السبت، 23 سبتمبر 2017






تلخيص رواية
سفينة الموتى:ب- برايفن
اعداد واشراف:رجاء حمدان 

  ألقت السفينة  القادمة من أمريكا حمولتها الثقيلة على ميناء أنتويرب على ساحل بلجيكا, كانت سفينة تجارية من الطراز الأول جميلة المنظر وكل شيء فيها نظيف, الحمامات والشراشف والأغطيه والطعام والأطباق والسكاكين والملاعق, كنت عاملاً على متنها, مجرد عامل بسيط يمكن الإستغناء عنه  في أي وقت,  فأنا لست عاملاً مهماً فقط أنا مجردعامل طلاء . نزل معظم بحارتها لقضاء المساء والتسكع في المدينة وبقيت على ظهرها, لم أرغب  بالنزول إلى المدينة فأنا لا أحبها فهي تعج بالمحرمات والبحارة السيئيين وأناس بائسين.
بقيت وحيداً على متنها أعاني من الملل والضجر تارة أتمشى على ظهرها وتارة أقرأ حتى أصابني الإعياء والملل من كثرة الضجر والوحدة . بدأ يحل الظلام تدريجياً وبدأت ملامح الميناء تختفي عن نظري، ثم فجأة  قررت  الخروج ورؤية المدينه والناس, ذهبت إلى ضابط السفينة وطلبت منه مبلغاً صغيراً خمسون دولار مقدماً من أجرتي, وبعد مجادلة عقيمة لم يعطني سوى عشرون دولاراً ثم قال لي وهو مقتضب الحاجبين إياك أن تسكر.. جاوبته وأنا خارج من مقصورته إطمئن أنا لا أشرب الكحول.
 نزلت من على السفينة وذهبت إلى إحدى المقاهي القريبة من الميناء, جلست إلى أقرب طاولة من الشباك وطلبت كوب شاي, بدأت برشف الشاي على مهل وقبل أن أنتهي من كوبي وإذا بفتاة دقيقة الملامح ذات شعر بني متموج تقترب من طاولتي, جلستْ إلى طاولتي وبدأت بالحديث. كانت مسلية وسلسة بالكلام ,أحببت التكلم معها وتسامرنا قليلاً ثم قررنا الخروج والتمشي قليلاً في شوارع المدينة, لم أنتبه للوقت إلا عند منتصف الليل, إستأذنت منها للذهاب ولكنها تمسكت بي وقالت: أنت يبدوعليك أنك  شخص مؤدب, إن بيتي قريب من هنا وأنا أدعوك للعشاء هيا, ذهبت معها إلى منزلها وقدمت لي العشاء وأصبح الوقت متأخراً جداً.
في الصباح الباكر جداً ذهبت إلى الميناء على عجل ولكن المفاجأة الكبرى أني لم أر سفينتي, لم تكن موجودة وكان مكانها خالٍ, أصبت بصدمة كبيرة كيف حصل هذا ؟, لم يحن موعد ذهابها بعد, شعرت وكأنني طفل صغير تائه عن أهله ماذا أفعل؟, جلست على صندوق خشبي خاوي القوى أحاول أن أستوعب ما يحصل وأنا شديد الحزن واليأس, وبدأت أحدث نفسي كالمخبول هل يعقل أن يتخلوا عني بكل هذه البساطة وكأني حمل زائد ؟, تمنيت في هذه اللحظه أن تحل بها مصيبة بل عدة مصائب, وتخيلت أن  بحارتها يعودون سباحة بعد نكب سفينتهم بالبحر, لا أعلم كم من الوقت مر علي وأنا جالس على هذا الصندوق منكوب الحال مهموم, وإذا بيد تمسك بكتفي وتهزني بشدة فصحت به :
- من أنت ؟ ماذا تريد مني؟.
-  أرني بطاقتك.
- لا أملك بطاقة فجميع أوراقي وأغراضي على السفينة التي تركتني مرمياً هنا. 
- أرني أي شيء يثبت شخصيتك.
-لا أملك شيئاً في جيوبي, حتى العشرين دولاراً التي كانت بحوزتي لم يتبق منها شيء.
- هيا معي.
- إلى أين.  
- إلى مركز الشرطة.
 وصلت إلى مركز الشرطة ثم قاموا بتفتيشي بدقة بالغة. 
- هل تملك أي أسلحة سألني الضابط.
- لا يا سيدي.
 سحبني إلى غرفة مجاورة يوجد بها رجل قابع خلف مكتبه يتصفح كتاباً, وأخذ ينظر إلى كتاب الصور الذي بين يديه مرة وينظر إليَّ برهة أخرى, ثم هز برأسه دلالة على أنه لم يعثر على صورتي من بين الصور, ثم جاء في هذه اللحظة رجل آخر عرفت أنه المترجم حين بدأ ينقل كلام الرجل الجالس خلف المكتب, سألني :
- من أين أنت.
- من أمريكا.
- ما إسم سفينتك ؟ وأين جواز سفرك ؟ أي إثباتٍ لشخصيتك.
- كلها كانت على سفينتي التي تركتني سيدي.
- إذن لا يمكن أن نبقيك هنا ثم صمت برهة.
- يجب عليك أن تختار بلداً قريبة من حدودنا وسنرسلك إليها, ستذهب إلى فرنسا.
- ولكني لا أحب فرنسا.
- إذن المانيا, سوف تجد هناك فرصة لك للصعود إلى سفينة ومن ثم  تنطلق إلى بلدك.
- ولكني لا أحب المانيا.
- نظر إليّ الرجل بغضب وقال بحزم ستذهب إلى هولندا.
- ولكني لا أحب هولندا.
- هذا الأمر لا يعنينا, عليك الذهاب إلى هولندا ورفع يده بإشارة إلى الباب وأنهى النقاش, ثم أمر الرجل بأخذي إلى الزنزانة.
عند انتهاء اليوم جاء ضابطان مع المترجم وقال:  سنصطحبك إلى محطة القطارات, ثم أمسك بي الشرطيان من اليمين والشمال وحجزوا تذاكر للمحطة القادمة ولم يتركوني لحظة, وبقيا معي على هذا الوضع حتى وصلنا إلى المحطة الأخرى, ثم اقتادوني إلى مركز الشرطة في المدينة, هناك قابلني المسؤول الذي سمع قصتي بإسهاب هو وأفراد الشرطة الذين أخذوا ينظرون إليّ وكأنهم ينظرون إلى مجرم فار, شعرت فعلاً وكأني  مجرم وأنتظر مجيء الجلاد لتنفيذ الحكم. حسناً الأمر ليس عادياً فأنا لا أملك أوراقاً  أو بطاقات تثبت شخصيتي, إذن ما الذي يجبرهم على الإبقاء عليَّ, من الأسهل عليهم أن يقضوا عليَّ وينهوا أمري فلن يسأل أحد عني أو يفتقدني.
