الأحد، 24 سبتمبر 2017






تلخيص رواية 
رواية زيتون الشوارع:إبراهيم نصر الله
اعداد واشراف:رجاء حمدان 


الرواية في سطور :

يشتغل إبراهيم نصر الله على قضية حساسة هي انتهاك الجسد، ويفعلها تفعيلاً كاملاً، وأشكال التعامل مع المرأة هو أحد المبررات الفنية لخلق نص روائي له امتيازه ورصانته وسرديته العالية التي عرف بها نصر الله كروائي من طراز خاص. رواية تعايش وتحاور أخطر وأدق مراحل هذا التاريخ، تلك المرحلة التي تكون فيها الهزيمة داخلية، وعوامل الضعف تأتي من القلب والدماغ، وعناصر التفكك ماثلة أمام الأعين ثم لا ننتبه ولا نصحو. إستعان الكاتب بالرمزية أكثر من المباشرة فكانت سلوى هي فلسطين التي انتهك عرضها من ذوي القربى قبل الغرباء.


التلخيص:
ليلة كاملة بكيتُ فيها وأنا أقرأ صفحاتك أكثر مما بكيت في حياتي كلها, أتعلم لماذا ؟ لأن فكرة الملجأ كذبة, لا ملجأ لي, أنا لم آت إليك لهذا السبب. وقفتْ ودارت في المكتب كنمرة تائهة في قفص وظل عبدالرحمن صامتاً , خطت باتجاه النافذة وأشرعتها , إندفع غبار أسود مشبع باللهب وفي أقل من لحظة نثرتها, ركض للنافذة كانت الأوراق محلقة كما لو أنها مثبتة بخيوط وهمية محلقة في السماء .. وجهاً لوجه وجد عبدالرحمن نفسه أمام تلك العينين الحزينتين والوجه الذي كسرته المرارات وبعد أيام من ذلك الفصل الغاضب .. صورتها وفوق تلك الصورة تلك العبارة المعروفة (خرجتْ ولم تعد), لم يسأل نفسه : ما الذي فعلتُه بسلوى ؟ كان يسأل : ما الذي يمكن أن تفعله بي ؟. إمتدت يده إلى درج المكتب تحسست برعب ستة أشرطة تسجيل فيها الحكاية من بداياتها ولكن ليس إلى نهايتها, وهذا ما عذبه .....
لقد قُتلت عشرات المرات ولم تشبه ميتة أختها إلى أن جاء ليقتلني تماماً , يقتل إمكانية السماح لي بحياة جديدة لي أو ميتة جديدة, صمتتْ ثم قالت : لا توقف التسجيل, أدهشه أنها لم تزل حاضرة رغم هذا الشرود فأكملتْ : إلتقيته حين جاء يُعزّي باستشهاد أيمن, أنت تعرف حسّ الأنثى, حِسّها الذي لا يمكن أن يخيب بما يضمره رجل نحوها, ولم أكن مغفلة أو ساذجة كنت حبيبة أيمن وخطيبته, حدق بي وقال : فقدانه خسارة حقيقية للجميع وطلب مني أن أتماسك, ولكني رأيت في عينيه شيئاً آخراً شيئاً اخترق صدري وشق أمعائي بضربة واحدة, أشار حضرته إلى أحد حراسه وقال: الأخت ستراجعك بعد أيام وستصرفون لها أعلى راتب مخصص لأرملة شهيد, ولكنني لم أراجع ولم أكن أريد أن أقبض ثمن دمه الموزع على أكثر من يد. وفي اليوم التالي أطلت الصحف حاملة خبر زيارته وكنت في الصورة إلى جانبه .. أدرك عبد الرحمن أنه أوقع نفسه في ورطة ولم يكن شروده إلا محاولةَ بحث عن طريقة للخروج من هذا المأزق, ولكنه يعرف بخبرته أن الإقتراب منها صعب, وما دامت وصلت إلى هذه النقطة فثمة فرصة أخرى  ستجيء, وأدهشه أنه لم يعد راغباً في ذهابها و لكن زوجة عبدالرحمن فهمته تماماً فحملت إبنها ورحلت, وحين جاء أحد أصدقاؤه لإقناعها بالعودة قالت : أنتم أصدقاؤه أجل ولكنني امرأته, صحيح أن الزوجة آخر من يعلم ولكنها دائماً أول من يحس !.
في بداية اللقاء قالت له : إذا لم تصدقني بعد خمس دقائق من بدء كلامي فإن عليك أن توقف كل شيء وعليّ أن أختفي تماماً !. قال عبد الرحمن لنفسه : ربما كان عليَّ أن أفعل ذلك ولكنه لم يفعل !, هو الآن يخشى صوتها وتنهدها, في لحظة ما دمعة نزفتها رأسها الذي يختفي بين راحتيها, هو يذكر ولكنه يريد أن ينسى. وأكملت سلوى : لمرة واحدة أحسست أن لدي غرفة خاصة, ذلك القبر لقد مت مت تماماً, إنني أحسست بهم وهم يبكون وهم ينتزعون ثيابي عني ويحمّمونني, ولو كنت أعرف لرفعت رأسي فوق النعش ورجوتهم : ليكن قبري قريباً من قبر أيمن !, وتنبهت وهم يقرأون الفاتحة, إني لم أمت ولم أفزع في البداية, ثم أحسست بالتراب يرفع والبلاطات تُزاح. كان حارس المقبرة الذي قال لي : كنت متاكداً من أن أحدهم سيصحو في النهاية, وهناك شيء يجب ألا تنسيه : أول مائة سنة  في حياة الإنسان صعبة دائماً وبعدها تهون الأمور !! وابتسم .
