة كان يجلس الشيخ عبدالعاطي بلحيته الشعثاء . شعرت باتعة بالخوف من هذا الجو الخانق المظلم فلم تستطع ان تتكلم , فجف ريقها وصمتت , فاندفعت أم كريم تقص عليه كل شيء أخبرتها به باتعة , فاستمع إليها الشيخ وفمه مستمراً في همهمته الغامضة , ثم قال : خذي هذا الحجاب واعطيه لزوجك , واخبريه أن يضعه خلسة في فم هذه الجثة دون أن يراه اي احد او يلاحظه , لا تنسِ أن تخبريه أن يضع عليه بعضاً من البول الخاص به قبل وضعه في فم الجثة, فهذا سيحميه من شرها ويبطل سحرها , وسينتهي هذا العمل الخبيث إن شاء الله . وفي صباح اليوم التالي كان متولي في المشرحة وفي جيبه الحجاب .. وبالرغم من التردد الكبير و الخوف الذي كان يجتاحه , فقد قرر أن يكون آخر من يخرج من المشرحة , حتى يضع حجاب عبد العاطي دون أن يراه اي انسان . وبمجرد أن صار بمفرده بالمشرحة إتجه إلى قاعة التشريح , ليضع الحجاب في فم الجثة , وبالفعل وضعه دون أن يحدث اي شيء ! 

 إنتقل الدكتور مصطفى والدكتور محمود إلى منزل الدكتور محمد شاهين ليفهموا منه ما يجري بالضبط . باهتمام بالغ تابع الدكتور محمد شاهين ما يقصه الدكتور محمود , والدكتور مصطفى عن الأحداث غير الطبيعية و الغريبة التي تجري في المشرحة . وعندما أنهيا كلامهما , قال : الشبح هو الطيف , وهذا الطيف قد يكون حيواناً أو إنساناً أو أي شيء آخر, ولغوياً تعني كلمة شبح الرؤية غير الواضحة لجسم ما , وشبح الشيء في اللغة هو خياله و ظله .. بالطبع تعد هذه الظاهرة من أهم ظواهر ما وراء الطبيعة , فالفكرة ذاتها قديمة , وموجودة في كل الثقافات تقريباً , حتى البدائية منها .. وفي الغالب يتم تفسير ظاهرة الأشباح على أنها أرواح القتلى أو أرواح الموتى , لكن هناك تفسيرات ثانية .. فالبعض يرى أن الأشباح هي الجان أو الملائكة أو الشياطين , وهؤلاء يرون أن الأشباح الطيبة هي إحدى صور الملائكة , والشريرة هي أشباح للشياطين او الجان , وأقرب الإحتمالات هو أنكم تواجهون أحد الجان . إن الحوادث التي يحتك فيها البشر مع الجان منتشرة للغاية في المناطق الشعبية و الارياف , وأنا بنفسي شهدت الكثير من حوادثها .. وهنا نجد الكثير من حوادث الإختفاء الفجائي .. ونوبات التشنجات والصرع , تدمير الأثاث أو إشعال الحرائق , أو حتى سماع أصوات مرعبة . وفي الغالبية العظمى من هذه الحالات , هناك مرض نفسي ما عند الضحية يفسر الأمر برمته . ولكني في الواقع لدي شكوك ما , وأعتقد أن رؤيتي للجثة الآن ستنفي هذه الشكوك او تؤكدها . 

وصلوا إلى الكلية على الفور , ثم دخلوا المشرحة على وجه السرعة , وساروا نحو قاعة التشريح, وتسمروا بفزع لما رأوه بها . فأمام أعينهم سبحت في الفراغ أربع جثث عارية تماما معلقة من أرجلها لأعلى ورؤوسها لأسفل . كانت تدور بشكل بطيء مرعب , ورقدت في المنتصف جثة الفتاة بلا غطاء . ثم فوجئوا بالجثث وهي تهبط ببطء إلى طاولتها لترقد عليها برفق . عند ذلك بدأ الدكتور محمد شاهين بفحص الجثة , وعندما سحب شيئاً من دماؤها , تبين له أن الدم ما زال طازجا . وعندما صب قطرات من الماء على كف الجثة تصاعد بخار رمادي من يدها . فزع وخرج فوراً من المشرحة , وقال بعيون جاحظة : لقد عبثتم بشيء خطير كثيرا , فحتى الشياطين تخشى ما انتم بصدد ان تواجهونه , يا لكم من تعساء , بل يا لنا جميعاً من تعساء . إنها أحد القدماء , إنها أحد الكيانات القديمة , ألم تدركوا هذا ؟! إنها شر حقيقي , إن الهلاك المؤكد هو مصيرنا جميعا !! 