جاء رجل وتحدث إلى الضابط الآخر في شأني ثم قال له: يتوجب علينا أن ننتظر حتى حلول الظلام.
هنا بدأتْ أسوء سيناريوهات الموت تعصف في رأسي, ترى لماذا ينتظرون حلول الظلام, هل سيكون التخلص مني أسهل؟ وكيف سيتم قتلي؟, شنقاً أم رمياً بالرصاص أم يغرقوني بالبحر.
بقيتُ على هذه الحالة إلى أن صارت الساعة العاشرة مساءاً, جاءني هذا الرجل مرة أخرى وقال: حسناً لقد حان الوقت.
- إستجمعت قواي وقلت له لن أذهب معك, أنا لي هويتي وبلدي سأشتكي عليكم.
- إثبت لنا أن لك بلد, إثبت لي من أنت, ثم سحبني من ذراعي وسلمني لشرطيين أمسكا بي من ذراعي.
سرت معهم وكأني فاقد الوعي, سرنا إلى أطراف المدينة, كانت الطريق موحشة وعتمة مخيفة, لم يتكلم أحد معي طوال الطريق, ثم انعطفنا إلى طريق فرعي آخر مملوء بالأعشاب, أمسك أحدهم بذراعي وقال : ها نحن قد وصلنا وحان الوقت لوداعك.
بدأتُ أشعر بأن لحظاتي الأخيرة قد أوشكت وبدأ الخوف يتملكني وأخذ جسدي يرتجف بشدة. أن تشعر باقتراب الموت شيء رهيب, شعرت بعطش شديد تمنيت جرعة ماء قبل موتي, ألا يحق لي بطلب أخير, إن حلقي يكاد يتمزق من شدة العطش المخلوط بالخوف, أحسست بأني دودة في هذا المكان ليس لي إسم أو بلد, أموت كالجيفة هنا مجهول الهوية, لن يسأل عني أو يفتقدني أحد, ثم سمعت الرجل يقول :
- ليس لنا بك حاجة الآن.
- هيا أخرِجْ مسدسك وأنهي هذا الأمر بسرعة ( صرت أحدث نفسي).
رفع الرجل يده مشيراً إلى الإتجاه الآخر وقال: تلك حدود هولندا, من هذه الطريق لا يوجد أحد في هذا الوقت لقد تحرينا الأمر, سر حتى تصل إلى سكة الحديد ولا تدع أحداً يلمحك, وعند الساعة الرابعة يبدأ العمال بالحضور, إذهب إلى شباك التذاكر واحجز إلى مدينة (مفيدات) وحفظوني بضع كلمات كي أقولها لهم بالهولندي, وأعطوني خمس قطع نقدية وكيساً يحتوي على قطع من الخبز وزبدة مع علبة سجائر.
إنشرح صدري فقبل قليل كنت أعتقد بأن هؤلاء القوم سوف يقتلوني بدون رحمة, لقد أخطأت بظني إنهم قوم طيبون بلا شك, صافحتهم بحرارة شديدة وودعتهم وأنا ممتن لهم.
- إياك أن تعود مرة أخرى إلى هنا وإلا ستقبع في السجون مدى الحياة .
- بالتأكيد لا, لا لن أعود.
وصلتُ إلى مدينة (مفيدات) وأول ما كان يشغل بالي هو العمل بنصيحة الشرطي والذهاب إلى قنصلية بلدي لكي يساعدوني  في إصدار أوراق ثبوتية والعثورعلى عمل في سفينة, فأنا عامل طلاء جيد وهذه القنصلية  وُجدت من أجل مساعدة مواطنيها وأنا بأمس الحاجة لهذه المساعدة.
قال القنصل:
- أين بطاقتك.
- لقد أضعتها.
-هل تملك أي شيء يثبت شخصيتك, أي ورقة.
- كلا سيدي لقد أضعتها كما أخبرتك سابقاً.
- إذن ماذا أفعل لك.
- أنت قنصل بلدي وأنا مواطن أمريكي وعليك مساعدتي, أريد جواز سفر.
- وما أدراني أنك أمريكي وأنك كنت على متن تلك السفينة.
- أخبرته كيف أن الشرطة البلجيكية ساعدتني للدخول  إلى هذا البلد والوصول إلى قنصليتي لتساعدني في الوصول إلى بلدي. 
بدا لي أنه لا يهتم لي وأخذ يبتسم ابتسامة بلهاء غير عابيء بمشكلتي.
- أريد مساعدتي في إيجاد سفينة للعودة إلى بلادي.
- بدون أوراق ثبوتية لا يمكنك العودة.
- ولكن من أين أحصل عليها.
- لا شأن لي بذلك, كل المساعدة التي أستطيع أن أقدمها لك هي أن أمنحك بطاقة للحصول على طعام مجاني لثلاثة أيام في بيت البحارة وحظاً أوفر لك وداعاً, وأنهى أي نقاش ممكن أن أناقشه معه.
غادرت المكان وأنا في غاية السخط والتذمر منه واليأس من أن أحصل على أي مساعدة من قنصلية بلدي, سرت بالطرقات هائماً على وجهي كالمشردين لا أعرف طريقاً أو مكاناً أستطيع أن أنام فيه, توقفت لحظة أمام إحدى واجهات العرض أتامل ما بداخلها أو بالأحرى أقف قليلاً من شدة التعب, وإذا بسيدة تقف بجانبي وتنظر للواجهة وتتحدث مع زوجها عن الموديلات المعروضة بانبهار, نظرت إليها من جنب خفي فجأة وبدون تفكير وبلحظة يأس شديدة تملكتني وضعت يدي على حقيبتها أريد سرقتها, لكن الزوج كان أسرع مني وأمسك بيدي بشدة وقطع عليَّ الطريق, صمتّ برهة ثم طأطأت برأسي وبدأت بالتكلم معه بلطف, أخبرته عن مدى حاجتي للمال, سردت عليه قصتي  طالباً منه الرأفة لحالي, أخذ الرجل يبتسم ويهز رأسه ثم قال لي: لقد سردت لي قصتك بطريقة مذهلة أعجبتني وأوحت لي بقصة مذهلة أكتبها, فأنا صحفي أبحث دائماً عن المواضيع الشيقة لقرّائي, مد يده في جيبه وأخرج عشرين دولاراً ثم قال: خذها لقاء سرد قصتك بشكل جيد, فرحت جداً بها وقررت أن أذهب إلى فندق زهيد لأنام تلك الليلة قريرالعين, حجزتُ غرفتي البسيطة ورميت بنفسي على السرير أريد أن أنام فقط, أريد الإسترخاء والنوم لا يشغلني شيء غير ذلك. لا أدري كم مضى عليَّ من الوقت وأنا أغض في نوم عميق لأستفيق على طرقات عنيفة على الباب وصوت يصرخ إفتح نحن الشرطة, فتحت الباب وأنا مغمض العينين.
- ماذا, ماذا تريدون.
- هل أنت أمريكي.
- نعم.