حين وصل عبدالرحمن إلى بوابة تلك البناية التي يقبع بها المكتب حاول أن يرسم صورة لسلوى من خلال صوتها, وكان بإمكانه أن يؤكد أنها جميلة حتى قبل أن يراها, كانت سلوى قد وصلت قبله وكانت جميلة بذلك الفستان الربيعي الأزرق الموشى بالزهور .. ثمة وجوه تألفها من المرة الأولى ويمكن أن تقسم واثقاً أنها لن تكون عابرة وهكذا كانت سلوى,وقالت : أنت آخر شخص يمكن أن أذهب إليه فكتابة الحكاية هو الحل الوحيد, فهناك أناس من مصلحتهم ألا يصدقوا مثلاً عمّي, الطبيبة, وأستاذ الجامعة, الشيخ المتعلم, ولكن هناك أناس من مصلحتهم أن يصدقوا فالستّ زينب صدّقتني , أستطيع أن أستلّ وقع خطاك من بين ألف شخص, فقال عبد الرحمن : ولكنك لم تسمعي وقع خطاي, من علّمك هذا ؟ قالت : الخوف, الإحساس بأنكِ طريدة أبدية يحلم الصيادون بأن يصل المخدر إلى حواسها وغرائزها, الموت يفضّل أن يسكن في الجمال وليس في القبح, ففي القبح راحة لا يراك أحد أو يراك لحظة ويهرب بعينيه بعيداً . سأبدأ الحكاية من أولها واغفر لي التقافز بين الأحداث , حكاية كالخيال حكايتي مع أيمن, لكنني أنا التي نسجتها بيدي. من الأول كنت متيمة بحبه وكل بنات الحارة كن متيمات به, ولكن امتلكتُ بكامل روحي حقيقة أنه سيحبني, فكان قد تطوع مع الفدائيين وغاب طويلاً, وكنت قد تطوعت مع اللجان النسائية لحياكة كنزة الفدائي, وسريعاً بدأنا العمل ولكنني لم أكن أنسج مثلهن, لأنني كنت أنسج كنزة حبيبي, كنت متأكدة أن الكنزة التي حاكتها يداي ذاهبة لأيمن لذا طرزت بالزاوية عليها (أحبك .. حبيبتك إلى الأبد: سلوى). وجاء خلال إجازته يرتديها وقال لي : شكراً, وقد أمسك طرف الكنزة بفرح. كان عليك أن تعرف أن عمي لن يحب أيمن لأنه سرقني منه, عمي الهارب بعاره, ولم يكن يليق بي أن أحب أقل من شهيد!, وقلت للست زينب هذا الكلام فبكت كما بكت في ذلك اليوم وهي تسمع حكايتي الأخرى, كنت أحسها أقرب إنسان لي, وفي ذلك اليوم تأكدتُ تماماً من هذا حتى قبل أن تصبح حماتي وتقول لي : سلوى لا تترددي في القدوم إليّ ؟!. يوماً أعطتني ورقة مكتوب عليها شرح مبسط عن العادة الشهرية وتطمينات أخافتني, إلى أن جاء ذلك اليوم وفوجئت بالدم بين ساقي وسمعت صرخة عمي : عملتيها يا بنت ... , كيف لم يتذكر أنه هو الذي .... و بكيت  ...عمي الذي لا يحتمل ذبابة تحوم حولي, عمي الذي كنت أعتقد أن سبب فرحه بقبول أخي في المدرسة كان فرحاً بمزيد من الحرية التي ستتوافر له, ولكنه لم يكن كذلك رغم أنه لم يكن إبنه الفعلي, كان مثلي من صلب أخيه الشهيد .
بارداً ليل أيلول كان, وجد عبدالرحمن نفسه متجهاً إلى حارة سلوى الأولى, كان يحس بوقع قدميها على الأرض خلفه. سأل أبو أكرم عبدالرحمن : معك هوية ؟ فناوله إياها فقال له : صحفي ؟ فهز عبدالرحمن رأسه  نعم، لم يستطع عبدالرحمن معرفة نوعية الرجل فقال له عبدالرحمن : أكتب رواية, فرد أبو أكرم : وهل ستحرر فلسطين بروايتك ؟, قال عبدالرحمن: قالوا لي إنك من اولئك الذين ظلوا يقاتلون حتى آخر لحظة في ال 48, حينها تلفت أبو أكرم  وقال : من قال لك هذا الكلام ؟؟. ثم التقيا بعد أيام في المقهى وجلسا, وسأل عبد الرحمن : كم ولد لك فقال إثنان !, وكم بنت, حينها راح يحدق أبو أكرم بعينين فارغتين إلى السوق وقال: كانت هناك واحدة ولكنها ماتت كأمها .