 وعندما عادوا جميعاً إلى منزل الدكتور محمد شاهين , قال : أتدرون لماذا ذعرت ؟! ثم أخرج كتاباً ضخماً وقال : إن هناك أشياء تميز الكيانات القديمة .. إن هيئتهم هيئة بشرية تماما مثلنا .. كما أن أعمارهم طويلة للغاية حتى أنها تتجاوز آلاف الاعوام .. ما أمامكم ليست جثة ميتة .. بل إنها واحد منهم , لكنها في سبات عميق .. شيء يشبة البيات الشتوي الذي تمارسه بعض الحيوانات .. لكنه هنا قد يصل الى عدة سنين . 

صمت بعدها الدكتور محمد ثم قال : لو لاحظتم فالجثة لم تتحلل على الإطلاق , ولم يظهر عليها أي عامل من عوامل التحلل .. إنها تبدو كفتاة راقدة لا أكثر .. ثم أنكم قد حقنتموها بمادة الفورمالين ليتم حفظها .. وكما رأيتم فإن جسدها قد رفض ولفظ هذا الفورمالين من خلال المسام , حتى أن عروقها ما زال بها دماء كما رأيتم حين سحبت بعضه بالمحقن . لقد بدأت منذ البداية في ممارسة طقوس عودتها الى عالمنا . إن القدماء أقوياء وليسوا بحاجة لمن يقوم بعملهم بدلاً منهم . إنها من قامت بطقس البيات الطويل , وهي أيضاً من تقوم بإعداد العدة لطقس العودة . وبقي شيء أخير , يجب أن تنقضي عليها قمرية كاملة كي تتم الطقوس , وبما أنكم أخبرتوني حكايتها , واعتماداً على هذا الكتاب , فهذا يعني أن الطقوس ستكتمل بعد غد مساءاً, حينها سوف تستيقظ , ولا أريد في الواقع أن أتخيل ما سيحدث بعدها معنا ! إنني أفكر في طقس مضاد لعودتها , لكنني لست متيقناً إن كان هذا سينجح , لا أعلم إن كان هذا الطقس حقيقي أم أنه مجرد هراء . لسوء حظنا أن الكتاب لم يذكر إنْ كان أحد قد قام من قبل بهذه الطقوس أم لا , لهذا ربما نفشل في هذا الشيء و ربما ننجح ! ليس أمامنا إلا أنْ نجرب ونتحمل النتيجة كاملة, فلو فشلنا نهلك كلنا ! 

 في تمام الثالثة فجراً احست باتعة بصوت ما خارج حجرة نومها فخافت , ونهضت وهمست في إذن زوجها النائم بالقرب منها , قامت بهز جسده , وعندما قام ليتبين الأمر سمع صوتها , و احس بيدها الباردة على يده , حينها صرخ , فقامت باتعة تبحث عن زوجها الذي اختفى على حين غرة من امامها , وكان في مكان آخر بعيد جداً . كان في المشرحة الآن معلقاً وسط الجثث .. حيث انتهى أمره الآن الى الابد , حيث لحق بالشيخ عبد العاطي الذي انتهى أمره هو الآخر هناك . 

 الجمعة بعد العصر في فيلا الدكتور محمد شاهين كانوا ستة بخلاف الدكتور ذاته . كان الدكتور مصطفى والدكتور محمود والدكتور هشام, ووكيل النيابة الشاب, بالإضافة إلى عبد الدايم و عم منصور , حيث نجح الدكتور هشام في إقناع وكيل النيابة بضرورة الحضور .. أخبره أن حلّ جريمتي القتل الأخيرتين سيكون متاحاً هذا المساء .. وبالرغم من عدم اقتناع وكيل النيابة إلا أنه في النهاية جاء . 

أشعل الدكتور محمد شاهين سيجارته , وقال موجهاً للجميع كلامه بصوت مرتفع : مرة ثانية إنني أرحب بالجميع في بيتي , ولكن دعوني أذكّركم للمرة الأخيرة بما نحن بصدد ان نقوم به الان , إن علينا أن نوقف أمراً شريراً للغاية متجسداً في هيئة جثة الفتاة التي بالمشرحة , والأمر هنا ليس أحد الجان أو حتى الشياطين , إنه شيء أخطر . ثم صمت وعيناه تتنقل بين الوجوه المترقبة, فأكمل : إننا سنواجه إحدى الكائنات التي كانت تعيش على الأرض قبلنا منذ آلاف الاعوام , كائنات قوية , وشريرة, وملعونة , يكفي أن أخبركم صادقاً أن مواجهتنا لهذا الشيء قد تحمل موتنا باكملنا , وعليكم أن تعلموا أن احتمالات الفشل فيها أوفر حظاً من فرص نجاحنا في ردعها , ولا داعي لأن أذكّركم أن الفشل فيها يساوي هلاكنا كلنا !! ثم شرح لهم ما سيقومون بعمله بالتفصيل . 