- أرنا بطاقتك.
- ليس لدي بطاقة أو أية أوراق.
- هل تعلم أن وجودك هنا غير شرعي بدون أوراق ثبوتية لشخصك.
- لا, لا أعرف.
- هيا البس ملابسك وتعال معنا.
في الطريق سألت السيدين هل معكم سيجارة.
- أين نقودك.
- لا أملك أي نقود.
ثم انهالت عليَّ الأسئلة كالمعتاد من أين أنت, كيف وصلت هنا......أودعوني الزنزانة وقدموا لي فطوراً وبقيت إلى المساء, جاءني شرطيين حملاني إلى محطة قطار, توقف القطار عند مدينة صغيرة, إقتاداني إلى مركز الشرطة فيها وأيضاً بدأ سيل من الأسئلة المعتادة والتي مللت من الأجوبة عليها, ثم جاءني شرطيين وقال أحدهما: هيا لقد حان الوقت.
مشينا مسافة لا بأس بها بين الحقول حتى وصلنا إلى بقعة خالية, وقفا ثم أشاروا بيدهم إلى الإتجاه الآخر.
- سر بنفس الإتجاه إلى أن تصل إلى تلك المحطة ولا تجعل أحداً يشعر بك, واطلب تذكرة سفر إلي مدينة  نبرس, حفّظوني الجملة بالفرنسية, من تلك المدينة تستطيع أن تجد سفينة تعمل على متنها وتذهب بها إلى بلدك, ثم قام بتسليمي مبلغاً زهيداً من النقود ورزمة بها قليل من الطعام والسجائر وقال: إياك أن تعود إلى هنا أبداً لأنك لو فعلت ذلك سوف تودع بالسجن لمدة ست أشهر ثم تودع في معسكرٍ للاجئين للعمل.
بدأت بالسير وأنا أفكر بأني لا أريد أن أذهب إلى هذه البلد, وأني كذلك لو عدت إلى بلجيكا سوف أقتل, وإن عدت إلى هولندا سوف أحبس يا ترى ماذا أفعل ؟, لم يطل بي الوقت لاتخاذ القرار, عكست اتجاهي وعدت أدراجي, فجأة من حيث لا أدري بدأ ينهال الرصاص عليَّ من كل جهة وظهر رجلان صرخا بي :
- ماذا تفعل هنا. 
- أتمشى قليلاً.
- كيف ؟ في هذا الوقت تتمشى بجانب الحدود.
- أخبرتهم عن قصتي وعن تفاصيل الظروف التي مررت بها وأني لم أختار هذا الطريق طوعاً أو بإرادتي.
- إسمع لا نريد المشاكل, إذهب بتلك الطريق لا نريد رؤيتك هنا مرة أخرى هيا.
عملت نفسي بأني أسير بالطريق الذي أرادوه ثم غيرت اتجاهي. بدأت بالسير والسير, ركبت مرة حنطوراً ومرة مشيت على أقدامي إلى أن وصلت للشارع ووجدت شاحنة تقبل بنقلي إلى الميناء. بحثت عن حانة أريد أن أستريح بها قليلاً, دخلت الحانة وأنا في حالة يُرثى لها, كان هناك  مجموعة من الشبان يتسامرون, بدوت  لهم أني غريب, نظروا إليَّ ثم قالوا لي :
- من أين أنت.
- أمريكي. 
- لم نرك من قبل.
- هلا أخذتموني معكم في سفينتكم. 
- ممكن أن نتدبر أمرك.
- ما هي وجهتكم.
- لشبونة ثم مالطا وبعدها مصر وممكن بولوني بفرنسا وممكن من هناك تتدبر أمرك لوحدك.
- حسنا بولوني مناسبة لي, متى ستنطلقون.
- الساعة الثامنة مساءاً تعال يكون القبطان ثملاً ولن يلاحظ وجودك.
في الساعة الثامنة كنت هناك وساعداني في الصعود على السفينة, وبقي القبطان ثملاً إلى أن وصلنا بولوني, نزلت منها متجهاً إلى المحطة وقطعت تذكرة إلى باريس, غير أن التذكرة التي حجزتها لا تصلح للوصول لباريس فهي تكفي لمنتصف الطريق, ولكني أملت بأن أخدع مفتش القطار وأصل بها  لباريس. عند منتصف الطريق جاء نحوي المفتش وسألني :
- أرني التذكرة, أها إنها لا تصلح لباريس.
ثم بدأ يسأل عن جواز سفري وأوراقي الشخصية.
- ليس معي بطاقة أو أية أوراق.
عند توقف القطار في المحطة تم تسليمي إلى مركز الشرطة وأودعوني الحبس. في اليوم التالي تم تفتيشي جيداً, ثم سألوني إن كنت أعرف شيئاً بالخياطة فقلت لهم: لا.  بدأوا بتعليمي الخياطة والعمل في ورشة الخياطة. بعد عشرة أيام استدعوني وأعطوني مبلغاً من النقود هي أجرتي بعد خصم سعر التذكرة - هكذا الحكومة الفرنسية تأخذ حقها بطريقة حكيمة - أطلقوا سراحي بعد تنبيهي بوجوب مغادرتي البلاد خلال خمسة عشر يوماً وإلا سيتخذون الإجراءات اللازمة بحقي.
مرت عليّ بضعة أيام وأنا في فرنسا أنتظر المجهول لا أعلم ماذا سأفعل, ثم قررت أن أذهب إلى قنصليتي لعلي في هذه المرة أجد المساعدة ويكون هذا القنصل أفضل من قنصل بلجيكا, ويتحقق بأني أمريكي ويعطيني أوراقاً ثبوتية لأستطيع التنقل والعمل والذهاب إلى بلدي. دخلت إلى القنصلية والأفكار تتزاحم في رأسي, ترى هل سيقدّم لي المساعدة أم يقول لي كما قال قنصل بلجيكا ما أدراني بأنك أمريكي, على كل حال لا يوجد أمامي إلا المحاولة  لعل الحظ يبتسم لي أخيراً. جلست في غرفة صغيرة أنتظر دوري لمقابلة القنصل, كانت الغرفة ممتلئة بالأشخاص الذين لكل واحد منهم همه ومشكلته. مر علي وقت طويل وأنا أنتظر وبدأ الملل يعتريني, نظرت إلى الباب وإذا بسيدة ممتلئة الجسد ليست بالجميلة ولكن يبدو من ثيابها الفاخرة أنها سيدة ثرية, نادت بأعلى صوتها: لقد أضعت جواز سفري أين القنصل ؟, جاء المعاون على السريع أدخلها غرفة أخرى مقابلة للغرفة التي أجلس بها, ثم رجعت على السريع وبيدها مجموعة من الأوراق قامت بتعبئتها على الفور وبسرعة ناولتهم إلى المعاون, ثم ذهبت إلى القنصل وخرجت من عنده وقامت بتوقيع أوراق أخرى, قال لها المعاون : سوف نرسل لك جواز السفر إلى الفندق سيدتي.