المصادفة الثانية بالنسبة لعبدالرحمن هو أن بيت سلوى الجديد كان يقع في منطقة حديثة نسبياً, قالت سلوى : ما كان عمي ليستطيع أن يمتلك غرفتين لولا دم أيمن, والست زينب رفضت أن تأخذ مقابل دمه . قال أبو أكرم لعبدالرحمن : تسألني عن حضرته جاء إلينا مرتين ثلاثة أربعة وهذه أكبر هدية تلقيتها في حياتي, أكبر هدية يمكن أن تتلقاها أسرة مستورة كأسرتنا. قالت سلوى لعبدالرحمن : مستورة !!!, كان عليك أن ترى بعينيك كيف أصحو ليلاً فأجد قدميّ موثقتين بطرفي السرير ومنامتي مرفوعة إلى ما فوق صدري وكلمات عمي تمزقني من خلف الباب: إنها جاهزة !!. قالت لي الست زينب مرة : كل ما حولنا يريدنا أن نعيش على الفتافيت, فتافيت الخبز فتافيت الكتب فتافيت الأمل والحلم فتافيت الوطن وفتافيت الذكريات, لأنهم لا يريدون أن تكون هنالك خلفنا حتى ولو ذكرى واحدة كاملة تكفي لأن نعود إليها, وأدركتُ يومها خطورة الكلام وصدق ظني, فبعد شهر تغيبت المعلمة عن المدرسة وجاءت معلمة أخرى مكانها, وعندما ذهبنا لبيتها شرع لنا أيمن الباب وكان غاضباً مقهوراً, ومن أعماق الغرفة جاء صوتها الذي نعرفه وأطلت دون ابتسامتها, دون عينيها اللامعتين, عندها انفجرنا بالبكاء فكانت الكدمات تغطي وجهها وجبينها ولم يكن يدل عليها سوى صوتها .
قالت سلوى : أنا نفسي كنت مندهشة ولو كانت لدي عشر حواس إضافية لما كان لي أن أتصور أن الأمور ستتطور على هذا النحو الذي تطورت فيه. سأل حضرته بعد أن شرب الشاي: هل يمكنني الإنفراد بسلوى قليلاً؟, سحب عمي أخي الأصغر وخرجا إلى الحوش. وبعد أن خرج حضرته سأل عمي : ماذا قال لكِ ؟ قلت : أنت تعرف يا عمي ! إنه لا يريد أن يقول لي ..! فقال عمي : أسكتي من تعتقدين نفسك جورجينا رزق حتى يفكر فيك على هذا النحو ؟, ثم هل تنقصه النسوان حتى يأتي إلى واحدة مثلك؟؟, هكذا أطلقها دفعة واحدة جملته فأحسست بأنها هشّمتني  .
قرر عبد الرحمن إتخاذ خطوة فيها الكثير من المغامرة, زيارة الست زينب نفسها دون أن يأخذ رأي أحد. وفي كامل أناقتها البسيطة وكسيدة على وشك مغادرة المنزل وجدها عبدالرحمن تماماً كما وصفتها سلوى, فقالت : لقد خذلتها خذلت سلوى !, كانت فَرِحة جداً بعد لقاءك . تساءل عبد الرحمن : هل يعقل ألا تكون عارفة بمكان وجودها ؟, فقالت الست زينب : هل ستكتب حكايتها من جديد ؟ فقال : لا أستطيع إلا أن أكتبها !, فقالت : يلزمني أن أقدم لك نصيحة, إذا أردت الكتابة عن سلوى جيداً فإن عليك أن تستمع إلى الأشرطة مرة واثنين وثلاثة إلى أن تحس بأن سلوى لم تعد في الأشرطة بل انتقلت وأصبحت فيك, عندها إنس الأشرطة واكتب سلوى التي تحسها, هذا كل ما يلزمك .
تتبعْ خميس لم يكن بالسهولة نفسها التي وصل بها عبدالرحمن إلى بيت الست زينب أو إلى عم سلوى أو الطبيبة, ولم يكن متأكداً لماذا يبحث وكل التفاصيل لديه, لكن الشيء الذي بدا أنه متأكد منه أكثر من أي شيء آخر أنها تتابعه وأنها لا ترفع نظرها عنه. قالت سلوى : كم عمرك ؟ ولم تنتظر إجابة عبدالرحمن وأكملت: على أي حال كل فتى أصغر منا لم نكن نراه!, كل ما يحدث كان يحدث لسبب واحد فقط هو ألا نرى!, ولكنني رأيتك فيما بعد, فقال : أين ؟, أكملتْ : في الشوارع وسط البلد, كنت أحس بأن الشارع لك وكنت أغار منك ومن خميس أيضاً, لكنني كنت أخاف عليه, خفت عليه لاحقاً أما في البداية فلم يكن أكثر من شخص خفيف دمٍ أشتري منه الفلافل والفول والحمص, ولكن ذلك تغير حين جاء الخامس من حزيران !, خميس لم يجن ولكنه كان يريد أن يفهم لماذا واصلوا انتهاكه إلى هذا الحد دون أن ينتبه, كان يريد أن يفهم ولم يكن عقله كافياً, أتساءل الآن ما الذي فعله خميس بعد ذلك, ما الذي يفعله الآن بعد تل الزعتر       وصبرا وشاتيلا وبيروت وحرب الخليج ومدريد واوسلو وغزة وأريحا أولاً ... ؟, أصبح خميس محرِجاً للجميع قبل أن يختفي ويعود ثانية ولكن برفقة امرأة ويحتلان بيت الدرج من جديد , لا أحد حتى ولا أنا فكر للحظة أنها ليست زوجته (لينا) .
قال أبو أكرم : وحين جهزت البيت الجديد لم تقبل الذهاب معي للسكن     وقالت : لن أترك المخيم فقلت لها : يا سلوى المخيم هو كل مكان يمكن أن تكوني فيه ما دمتِ خارج وطنك !!, ولكنها لم تفهم وقالت : لم تبنِ البيت لي, بنيته لحضرته, وهذا السرير .. فرد أبو أكرم : أنت مجنونة لتتخيلي ذلك كله, إنه يشفق عليك وأنت تقولين إنه يغتـ ... لست أدري كيف أكمل الكلمة إنه يشفق عليك لا أكثر .