وفي تمام الساعة العاشرة مساءاً كانوا جميعاً أمام باب كلية الطب في الجامعة . وفوجئوا هناك بالرائد محمد وهدان في انتظارهم . وعندما دخلوا إلى قاعة التشريح , تجمدوا في أماكنهم بترقب و فزع كبير , وهم يتطلعون إلى الجثث المعلقة في وضع مقلوب في أركان حجرة التشريح , و الفتاة في المنتصف عليها عباءة سوداء . كانت هناك جثتان قد اضيفتا إلى الجثث دون أن يعلم أحد منهم .. جثة متولي , وجثة عبدالعاطي . كان شيئاً مرعبا بحق , لم يكن أحد منهم قد تخيل بشاعة هذا الموقف من قبل . حاولوا الهروب إلا أن باب المشرحة كان قد تحول إلى حائط , ولا مجال لان يخرجوا الان باي حال من الاحوال . تجاهل الدكتور محمد شاهين كل هذا وبدأ في إعداد المكان بمساعدة عبد الدايم و عم منصور . أخذ الدكتور محمد يرسم نجمة سداسية كبيرة , واحاط النجمة بدائرة , ثم بدأ يرسم نجوماً صغيرة داخل النجمة الكبيرة , وفجأة سقطت جميع الجثث المعلقة إلى الأرض بقوة كبيرة محدثة دوياً , فشعروا جميعاً بالرعب والتصقوا ببعضهم البعض في خوف كبير . قال لهم الدكتور محمد وهو ما يزال يرسم دوائر و خطوط : لا تلتفتوا إليها وتجاهلوا وجودها تماماً .. إنها لن تؤذيكم الآن . 

 وكما أخبرهم محمد شاهين إتخذ كل واحد منهم قمة رأس من رؤوس النجمة السداسية , وجلس هو في المنتصف تماما , ثم التقط كل منهم جمجمة ووضعها بين قدميه , كان الدكتور محمد شاهين قد جلب الجماجم في حقيبته الخاصة , بعدها قاموا بإشعال شمعة سوداء وثبتوها على الارض , ثم وضع كل واحد منهم الجمجمة التي يمسكها اعلاها , فتوهجت فجوات عيون الجماجم بضوء لهبي مرعب كأنه منبعث من الجحيم , ثم تعالى صوت الدكتور محمد شاهين وهو في المنتصف يردد باللاتينية التعويذة التي حفظها عن ظهر قلب . وفجأة ترك عبد الدايم يده من يدي عم منصور والدكتور هشام من الخوف الكبير الذي انتابه , فرآه الدكتور محمد يفعل هذا فصرخ فيه بفزع قائلاً : إياك أن تفعل !! إلا أن صرخته كانت متأخرة للغاية , وفجأة امتدت أيد خفية نحو عبد الدايم الذي ما إن حرر يديه حتى قفز خارج الدائرة , وأمام عيني الدكتور محمد الخائفتين تمزقت جثة عبد الدايم إلى أشلاء , فانطلق فوراً الدكتور محمد وحلّ مكان عبد الدايم , وأمسك بيد العم منصور والدكتور هشام , فانطلقت صرخة رعب فورا وارتج المكان بآلاف الزمجرات الصاخبة الغاضبة , واهتزت الجدران كلها حتى كادت أن تميد , ثم صاحت الفتاة بهم بمقت و غضب وقالت : سأعود أيها البائس , وسوف تدفع الثمن , سوف أعود إليك في وقت قريب جدا , تذكر هذا وانتظرني . وفجأة كالسحر همد كل شيء وسقطت على أرض المشرحة جميع الجثث المعلقة , وهبطت جثة الفتاة بهدوء إلى مكانها على منضدتها بالمشرحة , واختفت الأصوات و العواصف الصغيرة و العيون , لكنهم وبرغم الحزن على عبد الدايم إلا أن شيئاً من الإرتياح اجتاح قلوبهم . وقد انتهت لعنة تلك الجثة وبقي في رؤوسهم سؤال معلق بلا إجابة : هل انتهى الأمر حقاً ؟! لكن أحداً منهم لم يعرف الإجابة ... 



                                         النهاية.