بدأ الأمل يخالج صدري والإنتعاش يدب في عروقي, لقد تم إعطائها جواز السفر بسرعة وسهولة, يبدو أن الأمور هنا أسهل وأقل تعقيداً من سابقتها. أخيراً جاء دوري وتم استدعائي لمقابلة القنصل, دخلت عليه فبادرني بالقول:
- تفضل بالجلوس كيف يمكنني أن أخدمك.
- أضعت جواز سفري وأوراقي الثبوتية وهوية البحار.
- وأين سفينتك.
- لا أعلم لقد فقدتها, أبحرتْ بدوني حين كنت خارجها أتمشى.  
شعرت بأن لهجته بدأت تتغير معي.
- هل كنت ثملاً.
- لا.
- لكنك تدَّعي بأنك بحار.
- أنا كذلك ولكن السفينة غادرت وجميع أوراقي وأغراضي داخلها.
- ماهو رقم هويتك البحرية.
-لا أعلم.
- أين تم إصدارها.
- لا أعلم بالضبط فأنا كنت على متن عدة سفن أتنقل من واحدة إلى أخرى, وكنا نمر بمدن متنوعة.
- هل لديك عنوان ثابت في الوطن؟.
- لا أنا أعيش على متن البواخر طوال الوقت أو في سكن البحارة.
- أيضاً لا يوجد عنوان ثابت!, هل لديك أقارب أو أهل؟.
- لا, أبواي متوفيان ولا أعلم أن لي أقارب.
بعد سيل من الأسئلة نظر إليّ بإمعان نظرة طويلة ثم قال :
- لا يوجد إثبات لديك أنك مواطن أمريكي.
- ولكني ولدت هناك وأبواي وجدودي أمريكان.
- أثبت لي ذلك وسأصدر لك جواز سفر بالحال, ربما تكون سجيناً هارباً أو مجرمأً أو مطلوباً للعدالة وتريد أن تنتحل أي شخصية لتبعد التهم عنك, أنا آسف لا أستطيع مساعدتك.
خرجتُ خاوي الوفاض محطماً وكلي يأس بأن أتلقى أي مساعدة من قنصليتي.
مشيت في طرق مجهولة إلى أن قادتني قدماي إلى طريق جنوبي قديم يبدو أنها منطقة زراعية, ثم خطر في بالي إن سألني أحد عن جنسيتي سأقول بأني ألماني فهولاء المزارعون لا يحبون الأمريكان. وبالفعل تم الترحيب بي على أني ألماني وقدموا لي الطعام والمأوى وأخبرتهم أني في طريقي إلى إسبانيا.
عملت عندهم ستة أسابيع وعندما حان موعد سفري أعطوني أجرتي ودلوني على الطريق الذي يوصلني إلى الحدود, ودّعتهم بحرارة ومشيت باتجاه الحدود إلى أن وصلت إلى جدار قديم به بوابة ضخمة, دخلت من خلاله إلى مكان بدا لي وكأنه شيء أثري مهجور, فجأة ظهر ضابطان لا أعلم من أين طلعا وصرخا بي :
- أنت قف, ماذا تفعل هنا ؟, من أين جئت ؟, أرنا هويتك؟.
أها يبدو أني في حصن عسكري. شرحت لهم حالتي بالتفصيل.
- يجب أن نأخذك إلى الضابط المسؤول.
سمع الضابط قصتي ولكن بدا عليه الإنفعال والغضب ثم قال لي بحزم: إن القانون الحربي ينص على أن تُعدم رمياً بالرصاص خلال أربع وعشرين ساعة.
بالنسبة لي لم أتأثر لهذا الخبر فأنا ميت ميت بلا وطن ولا هوية ولا بلد, بل بالعكس لعلي أجد بالموت راحة بال, سألني الضابط الآخر:
- أنت جوعان؟.
- إنني أتضور جوعاً.
- هههههه يا لقوة أعصابك.
- كَوْني أنتظر الإعدام أريد وجبة مضاعفة ومميزة.
تم تقديم الطعام لي وقال لي الضابط: يمكن أن تبقى مستلقياً على ذلك السرير بقية الليل إلى أن يحضر غداً القائد العسكري.
في الصباح الباكر تم عرضي على القائد. 
- ألم تر اليافطات. 
- أي يافطات سيدي. 
تلك التي تقول أن هذا المكان منطقة عسكرية وأن من يدخله بدون إذن يجب أن يحاسب .
- لا, لا لم أرها, حتى لو رأيتها فأنا لا أعرف قراءتها.
- هل أنت هولندي.
- أنا ألماني.
كم كانت دهشته قوية عندما سمع بأني ألماني , ثم بدأ بأسئلةٍ لا حصر لها, أين ولدت في المانيا وما إسم عائلتك وهل أنت جندي أم لا, كنت أخترع له أي إسم وأي جواب, ثم التفتَ إلى الضابط وقال له: هل كنت تعلم أنه ألماني.
- نعم سيدي.
نظر إليَّ ملياً ثم قال لي:
- وإلى أين كنت تنوي السفر.
- إلى إسبانيا.
سآمر بإيصالك إلى الحدود الإسبانية وابتعد عن هنا إلى أقصى حد, لا أريد أن أذّكرك بالمصير الذي ينتظرك هنا.
 وصلتُ أخيراً إلى مدينة لشبونة في إسبانيا, إنها مدينة تعج بالحركه والتجارة والسفن, كنت في كل يوم أنتظر قدوم السفن وأستجدي من ربانها فرصة  للعمل لكن الجواب كان دائماً مقطوع بالرفض لعدوم وجود أوراق ثبوتية أو هوية بحارة لديَّ, حتى أن إستجدائي لفضلات الطعام من أحد المطاعم بات عليّ أهون من طلب العمل على ظهر السفن. جلست في إحدى الحانات محبطاً في قمة يأسي, جاءت النادلة وقالت لي:
- هل أحضر لك طعام.
- لا أملك نقوداً.
- ماذا تعمل.
- بحار ألماني.
لا تهتم سيصبح معك مالاً الآن , صاحت بصوت عالٍ: أيها السادة بيننا بحار ألماني بدون سفينة ولا يملك شيئاً هل تتبرعون له بشيء, حملت النادلة الطبق ولفت به على الجميع وكل شخص كان يضع قطعاً نقدية فيه, ثم جاءت عند طاولتي وأفرغت محتواه على طاولتي وقالت: هذا لك. أكلت وجبة طعام ودفعت ثمنها ووضعت ما تبقى في جيبي, وعند مغادرتي الحانة ذهبت إلى النادلة وشكرتها بحرارة.