قالت سلوى : طوال فترة ما بعد الظهر كان أيمن معي في البيت, حاول النهوض أكثر من مرة إلا أني وفي كل مرة كنت أطلب منه مواصلة الجلوس دقائق أخرى من أجلي, قلت له : إنتبه يا أيمن, وكانت المناوشات تتصاعد, لن أكذب عليك ولن أقول لك إنني سمعت صوت الرصاصة, ربما جاءت من مكان بعيد ربما من مكان قريب, فتحت له البوابة, لم أكن قد لوحت له, لم يكن قد ابتعد لينظر خلفه كعادته ويبتسم وترتفع يده في الهواء حين رأيته يعلو في الهواء ويهوي, ركضت , تعثرت , صرخت   ولم تمهله الرصاصة ليقول : آه !, رحت أضغط على صدره, أغلقت بصدري جرح صدره, كانت تلك المرة الأولى التي أحتضنه فيها وفي الشارع لأقول للجميع إنه حبيبي , حبيبي الذي لا يحق لي إحتضانه إلا في لحظة الموت, حينها صرخت : قتلوه, ولم يفهمني أحد, فراحت يداي بأصابعهما العشرة تغمر ثيابهم بالدم ووجوههم وجدران بيوتهم, وأعود لأغمس يدي ثانية في دمه وأصبغ بوابات البيوت .. قالت سلوى لعبدالرحمن : أنت لم تصدقني في هذه أيضاً !!, ولكنك صدقت تلك الطبيبة المجنونة التي قالت لي : مشكلتنا واحدة مع الرجال, وكل ما يلزمك هو امرأة حقيقية تحبك !!, أصدّقتها ؟!.
كان الوصول إلى الطبيبة أكثر يسراً من أي شيء آخر, لكن عبدالرحمن فوجيء بالسهوله التي تتحدث فيها عن مريضة من مرضاها, فقالت الطبيبة : أغلب الظن أن تلك الحادثة واحدة من كوابيس سلوى القاسية, ربما لم تستطع التعبير لحظتها عما في داخلها, وهذه الحكاية ليست أكثر من محاولة توازن لاإرادية لتقنع نفسها أنها لم تصمت, فكل ما قالته حول الدم وأصابعها ليس أكثر من رغبتها في أن تفعل ذلك وليس ما فعلته حقيقة, باختصار مشكلة سلوى أنها صمتت طويلاً .
صرخت سلوى في وجه عمها : إنه يغتصبني !! فقال لها : أغلقي النافذة لئلا يلفحك الهواء, لو كان يغتصبك فعلاً لسمع الناس صرختك !!. قالت سلوى لعبدالرحمن : تصدّقهم أنني كنت صامتة طوال الوقت ؟, لا لقد كان اهتدائي لفكرة قول كل شيء للناس دفعة واحدة من خلالك هو حلمي الأخير حتى لا يقال أن ما حدث قد حدث وسلوى صامتة !!.
إنتظرته سلوى طويلاً حتى خرج عصر ذلك اليوم نحو مقهاه, كان لا بد أن تجد صورة أمها, فتشت للمرة الألف : الخزانة الأدراج, الأوراق المتراكمة في حقيبة صغيرة, الوسائد لكنها لم تعثر على شيء قالت : إخفاء الصورة إلى هذا الحد ربما يعني أنها حية وأنهم يخافون أن أعرفها إذا ما التقيتها في الشارع أو في أي مكان, لقد حاوَلتِ الوصول إليها عن طريق الحلم لكن ذلك لم يجد الحل, شكل عينيها في شكل ما, جبينها أنفها شفتيها لكنني في آخر الأمر لا أستطيع أن أراها كلها مرة واحدة, رأيتها خلال تلك الساعات الست التي أمضيتها في القبر, كنت أخاف القبور       ولكنني الآن اعتدتها, إن لي فيها من الأحبة أكثر بكثير مما لي فوق الأرض, كنت أريد أن أصرخ أينها كي يكون بإمكاني أن أنام هادئة في الظلام حين تأتي وأراها وأرى بعضها. صرختُ واهتزت الغرفة, إنفتح الباب, إندفعتْ دفتا النافذة بعنف ولم أكن قادرة على التحرك وهو يحشرني هناك بين ذراعيه, لم أكن أفكر في الأمر لأنني حين تنبهت وجدت نفسي بين ذراعيه, كان الأمر طبيعياً تماماً ولم أعرف في أي يوم, إن ذلك لا يكون بين الأب وابنته , كان أبي حتى ذلك الحين لكنه أصبح يوجعني فجأة, يوجعني ليس إلا, وأقول : لماذا يعذبني ؟, وأقول : هناك خطأ ارتكبتيه يا سلوى ولا تعرفينه وإلا ما معنى أن يوجعك هكذا, وأثارني شغب الفتيات وهن يتخيلن الأولاد يقبلونهن ويحتضنونهن, وكنت أعرف أن لهن آباء فلماذا لا يتحدثن عنهم ؟!؟!؟!؟. قلت للمديرة والست زينب كل شيء, وقالت له المديرة : سأقتلك إن اقتربت منها, وقالت جدتي حين أتت لتسكن عندنا : إنها تعرفه أكثر من أي إنسان, واطي من يومه ولا أعرف كيف أخطأت والدتك وقبلت الزواج به بعد وفاة أبيك , كنا نشك منذ البداية أنه كان السبب في مقتل أخيه (أبيك) وخالك وأنه فر كالكلب, ثم أخرجتْ من جيب ثوبها صورة وقالت : أنظري يا سلوى كم كانت تشبهك أمك ؟.