في كل يوم كنت أذهب إلى الميناء وأنظر إلى السفن القادمة بحسرة وأقول  هل سيأتي يوم ويقبل ربان سفينة أن يشغلني على سفينته, بقيت على هذا الحال أيام, وفي يوم كنت أنظر إلى السفن من بعيد وهي قادمة, بدأت تقترب سفينة ضخمة بقيت أراقبها إلى أن رست قريبة مني إنها سفينة اليوركيه.  بدت لي عن قرب أنها عجوز قديمة جداً, ثم  بدأ بحارتها بالنزول منها وإذا بصوت يصرخ بي :
- هيه هل أنت بحار مرخص.
- لا.
- حسناً إركب معنا فنحن بحاجة  إلى عمال.
صعدتُ إلى السفينة وإذا بها سفينة قديمة رثة كل شيء فيها بالٍ ومهتريء وكأنه مضى على وجودها قرون عدة, قلت لنفسي ومن يأبه المهم أن أجد عملاً وقوتاً يومياً بلا ذل. ذهبت إلى مقصورتي, كانت رائحة القذارة تفوح منها ولا يوجد بها أثاث, قلت لهم: أين أستطيع أن أستلم فراشي.
- لا يوجد فراش.
- وأغطية؟.
- لا يوجد أغطية ولا وسادة.
من يرغب بالعمل على هذا الدلو العائم إلا شخص تقطعت به الأسباب والحيل كحالي وقذفته الأقدار إلى هنا, ومن يقول أن تلك القصص التي يرويها البحارة عن سفن العبيد هي كذب وخرافات. كانت اليوركيه تمخر في البحر وتبتعد عن الميناء بسرعة عندما جاءني أحد البحارة يدعوني لمقابلة القبطان .
بدأ هذا الوحش المسمى القبطان بأخذ البيانات وتسجيلها في دفتر البحارة ثم هز برأسه قائلاً :
- إذن أنت عامل الفحم.
- لا, ماذا سيدي؟.
- أنت العامل الذي سيسحب عربة الفحم إلى غرفة المرجل.
- كلا سيدي لم أتفق مع المعاون على ذلك, أنا عامل طلاء.
- نحن لا نحتاج إلى عامل طلاء, ومسجل إسمك على أنك عامل فرن.
-لا لا, لقد خدعني المعاون, لم يكن هذا اتفاقنا.
 قاطعني بحزم وقال: سوف تقوم بسحب عربة الفحم إلى المرجل إنتهى النقاش .
لم أعطيه أي شيء حقيقي عن بياناتي حتى إسمي غيرته وأسميت نفسي بييه, فلن أضع إسمي ووطني على هذه السفينة البائسة, قال القبطان :
- إن أجرة عامل الفحم خمسة واربعون بيسو.
- ولكن هذا أجر زهيد, لم أتفق على ذلك.
- لن تأخذ أكثر من ذلك ويكفيك ثرثرة, أين تعتزم النزول!.
- في أول ميناء ترسو به السفينة.
- لا يمكنك ذلك, أنت سجلت بأنك ستنزل في ليفربول وأنا قد غيرت وجهتي, سأرسو في اليونان بعد ثمانية عشر شهراً, لديّ حمولة سردين وبعدها أتوجه إلى ليفربول.
تم تسجيلي على أني بييه من الإسكندرية مصر. عند المساء جاء وقت العشاء, نظرت في طبقي وقلت أين اللحم؟.
- لا لحوم اليوم , ثم اليوم أنا حضّرت العشاء وغداً عليك, لا يوجد خدم هنا وعمال الفحم هم من يقومون بالخدمة.
- ومن يجلي .
- عامل الفحم.
- ومن ينظف المهجع .
- عامل الفحم .
كنت جائعاً جداً, أمسكت الطبق أريد أن التهمه وإذا بصوت يصرخ بي: أترك الطبق والملعقة إنهما  لي.
- حسناً وأين صحني.
- كان يجب أن تحضر صحنك معك.
- كيف سآكل إذن .
صرخ أخر وقال: بإمكانك أن تستخدم صحني وملعقتي ولكن بالمقابل يتوجب عليك جليهم باستمرار.
قررت تنظيف مهجعي فأنا لن أستطيع أن أنام في هذه القذارة, ذهبت إلى المساعد وطلبت منه أدوات تنظيف, سخر مني وجاوبني بصوت أجش : أغرب عن وجهي فليس لدينا صابون لتغسل به وجهك, لا فائدة من الجدال وإن فعلت سوف أحرم شهرين من راتبي, ذهبت إلى سريري العاري محاولاً النوم وحين رحت بغفوة سريعة وإذا بيد توقظني.
- هيا انهض, عليك أن توقظ عامل الفرن الآخر وتحضّر القهوة.
بدأ ستانيسلاف وديفان بتدريبي على العمل.
- ما اسمك.
- بييه.
- هيا تأكد أن الحبل مثبت.
- إرفع الحبل.
ضغط ستاني على زر الونش وتحرك وعاء الفحم المتدلي ثم ضغط مرة أخرى.
- هيا بييه أكمل أنت العمل وقم بإفراغ ما يحتويه هذا الوعاء من رماد في البحر. كان الدلو ساخناً جداً وفيه ما يقرب من خمسين كيلوغراماً من الرماد المتقد من الجمر, وكان يتوجب عليّ حمله بين ذراعي عبر ممر ضيق, ثم أفرغ الحمولة في الماء وأعيده إلى مكانه حتى يمتليء للجولة الأخرى.
بعد سلسلة من العمل المضني انتهت مناوبتي الأولى فى آخر الليل, جررت نفسي بصعوبة أحاول الوصول إلى سريري, لم يبق شيء  في طريقي  إلا وتعثرت به وكأنه لا يكفيني تعبي هذا حتى أعاني هذه العتمة للوصول إلى مهجعي حتى تأذت قدماي ونزلتْ منهما الدماء, وطبعاً لا توجد هذه الخردة من إسعافات لأعالج بها جروحي.
أسبوع من العمل المضني كفيل بأن ينسيك التركيز والتفكير أو حتى ما يدور حولك في هذا العالم لأعوام, عدا عن هذا التعب كان يتوجب  للوصول إلى  غرفة الفرن أن أنزل من خلال السلالم إلى فتحة صغيرة لبخار الماء التي من خلالها أسلك طريقاً يقود إلى غرفة التسخين, وكنا نضع أيدينا على أعيننا لحمايتها من رذاذ الماء الساخن ونمشي بسرعة وبحركة بهلوانية نشق بها الطريق عبر أنابيب ساخنة صدئة, فهذه هي الطريق المسموح لنا أن نسلكها إلى فرن التسخين. ولا أظن غير عمال الفحم يسلكون هذا الجحيم حيث لا يقبل أحد بهذا الجحيم سوى رجال بلا أوطان وبلا جنسية وبلا جواز سفر.
مرت علي أيام وأسابيع وبدأت أعتاد هذا العذاب, وتعلمت أن الناس المرهقون من العمل الشاق لا يمكنهم أن يفكروا أو يأبهوا لما يدور حولهم, فهم مخدَّرون من شدة التعب والذل.
كنت أتكيء على دربزين السفينة وأنا منهك ولكن فجأة توقفت اليوركيه وبدأت قوارب تحوم حولها, ثم بدأ الرجال في القوارب ينقلون صناديق كثيرة بسرعة البرق, وعند انتهائهم  من نقل الصناديق وعودتهم إلى قواربهم عادت اليوركيه إلى السير بسرعة.
بدأت أحدث نفسي أن اليوركيه غير مؤهلة لحمل بضاعة ذات قيمة فلماذا تحمل هذه الحمولة الثقيلة, أخذ هذا الأمر يقلقني  وحب الفضول  يدفعني  حتى أعرف ماذا يوجد في هذه الصناديق . ذهبت إلى إحدى هذه الصناديق, قرأت الملصق الموضوع عليها على عود ثقاب إنه مربى خوخ منشأ ألماني, قررت أن أفتح الصندوق وآخذ علبة, فنحن يطعموننا خبزاً مدهون بقليل من دهن الزبدة الذي يشبه طعمه الصابون وها هنا علب المربى الفاخر, أخذتها إلى المطبخ وعلى ضوء المصباح فتحتها ومددت بأصبعي لألعق  طعم المربى, لقد بدأ لعابي يسيل لا أستطيع أن أصبر سأغرس أصابعي كلها في العلبة, ولكن لشدة دهشتي خرج مع أصبعي شيء معدني من المربي تحسسته قلت لعله نواة من الخوخ, تذوقته ولكن طعمه بشع به نكهة النيكل أو الحديد, زاد الفضول عندي ورحت أفتح صندوقاً آخراً, مددت يدي به وتحسست , إنها أسلحة وعتاد, الأمر لا يحتاج لنباهةٍ اليوركيه تهرِّب أسلحة من ألمانيا.
كورتاسو هو أحد عمال سفينة الموت هذه الذي جعله القدر يعمل عليها هرباً  من الجوع والضنك الذي أعياه, وفي يوم مناوبته عندما كان بغرفة التسخين إنفجر مقياس أنبوب التسخين الزجاجي وتسربت منه سحابة  بخارٍ من الماء المغلي، وفي العادة يجب أن يوجد صمام أمان على هذا المقياس للتحكم بكمية البخار كما تقتضيه  قواعد السلامة, إلا أن تلك السفينة الخردة لا تملك لديها تلك التقنية, فامتلأ المكان في دقائق برذاذ الماء الساخن وانعدمت الرؤيا, ولكي يتم السيطرة على هذا الوضع  وحتي تبقى اليوركيه تعمل يجب القفز إلى الحنفية البدائية للمرجل وقفلها, وطبعاً من المسؤول عن هذه المهمة ؟ هو عامل الفحم, فهو أوضع شخص وأقذر شخص على هذه السفينة والواجب عليه أن يُضحي. حاول كورتاسو إداره مقبض الحنفية ليغلق الأنبوب إلا أن الضغط ارتفع ولم يتوقف وازداد الأمر سوءاً وتكاثف البخار أكثر من الأول وبدأ الصراخ عليه من المسؤول القابع خارج الغرفة يراقب من بعيد: هيا أعد المحاولة كرر إضغط على المقبض أكثر, والمسكين يبذل أقصى جهده إلى أن  استطاع أن يسيطر على الوضع وبعدها وقع مغشياً عليه, حملوه إلى مهجعه, لم تسمع بحياتك صراخاً كصراخه من شدة الألم ، لم يكن باستطاعته النوم لا على ظهره ولا بطنه ولا جوانبه ، كان جلده المسلوخ يتدلى من جسده المحترق الذي تعلوه فقاقيع كبيرة غريبة المنظر. عند المساء توقف الصراخ وتم إلقاءه في البحر مع قطعة حديدية ثقيلة مثبتة بقدمه.
رست اليوركيه على سواحل فرنسا, نزل البحارة من السفينة وأنا اكتفيت بالتجوال في المرفأ مع ستانيسلاف, تفرجنا على السفن والبحارة، لفت انتباهي تلك السفينة العملاقة نظيفة الطلاء وهي ترسو , رست بجانبنا سفينة إنكليزية تمعنت بها عن قرب وحدثت نفسي إنني على استعداد لأتخلي عن أجري كله وأعمل بها.
لم أستطع أن أخفي إعجابي وانبهاري بتلك الجميلة صرخت بأعلى صوتي علي البحارة الموجودين على سطحها : هل تريدون عامل فرن.
- هل معك أوراق وبطاقة بحار.
- لا.
- لا يمكنك العمل عليها.
طبعاً سفينة بمثل هذه الروعة لماذا تقبل أن تأخذ عمالاً مجهولين, سفينة نظيفة بكل شيء, إنها تتبع القوانين وتمخر بالبحر كالأميرة فكل شيء عندها قانوني, ولكن سفينة بهذه الروعة لماذا تحط على هذا الميناء لا بد أن لديها حمولة ثقيلة تريد التخلص منها, لو أني أبقى هنا كم يوم لكنت عرفت أمرها ومتعت نظري برؤيتها. تمشينا أنا وستانيسلاف قليلاً ثم عرجنا على إحدى الحانات, تناولنا طعاماً لم نأكله  كبشر من مدة طويلة ثم انضم إلى طاولتنا أحد البحارة وأخذ يدردش معنا, سألت مضيفنا يبدو أن سفينة مدغشقر سترسو أياماً عديدة في مرفأ داركا, يا لها من سفينة جميلة, جاوبني :
-لا يغرك مظهرها, من الخارج حرير ومن الداخل طين.
- لا أفهم ما تعني ما خطبها.
- إنهم يغرون الناس بالعسل ويقدمون أفضل الوجبات ولكنها وجبات الجلاد.
- لا أفهم أفصح يا رجل.
- إنها عربة نقل الموتى.
- هل تعني أنها تقوم بنقل الجنود القتلى.
- إنها تنقل جثث بحارة.
- ماذا وكيف هذا ؟.
- إنها تسعى إلى قبض قيمة التأمين على السفينة.
- وماذا يعني هذا.
المسألة بسيطة, عمر تلك السفينة ثلاث سنوات وقد بنيت لصالح الشركة الآسيوية الأمريكية, كان من المقرر أن تسير بسرعة خمس عشرة عقدة في الساعة, ولكن بعد عملها بفترة انخفضت سرعتها إلى ست عقدات بالساعة في أفضل حالاتها, وهذا الشيء يقود الشركة المالكة إلى الإفلاس, لذا لا بد من إخراجها من الخدمة وقبض ثمن بوليصة التأمين لتعويض الشركة خسارتها, لذلك حاول القبطان إغراقها  أكثر من مرة ولكن المحاولات باءت بالفشل وتم إنقاذها من قبل السفن التى رأت الحادث لحظتها, لذا سيحاول قبطانها النجاح في إغراقها هذه المرة  لأنه لو تكرر فشل إغراقها مرة أخرى ستكون هناك شبهة وستبدأ شركة التأمين بالتحقيق بالأمر وتلغي بوليصة التأمين.