قالت سلوى : لم يكن أكثر من قبر يتيم مهجور ذلك القبر الذي قررت أن أتبناه لأمي, عليك أن تراه الآن لم يعد ذلك القبر القديم, زُره مرة, مرة واحدة لتتأكد فلن تجد زهرة ذابلة فوقه أو ريحانة عطشانة إنه قبر أمي أؤكد لك, ربما نذهب معاً لزيارته هو ليس بعيداً على أي حال ولا يفصلنا عنه سوى قبرين, صدقني ... تذكر عبد الرحمن ذلك فقفز من مكانه كما لو أن تفاحة نيوتن سقطت بين يديه وقال : أين يمكن أن تختفي ما دام القبر موجوداً ؟.
لو تركوا لي بعض الذكريات معه .. لم يمهلوني لأتعرف عليه أكثر لتكون لنا تفاصيل حكاية أرويها من بعده, فجأة وضعوني مع الموت وجهاً لوجه, الغربة لا تتيح لك أن تعرف أحداً كما يجب, ربما كانت ذكرياتي معه بعد موته أكثر بكثير من ذكرياتي معه في حياته, ماذا بقي لي : زيارتي لقبره, حديثي معه عبر طبقات الحجر والإسمنت والتراب , دالية قرب الشاهد زرعتها بنفسي فكبرت كما لم أكن أتصور, ثم العريشة التي راحت تظلل القبر فلا تستطيع دالية أن تكون على هذه الدرجة من الخضرة والجمال إلا إذا كانت على علاقة بشهيد, وكنت أعرف أن جذورها هناك قربه, فيه وحوله وقلت : الله يا سلوى لقد استطعتِ أن تخرجيه إلى الضوء إليكِ ليرى الشمس ويراك, إنه الآن هنا, ألمس ساق الدالية فأحس بيده, ألمس أوراقها فأحس بشعره, ويهب الهواء عبر فروعها فأحس بقلبه ينبض, وصرت أرى الدالية في المقبرة وتمتد يدي نحوها فلا أستطيع أن آكل حبة واحدة منها, كيف سآكل أيمن ؟.
قالت لي الست زينب : تزوجي يا سلوى, ولم أكن أتصور أن تطلب مني ذلك حينها قلت : ربما الزواج يريحني مما أنا فيه ولكنني لن أستطيع, سأضايقه وأضيّق القبر عليه, أن يعرف أنني أغتصب مرغمة أفضل من أن يعرف أنني ذاهبة لاغتصابي ..
كان قد تجاوز الستين حين طلب يدي وقبلت وكنت أريد الفرار من البيت, من حضرته, من عمي  ومن إصرار الست زينب, عجوز لن يغار منه أيمن, لن أزعجه بهذا الزواج .. ليلة الدخلة لم يفعل شيئاً وفرحت أنا, ولكنه بعد يومين اختفى وأولاده أخرجوني من البيت, وفرح عمي لأني عدت إلى البيت إمرأة .
عودة خميس إلى بيت الدرج بصحبة لينا أعادت للمبنى المهجور بعض زهوه, ويوماً بعد يوم أصبح لتلك المبولة العامة إحترامها, ولكن الصغار طاردوا لينا حين رأوها. عمل خميس كزبال وأعاد للينا قليلاً من احترامها المفقود, كانت تضايقها تلك الكلمة : مجنونة, وركضوا خلفها ولكنها فجأة توقفت وحدقت في وجوههم بعينين محمرتين فتخشبوا في أماكنهم, فهناك لحظة يجب أن تتوقف فيها عن الهرب, لا يمكن أن تركض إلى ما لانهاية, لا يمكن أن تبقى بلا لسان إلى الأبد .
ذلك اليوم قرر حضرته أن يأتي نهاراً وهو يدرك أي مخاطرة تلك التي يقدم عليها, سمعت هدير سياراته وكان عمي غارقاً في تأمل المشهد من نافذة الغرفة الكبيرة, جمعت خطاي في أصغر مساحة يمكن أن تحتلها, في نقطة صغيرة كالصمت, حينها أحسست ببرودة المعدن القاتلة ملتصقة برأسي, ولم يكن عليّ أن أتلفت لأتاكد من أن مسدسه هو الذي يخترق خصلات شعري, فلقد طور عمي حواسه بحيث تبقى يقظة دائماً, يقظة إلى تلك الدرجة التي لا تجعله عرضة لأن يخسر .. تستطيع أنت إذا ما جربت الموت أو أحسست به قريباً أن تعرف ما يلمس جلدك في لحظة ما, الموت البارد الساكن في الفوهة المعدنية أو سواه حتى وإن لم تكن قد لمست مسدساً من قبل .
قال عبدالرحمن لنفسه : إن أفضل ما يمكن أن يحدث لي أن تكون هذه المرأة مجنونة, وفجأة وجد نفسه يقترب منها على نحو أقرب للفظاظة     وهُيأ إليه أنها ليست هنا, إنها هي التي تتكلم ولكنه لم يعد يرى غير شفتيها اللتين تتحركان كما لو أنهما تشيران إليه أن يتقدم, أن يأخذها أن يلقي بهما أرضاً مُهمشاً هذه الحكاية من جذورها لتكون واقعاً تحسه هذه التي لا تتوقف عن الكلام .