- إذن لماذا هي راسية بالميناء إلى الآن.
- لا يمكنها الإبحار فليس عليها عامل فرن.
- هراء لقد طلبت منهم أن أعمل لديهم عامل فرن ورفضوا لأني لا أملك أوراقاً ثبوتية.
- لن يأخذك القبطان دون أوراق ثبوتية لأنه إن تم إنقاذ بحار بدون وثائق ثبوتية له سيثير الشك حول السفينة والتحقيقات ستكشف الأمر لاحقاً.
- إذن كيف ستبحر هذه السفينة بدون عامل فرن.
- لا تقلق هم مستعدون حتى للخطف لو لزم الأمر.
- أمر مرعب.
عدنا أدراجنا إلى اليوركيه وطوال الطريق وأنا أفكر في هذه  السفينة الإمبراطورية الكذوب وطاقمها الكئيب. في اليوم الثاني لم أطق أن أبقى في مهجعي ,إشتقت للهواء الطلق فقلت لستانيسلاف دعنا نتمشى قليلاً على اليابس. كنا نتمشى على مهل فالطريق غير واضح من شدة العتمة وقلة الإنارة التي لا تجعلنا نرى بعضنا بوضوح, ولم أكد أستدر لصاحبي لأحثه على المتابعة في الحديث حتى شعرت بضربة قوية على رأسي وقعت بعدها على الأرض مغشياً عليَّ, لا أدري كم مضى عليّ من الوقت فاقد الوعي, وحين استيقظت وجدت نفسي في غرفة معتمة والأرض تحت قدمي تترنح فأدركت بأني في سفينة تسير بالبحر, بدأت بالصراخ وضرب قدمي بالجدار بقوة, لم يطل الأمر كثيراً حتى جاء رجل وهو يصرخ بي :
- هل ذهبت عنك آثار السكر.
- على ما يبدو نعم.
لست بحاجة حتى يخبرني أحد ماذا وأين أنا , إنه اختطاف على ظهر سفينة مدغشقر الإمبراطورة.
- هيا يريد القبطان أن يراك.
بدأت بالصراخ والتخبيط وبدا القبطان هادئاً بلا أي تعبير على وجهه.
- أنتم خاطفون.
رد القبطان بهدوء : يبدو أنك ما زلت ثملاً  هيا اجلس هنا,  ثم سأل الرجلان الآخران هل هو هذا الرجل.
- نعم سيدي.
- إذن ماذا تفعل هنا على سفينتي.
- أنا الذي أريد أن أعرف كيف وضعتموني على هذه السفينة, رد الرجلان:
- كنا نقوم بتنظيف المخزن حين عثرنا عليه نائماً بركن المخزن من شدة السكر.
- القبطان المسأله بدت واضحة, أنت تسللت إلى السفينة تريد الهرب إلى إنكلترا وتفلت من أيدي الشرطة, أنت تستحق العقاب على فعلتك هذه, لذا عندما نصل لإنجلترا سأسلمك للشرطة.
تركته يتكلم كما يشاء فلن ينفع أي كلام في هذه الغابة ثم استطرد قائلاً:
- أنت عامل الفرن هنا, هيا اذهب إلى العمل في غرفة التسخين.
قبل بدء مناوبتنا بالعمل قدموا لنا طعاماً كان لا بأس به وهو الشيء الوحيد الجيد إلى الآن, دخل علينا رجلان شبّهت على أحدهم,  كان وجهه مهشماً ورأسه ملفوفة بالضمادات, صرخت : سستانيسلاف أهذا أنت؟.
- بييه أنت أيضاً.
- كيف أمسكوا بك.
- عندما رأيتهم يضربوك على رأسك لحظتها انحنيت بسرعة كي أتفادى ضربتهم, ولكنهم كانوا أكثر من ثلاتة أحاطوا بي وضربوني بوحشية.
- ما هي القصة التي روها لك حتى يبرروا وجودك هنا.
- قالوا إني تورطت معهم بشجار وطعنت أحدهم ثم إني تسللت إلى سفينتهم لأختبأ من الشرطة.
- لفقوا قصة مشابهة لي أيضاً, على كل حال إطمئن لن يطول الأمر بنا طويلاً, قريباً جداً سوف يجدوا بقعة مناسبة بالبحر ويغرقوا هذه السفينة, فقد سمعتهم  يتحدثون أنهم سوف يقومون بتدريب لقوارب النجاة بعد الساعة الخامسة وطبعاً نحن لن نكون معهم.
عند منتصف الليل بدأتْ مناوبتنا, نزلنا إلى غرفة الفرن وعلى الفور صرت أعاين المكان وأول شيء كنت أبحث عنه هو فتحات التهوية وسلم للخروج عندما تحين الساعة, وقلت لستاني يوجد سلم عند المخزن العلوي من خلاله نستطيع الوصول للسطح عندما تحين الساعة.
لم يمض على وجودنا سوى يومين في هذه الإمبروطورية, وفي خلال مناوبتنا سمعت صوت انفجار قوي جعل جسدي يرتطم بقوة بالمرجل, كنت على يقين أن الأحداث ستكون أثناء مناوبتنا فعمال الفرن هم أحقر الناس لديهم وهم الواجب التضحية بهم من أجل مصلحة الشركة, خرجت بسرعة باتجاه سلم المخزن العلوي, وجدت ستاني يستعد للصعود, عنده بدا لنا صوت نحيب وصراخ قوي  صادر من غرفة التسخين, صاح ستاني إنه عامل الفرن يجب أن ننقذه هيا يا بييه, رجعنا أدراجنا إلى غرفة المراجل فوجدنا العامل المسكين قد علقت قدمه بقضبان الحديد ولا يستطيع الحراك, حاولنا جاهدين أن نخلص قدمه من تحت القضبان ولكن بلا فائدة, صرخ ستاني وقد بدأ الوقت ينفذ هيا ناولني تلك المطرقة هناك, بسرعة البرق أحضرتها فتناولها مني وبلمح البصر هوى بها على قدم المسكين وقطعها ثم حمله على كتفه إلى السطح.
حينما وصلنا إلى السطح وجدنا البحارة قد بدأوا بالنزول إلى قوارب النجاة, سلمنا لهم العامل بعد أن ربطنا قدمه بقميص ليأخذوه معهم , كان هناك القبطان ينتظر حتى تتم عملية نزول جميع من على السفينة إلى القوارب  حسب ما يقتضيه البروتوكول البحري, وحتى يجعل عليه شهوداً لأن هذا التصرف يفيده في التحقيق ويقطع الشك على شركة التأمين بأن تجد عليه مأخذ. نزل القبطان بالقارب قبل الأخير ونزلنا أنا وستاني وما تبقى من رجال في القارب الأخير, كان الموج عالياً ويقذف بنا تارة يميناً وتارة شمالاً وكان القارب يرتفع وينخفض بشدة, حاولنا التجديف بلا فائدة, صرخ أحد الرجال يوجد تحتنا صخور, المنطقة هنا ضحلة هيا اقفزوا بسرعة, لم يكد ينهي كلامه حتى صرنا جميعاً بالماء والقارب تحول إلى شظايا. لم أعد أسمع صوت أحد صرت أصرخ على صاحبي أين أنت, سمعته ينادي من بعيد يجب أن نرجع إلى السفينة يا بييه فهي أئمن مكان الآن, ستظل طافية لمدة يومين قبل أن تغرق. وصلت عنده وأنا ألهث, أشار لى بيده إلى السفينة وبعد جهد جهيد وصلنا إلى السفينة, كانت معالمها قد تغيرت وجزء منها بات تحت الماء.