أكملتْ سلوى : إلتفتُ إليه رأيته يدفعني صرخت وسمعت الكلب ينبح      وخفت عليه أكثر, فحضْرته على استعداد أن يغامر ويقتل الكلب, بعدها سمعت صوت رصاصة قرب أذني وراح فتات الإسمنت يتساقط من السقف, ووضع إحدى قدميه على ظهري فارتطمتُ بخشب السرير, عرفت أني أنزف وحين استدرت محدقة في وجهه رأيته يرتجف وكان على وشك البكاء, أشفقت عليه, سحبني نحو المغسلة وهناك رأيت وجهي غارقاً في الدم, رحت أمسح الدم عن وجهي بأصابعي بملابسي بالمنشفة بالحيطان وهو يتبعني, وتصاعد نباح الكلب وسمعت السيارات تقترب, قلت : أنا التي ستفتح الباب لا أنت, وكان يرجوني أن أغسل وجهي, شرعت الباب, بقينا صامتين ووجهي ينزف بالدم, قال حضرته : أنتِ التي فعلت ذلك بنفسك ؟, أشرت لعمي وقلت : هو, وفجأة أخرج مسدسه وصوبه نحو عمي الذي كان يحاول تجميع أجزائه المبعثرة خلفي وقال : إياك أن تفعلها إياك أن تلمسها ثانية, وظل الكلب ينبح ثم سمعت طلقة تنفجر وأنّة ذابحة تتبعها وهدأ كل شيء طويلاً. وقفت هناك فوق الكلب أرقب جدول الدم الصغير ينساب من جمجمته الصغيرة بعيداً بيأس وابتعد ...
ثلاثة أيام كاملة تجول عبدالرحمن بين القبور وأدرك أن الوصول إلى القبرين أو الوصول إلى واحد منهما يعني الوصول إليها. مر اليوم الأول دون أن يعثر على شيء فسأله الحارس : أساعدك ؟ فرفض عبدالرحمن وقال : سأجد القبرين وحدي, وعندما عاد في اليوم التالي قال الحارس : لم يعد هناك من يبحث عن إنسان حي بهذه اللهفة في هذا الزمان وها أنت تملك القدرة لتبحث دون كلل عن شخص ميت, كأن الدنيا لم تزل بخير وابتعد, ولكنه قبل أن يختفي بين القبور تماماً قال : تذكّرني بسلوى !, ولم يستطع عبدالرحمن أن يقول له توقف أو أن يسأله عنها .. وكما وصفته كان قبر أيمن الذي وصل إليه أولاً رطباً, كان التراب وكذلك حوض الريحان الذي بدا  له أكثر خضرة مما يجب ! , وأسند ظهره إلى القبر وقال : سأنتظرها هنا وستأتي .
تلاشت شيطنات الصبية وأصبح بإمكان لينا ألا تكون مؤذية وبإمكان خميس أن يعود كأي موظف محترم في وقت محدد, قال أحدهم : عاد إليه عقله أخيراً وسمع الجملة ولكنه لم يفرح, توقفت لينا عن صفع يدها, تذكرت أن خميس يكره تلك العادة وأحست أنها لم تتوقف إلا لأنها تحب أن يحبها, قال خميس : ما الذي حدث لنا يا لينا أصبحنا عاقلين ومؤدبين , لم يعد قلبي مطمئناً لما يحدث, هناك شيء آخر خطأ كبير نرتكبه, أصبحنا كالناس ننسى كل شيء, عليك أن تتذكري ما مر بك, هيا بنا من جديد إصفعي يدك لن أغضب منك, لقد كانت الدالية على حق يا لينا, لا شيء كالدالية في البيت يا لينا , أدخلي أي بيت هنا وستكتشفين أن هناك دالية في كل حوش, ويمكن لنا كفلسطينيين أن نجيب إذا ما سألنا أحد عن عدد أولادنا ثلاثة أولاد وبنت ودالية حتى أن هناك من لا يكتفي بدالية في بيته فيسمي ابنته دالية أيضاً, أنا يا لينا فكرت أن أنجب دالية وأن أربيها وأعتني بها لكن ذلك لم ينفع ففشلت لأنني لم أفهمها .
دق باب الست زينب .. أشرعت الباب .. فوجئوا : من سلوى ؟ .. آه سلوى, - هل تعرفونني ؟ ... - طبعاً زوجة أيمن ... - لا خطيبته .. - لا زوجته ... - زوجته زوجته ماذا تريدون ؟ ... - نريد شهيداً ! ..  ضحكتْ طويلاً : وماذا ستفعلون به .. - هذا لا يعنيك .. - ولكنني بنت .. حدقوا في وجوه بعضهم ثم عادوا يحدقون في وجهي : بنت بنت هذا لا يعني شيئاً ! ستّنا مريم عليها السلام قدمت واحداً من أعظم شهداء فلسطين عيسى عليه السلام وكانت بنتاً , هل نسيت ؟؟.
قال حضرته وهو يتأمل صورة أيمن فوق البوابة البيضاء المذهبة : إن عدم الوفاء للشهداء هو بداية الهزيمة الحقيقية, وأكمل : كان عليك أن توليها عناية أكبر يا سلوى, سأطلب من أحد الفنانين رسمها من جديد وبالألوان فالأسود يزيدها حزناً, حينها سحبني عمي من يدي ما أن دخل حضرته الغرفة الكبيرة وأخذ مقعده المعهود وقال : أهذا هو الرجل الذي يعتدي عليك , كنت أتصور أنه سيقتلك مقابل فعلتك لكن انظري كم كان طيباً معك, إنه إنسان حقيقي إنه يعرف الحزن مثلك, إنه يكاد أن يبكي, أنظري إلى عينيه كيف أصبحتا منذ أن فقد زوجته, هذا رجل اختبر مرارة الفقد ألا تحسّين بذلك ؟! ... تلك الليلة كانت الأقسى .. لكنه لم يصدق .. عمي ....
قال حارس المقبرة : الذي تنتظره لن يأتي .. سأل عبد الرحمن : وكيف عرفت أنه لن يأتي ؟ فقال : لأنني أعرف متى يأتي  ومتى لا يأتي هنا , أنت تنتظر شبحاً !!. أدهشه أنه ليس من ذلك النوع المألوف من حراس المقابر, كان طويلاً على نحو ملفت, قامة مشدودة وذقن حليق وعلى غير تلك الصورة التي رآه فيها أول مرة ثم قال : عليَّ أن أقفل بوابة المقبرة, الدنيا ليّلت إلا إذا أردت أن تنام هنا بينهم !, وعندما وصلا البوابة الفاصلة بين الحياة والموت وبينما راح يقفلها سأله الحارس : لو لم تقل أي شيء لفهمتها, كيف قالت لك كل شيء ولم تفهمها ؟!, ليس ثمة مكان تلتجأ إليه سوى قبرها .. حينها أصبح على يقين أنها هنا .
تعترف سلوى أن ذهابها للشيخ كان آخر سهم في جعبتها ثم تستدرك : لا السهم ما قبل الأخير, أما السهم الأخير فقد كنت أدّخره لمهمة أخرى ربما إطلاقه باتجاه نفسي . شاهدتْ صورته أكثر من مرة في الصحف وقرأت كلامه وسمعته, أعجبتها تلك الجرأة المتوثبة بين الكلمات, كانت على يقين أنه سيفهمها حيث التقوى والعلم يجتمعان معاً في ذلك الوجه الطفولي الذي يبدو وكأنه دائماً على وضوء, وعندما بسطت كل شيء على الطاولة في دقائق محدودة وابتعدت خلف العذاب واستعادت نفسها على صوت ارتطام كرسيه بالحائط ووقع كلماته : قاتله الله .. قاتله الله .. قاتله الله مرتجفاً كان وقال : هل هو مجنون عمك هذا الذي يبني غرفة خاصة لحضرته لـ .. أستغفر الله لينتهك فيها !! ويفرح أنك عدت إلى البيت امرأة بعد زواجك ؟. وأصر الشيخ على الذهاب إلى بيت سلوى لمواجهته هناك وقادته سلوى إلى الغرفة ثم خرج ... سحب عمي من يده حتى وصلا البوابة الخارجية  وهناك راحا يتحدثان بصوت منخفض, وخفت وأنا أراهما يهزان رأسيهما بحركات تدل على أنهما متفقان تماماً !!, وعاد عمي من جديد وقال : ليس في يدي غير أن أقبل الحل الذي يراه وقلت : لا أريد حلوله فدفعني صوب الغرفة فقلت : أتجرؤ أن تتركني معه في غرفة حضرته ؟؟, فصرخ في وجهي ودفعني نحو الغرفة وتبعني الشيخ ... بقميص ممزق من الرقبة خرجتُ صارخة فدفعني للداخل ثانية وقال الشيخ : أتريدين أن تفتري على الرجل التقي أيتها الكلبة ؟!, فقال عمي : قلت لك هذه مشكلتنا الدائمة معها .. وخرجت سلوى صامتة لأيام, ظلت صامتة كالست زينب صامتة وحزينة, وعاد الشيخ ثانية ولم أدر كيف أتخلص منه إلى أن وجدت نفسي أقول : سأخبر حضرته بكل ما حدث .. فجأة انكسر شيء فيه فاندفع نحو الباب مذعوراً فصرخت به : لحظة نسيت لحيتك على الكرسي !!, وراح يختفي عائداً لعتمة الكابوس الذي جاء منه .
لم تعد الست زينب تخرج من بيتها إلا لتبحث عني, كلما اختفيت أدركتْ أنني محاصرة هناك, ولم يكن عمي يحبها ولكنه لم يكن يجرؤ على أن يغلق في وجهها الباب. تبكي على كتفي كما كنت أبكي على كتفها ثم نبكي معاً فنبلل وحدتنا وتقول لي : إنها لم تعد قادرة على السير في الشارع وحدها, تقول : الوصول إليك يا سلوى لم يعد سهلاً, تعالي إليَّ, أعرف أن ذلك صعب ولكن تعالي إليّ لا أستطيع أن أجيء إليك دائماً , هذه الحقيبة تتعبني وكنت أعرف ما في الحقيبة صورة أيمن وصورة أبوه , الحصان والشمس الغاربة , خمسون ورقة في وصفها وصورة ميناء حيفا المأخوذة من سفح الكرمل ..
كان خوف عمي يزداد أدركت ذلك , خوفه ألا يجد حلاً لمشكلة العفن التي انتشرت على نحو سرطاني فوق جدران الغرفة وخوفه أن يقال له فجأة : إن حضرته مات لم يستطع التعايش مع فكرة تمزق حلمه يدخل الغرفة    ويخرج منها ولا يستطيع الجلوس في مكان واحد أكثر من دقائق قليلة, كنت أعرف أنه سيموت إذا ما حدث لحضرته مكروه وأعترف أنني للحظة أشفقت عليه لكن ليس إلى تلك الدرجة التي يمكن أن أسامحه فيها .
تصاعد الأمر على نحو مفزع حين تسربت الأخبار عبر صحف خارجية عن علاقة حضرته بفتاة اختفت في ظروف غامضة وقالوا له : عليك أن تجدها كما لو أنه هو الذي أضاعها, وعلى نطاق محدود إنتشرت حكاية بين العاملين في الصحافة حول منع إحدى الجرائد من نشر تفاصيلٍ مفادها أن عدداً من الناس يمضون الليل ساهرين في مقابر الشهداء .