عندما بدأ نور الصباح يظهر قمنا بجولة استطلاع في السفينة, عثرنا على مياه الشرب الخاصة بالقبطان وأنواع الشراب المختلفة, ذهبنا إلى المطبخ ووجدنا مخزون المطبخ موجود كاملاً, تناولنا فطوراً ملوكياً  ثم دخنا سيجاراً من سجائر القبطان, شعرنا بأن ميلان السفينة بدأ يزاد أكثر فأكثر فما هو إلا وقت قصير وستنقلب السفينة رأساً على عقب,  قال ستاني: يجب أن نذهب إلى الساحل سباحة لأنه لا يمكن أن تمر من هنا أي سفينة ممكن أن تنقذنا .
- لكن كيف سنصل إلى الساحل مستحيل, إنه يبعد عنا مئات الأميال.
أصبحنا على الجزء العلوى من السفينه وكنا أنا وصاحبي ملتصقين ببضع وقد ربطنا أنفسنا بالحبل من طرف والطرف الآخر بجزء علوي من دربزين السفينة خوفاً من أن تقذفنا الرياح القوية بالماء.
 إزداد صوت الضجيج والإهتزاز سوءاً  فأدركنا أن الساعة قد حانت ولن تصمد هذه الامبرطورية أكثر من ذلك, صرخ ستاني هيا اقفز بسرعة إلى الماء واسبح بعيداً عنها حتى لا تسحبنا السفينة معها, قفزنا  إلى الماء وسبحنا بعيداً عنها, غطستُ في الماء بقوة نزلتُ في الأعماق حتى شعرت بأن نفسي يكاد ينتهي هنا وأنى أختنق , حاولت الصعود كانت المياه أثقل مني وتدفعني إلى الأسفل, كررت المحاولة إستجمعت كل ما بي من قوة حتى أخرج رأسي من الماء, لمحت لوحاً خشبياً بجانبي تعلقت به,  كان هذا آخر ما تبقى من إمبرطورية مدغشقر, تعلقت به واستطعت أن أجلس فوقه, سمعت صوت ستاني ينادي :
- أين أنت يا بييه.
- أنا هنا جالس على شيء خشبي تعال عندي يوجد متسع لك.
نجح ستاني بالجلوس إلى جانبي, كان همنا أن نبقي أصابعنا متشبثة بنتوءات هذا اللوح الخشبي حتى أنى شعرت بأصابعي تيبست داخل هذه النتوءات عدا جفاف حلقي من كثرة العطش, بقينا على هذه الحالة إلى أن هدأت العاصفة. صاح ستاني:
- هل لاح لك شيء من اليابسة.
-لا, لا أرى شيئاً.
عند العصر نزل علينا الضباب, شعرنا بأن البحر بدأ يصغر من حولنا, توهمنا بأننا نطفو على سطح بحيرة صغيرة وأن هذه البحيرة تنزلق إلى نهر قريب بدت ضفافه قريبة جداً منا, ثم انقشع الضباب وبدوت وكأني أرى ناطحات السحاب والمباني الكبيرة وأضواء الميناء تتلألأ على الجانب الآخر, صحت أنظر يا ستاني إلى أضواء هذا الميناء الكبير, رد قائلاً :إنك تحلم هذه  الأضواء هي نجوم تلمع في السماء, لا يوجد ضفاف نهر نحن في وسط البحر يا صديقي. لا أعلم كم بقينا من الوقت على هذه الحال ثم صاح ستاني: وجهي متيبس لا يمكن لمسه من الماء المالح, ثم رأيت صاحبي يكاد يختنق من يبوسة لسانه وفجأة قفز صارخاً : إنها الساعة الخامسة حان وقت نوبتي على اليوركيه, يجب أن أحضّر الفطور وأرفع الرماد من المراجل, هيا بييه إنهض وساعدني, أجبته: لا يمكنني النهوض لا أستطيع التحرك إذهب وحدك, زلق ستاني نفسه عن اللوح وصرخ : إنها اليوركيه إنتظري أنا قادم ثم أخذ صوته يبتعد عني شيئاً فشيئاً. إستجمعت قواي وصرخت: أين هي اليوركيه أنا لا أراها, جاء صوته من هناك: ألا تراها هيا أسرع يا بييه إن الرفاق يلوحون لنا بإناء ماء بارد أسرع, حاولت أن أنزلق عن اللوح الخشبي  لم أستطع أن أزحزح نفسي ولو قليلاً, لكن صوت ستاني بدا لى بعيداً وهو يصرخ :هذا قبطان السفينة يحيينا, يوجد زبيب وكعك هيا يا بييه, تفحصت ببصري المكان بما  تبقى لدي من قوة وصرت أصيح : لا تبتعد يا ستاني هذه ليست اليوركيه لا يوجد شيء, ما من ميناء ولا من سفينة ولا من ضفاف نهر نحن في وسط البحر يا صديقي. لا أعلم هل وصل صوتي لأبعد مني أم لا ولكني لم أعد أسمع منه أي صوت, كررت: إرجع يا صديقي لا يوجد يوركيه لا شيء هنا, لكني لم أعد أسمع أو أرى شيئاً. إختفى صديقي وأنا ما انفككت أتمتم: إرجع يا ستاني إرجع.
بدأت أراه والقبطان يستقبله بكل ترحاب وسرور ويسجل إسمه في دفتر السجلات بكل فخر وشرف, لم يطلب منه هوية بحار أو أي أوراق ثبوتية بل على العكس سلمه وسام شرف لوجوده على السفينة, بدا الكل في غاية السعادة والسرور, صحت لا تتركني يا صديقي أنا لا أبعد عنك سوى خطوات قليلة إنتظرني...................



النهاية .















  1. نحن نقدم قرض عاجل هنا جميع المشاكل المتعلقة القرض هو حل بين فترة قصيرة من الزمن مع انخفاض معدل الفائدة من 3٪ والمدة أكثر من 20 عاما ما تنتظرون تطبيق الآن وحل مشكلتك أو بدء الأعمال التجارية مع دفع القرض من مختلف الفواتير فقط مراسلتنا الآن في
    jameshenryloancompany40@gmail.com
    واتساب نومبر: 2348110133466+

    ردحذف