إنحدرَ مع الشارع نحو البوابة الرئيسية للمقبرة وقبل أن يصل إكتشف أنها مغلقة, أصوات متشابكة تشبه الصلوات أو الأغاني الحزينة كانت تصله أخيراً, كان لا بد له من أن يتسلق السور وحين أصبح وجهه حراً تماماً رأى ذلك المشهد الذي لا يمكن وصفه فهوى فجأة, أشبه ما يكون بطقس احتفالي كان المشهد, كانت أشجار السرو تتمايل وعروق الدوالي تكشف مقاطع من وجوه لا تلبث أن تختفي لتطل ثانية كما لم تطل في المرة الأولى, راعه وجود عدد كبير من البشر مقتعداً الأرض, شدته يد بصمت إلى الأرض وجلس, وللحظة أطل وجه الست زينب فبدأ بشق طريقه باتجاهها وجثا بركبتيه قربها طويلاً, حدقت به بينما أخذ نفساً طويلاً بعد أن اكتشف أنه لم يكن قادراً على التنفس أثناء تحديقها فيه, وبعدها رآها رأى سلوى, وصل إلى حيث كانت ولم تكن هناك, لحقها امتدت يده عشرات المرات يحاول الوصول إلى كتفها دون جدوى, ثم توقفت فجأة, أحس بأنه سيطبق على عنقها الذي يطل من فوق كتفيها عالياً ولم تتحرك, لا لم يكن يريد خنقها لا كان يريدها, إندفع بكامل جسده نحوها مجنوناً, حينها أطبقت يد على عنقه من الخلف وجرته فراح يصرخ, ولم يعرف تلك الوجوه التي كانت تحيط به لكنه رآهم يبتعدون بها في ذلك الإتجاه الذي كانت تركض نحوه, ولم يهدأ عبدالرحمن هو الذي وجدها أولاً فهي له !, أي حكاية يمكن أن تنسجها الآن, ستقول حضرته هذه المرة وتقصده هو عبدالرحمن وتذهب في ثرثرتها إلى حد لا يستطيع أحد أن يتصوره وفكر : إذا تطورت الأمور سأمضي مباشرة نحو السفارة الأمريكية حيث روبرتو إلي بدا له الملجأ الأخير .
سيصل عند الثالثة فجراً, حاولتْ أن تفر إلا أنه أمسك بها ولم تدر كيف نجت كانت تقول لي : وصلت لكنني لم أعرف كيف وصلت ولم أعرف أي سلوى التي نجت أنا أم تلك التي سقطت .
كنت فوق الحافة أحدق في الهوة بعينين فزعتين أريد أن ألقي بنفسي       وأحسست بأن الفضاء وحده تحتي, وأطلت الست زينب لا أعرف من أين   وقالت : إياكِ يا سلوى إذا كان لا بد أن تموتي فسأموت معك , أمسكتْ بيدي تنفستُ ملء رئتيّ وفجأة رأيت جسداً يسقط ولم أكن أنا ولم تكن الست زينب, كنا لم نزل على الحافة ويدي في يدها, وحين نزلت وقلبت الجسد وسألتني الست زينب : سلوى, ومن يومها لم أعد أعرف أيهما التي ماتت وأيهما التي نجت !.
وتزحف الدقائق ولكن وصول الأغنيات كان يتم بسهولة مذهلة عن طريق الإهتزازات تحت أرجل المغنيين, إهتزاز الأسفلت, الرصيف الطويل, شجر الكينيا, الدوالي, الشواهد وزيتون الشوارع .
كان الناس يلوحون بكل شيء وازدادت الإهتزازات تحت أقدامها ومن بعيد جاءت الست زينب حاملة حقيبتها, وكان عبدالرحمن يركض نحو البيت, فتحت سلوى الباب واندفعت راكضة نحو الشارع رآها البشر فرحوا       وقالوا : وأخيراً عاد لها عقلها !, وراحت تشق صفوفهم, إنقضّت على كتفها أيد كثيرة وسحبتها للوراء بقوة أوشكت معها أن تسقط. كان عبدالرحمن لا يزال في الحوش, وقفتْ على الحافة العالية لم تكن تحتها أرض رآها عبدالرحمن تتجه نحوه إبتعد بسرعة فدوّى ارتطامها عند قدميه, صرخ أحدهم من أعلى البناية : ماتت ؟ إنحنى عبدالرحمن وجس نبضها وصرخ : لسه !, حملوها وصعدوا بها ثانية وألقوا بها وصرخوا : ماتت ؟ فانحنى عليها وجس نبضها ولم يكن ثمة دماء, لم يكن سوى عينين مشرعتين فصرخ : لسه ! وأحس أنه يعيش لحظة تحرره من كل شيء, وحملوها ووصلوا إلى حافة السطح وألقوا بها, وقبل أن تصل الأرض كانوا يصرخون به : ماتت ؟؟ .....!!. 
ــ على إحدانا أن تصحو الآن يا سلوى .
ــ على إحدانا أن تصحو الآن يا سلوى .



النهاية .



  1. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  2. تحياتي لك ولمجهودك... كقارئ، أفضل بالتأكيد، أن يُكتب نقد عن الرواية، لأن تلخيصها يفسد على القارئات والقراء فرصة المفاجأة، وترقب ما ستؤول إليه الأحداث، أو على الأقل، يجب أن يبقى هناك أمر مجهول للقارئ كي يبقى مستمتعا.. لأن الأمر يشبه من يتحدث خلفك في السينما عن أحداث الفيلم التي ستقع.. محبة وتقديرا

    ردحذف