الأربعاء، 6 سبتمبر 2017





 تلخيص رواية: الليلة الثالثة والعشرين
صانع الظلام ج2 : تامر إبراهيم
اعداد واشراف:رجاء حمدان 

ما الذي حدث لسوسن ؟ وكيف التقت لأول مرة ذلك الشيء ؟.  في اليوم التالي للقاء سوسن الأخير مع الدكتور مجدي كانت قد عرفت أنه قتل إبنه وأن السجن والإعدام سيكونان في انتظاره, لكنها كانت تعرف الحقيقة, هو من أخبرها بنهايته وأنه يستحقها, فهو من أعاد الشيء إلى عالمنا وهو الذي أخبرها بأن دورها آت ومهمتها إن بقيت على قيد الحياة أن تعثر على طقوس القضاء عليه ..
كانت سوسن فتاة طبيعية رغم عشقها الكبير للتاريخ بدليل أنها وجدت وقتاً لتحب سامح قبل أن يتركها من أجل فتاة أخرى كانت أقل انشغالاً بالتاريخ  منها، بعدها تحولت سوسن إلى شبح فتاة تعرف أكثر مما كان ينبغي لها أن تعرف, ومن يوم معرفتها بالشيء وهي تنتظر زيارته وتترقبه كمريض سرطان ينتظر الموت الآتي لا محالة, حتى أكسبها ذلك عادة التلفت حولها كالمجاذيب طوال الوقت .. لقد علمها الدكتور مجدي طقوس استدعائه ولكنها لم تجرؤ على تجربتها قط ..أما يوسف فقد أتى إليها حاملاً نحوله ونظراته الحادة وأسئلته عن الدكتور مجدي وإبنه , تحاشته في بداية الأمر إلى أن عرفت أنه التقى أستاذها في السجن ليكون الوحيد الذي رآه منذ أن أودعوه سجنه . أما اليوم ستلتقي سوسن الشيء لأول مرة في حياتها وفي المرة الثانية ستبدأ لعبتها معه .

كانت سوسن تجلس على فراشها وسط كتب التاريخ تحاول إنهاء قراءة الكتاب الذي بين يديها, ثم تعالى صوت صهيل حصان فجأة خارج غرفتها !, تعالى فانتفضت وسقط الكتاب من يدها على الفراش. كانت وحيدة في المنزل بعد أن غادرت أمها المنزل منذ قليل , تعالى صوت الصهيل مرة أخرى ثم توقفت الأصوات بعدها تماماً, أخذت سوسن ترتجف وبدأت مثانتها بالتقلص عاجزة عن مغادرة المكان لاستكشاف صوت الصهيل الذي تعالى مرة أخرى, إقتربت سوسن من الباب وفتحته لترى صحراءاً جاردة خارج غرفتها واقفٌ فيها جواد ضخم رافع قائمتيه الأماميتين في الهواء للحظة قبل أن ينقض عليها مباشرة !. أغمضت عينيها ثم فتحتهما جزئياً لترى أن الحصان لم يهشم عظامها كما كان متوقعاً, ورأت أيضاً أن أرض غرفتها قد تحولت إلى رمال .. فتحت سوسن عينيها كاملة لترى أن غرفتها لم تعد هناك, ووجدت نفسها تجلس على رمال الصحراء القاحلة وقد أخذت الرياح الساخنة تضرب وجهها بلا هوادة . أخذت سوسن تخطو إلى الأمام ثم توقفت والقت بجسدها على التراب, فما جدوى المواصلة وهي لا تملك هدفاً ولا طريقاً ولا مخرجاً مما هي فيه ؟, ثم سمعت صوت الصهيل مرة أخرى فأخذت تركض في الإتجاه المعاكس بأقصى سرعة وقد شقت صرخاتها حلقها الجاف, ثم تلاشى كل شيء وبقي أمامها سراب يقترب إلى الحد الكافي لتميز ماهيته, وبدأت تشعر بتلك البرودة العجيبة تسري في جسدها على الرغم من حرارة الصحراء ..
كان هو إبن الدكتور مجدي, أخذ يقترب منها وقال: لقد تأخر لقاؤنا كثيراً, سنبدأ لعبتنا قريباً وستكون ممتعة أعدك بهذا, ولكن قبل أن تبدأ اللعبة يجب أن تذهبي إليه أولاً وأشار إلى مكان, فتحركت سوسن لاإرادياً باتجاه المكان لترى بناية حديثة الإنشاء تعرفت عليها على الفور, إنها البناية التي انتقل إليها سامح والتي سيتزوج فيها قريباً كما عرفت من أمها من قبل, ثم قال : ستكون بدايتك هناك وسأكون في انتظارك !, ثم أظلمت الدنيا من حولها وشعرت بجسدها يهوي ووجدت نفسها على فراشها في غرفتها .. لقد تلقت زيارتها الأولى من الشيء وكان أسوأ من كل تخيلاتها, تماماً كما وعدها الدكتور مجدي. لقد بدأت نهايتها ولكن قبل كل هذا عليها أن تذهب إلى سامح لتراه بعد سنوات طالت قضتْها تحاول نسيانه, ولكنها قبل ذلك التقت بيوسف وأعطته قائمة من كتب التاريخ ليقرأها, وإن شعرت بأن هذا لا يجدي لكنه كان من باب إراحة الضميرلا أكثر, فلو كان سيهلك قريباً فمن حقه أن يعرف الطريقة الوحيدة للنجاة مما سيحدث له ..
إنتقلت سوسن إلى شقة سامح فشعَّت البهجة في ملامحه الوسيمة, وفي لحظة واحدة استعادت سوسن كل ذكرياتها معه, كل نظراتهما وهمسهما وكل كلمة حب تبادلاها وكل وعد أخلفه حين أخبرها أنه سيرحل والنصيب لم يكن في صالحهما, ثم طلبت منه أن تدخل لتحصل على ما جاءت من أجله وترحل بسرعة , أصيب سامح بالدهشة وارتسم التردد على ملامحه  فأزاحته عن طريقها ودخلت, حينها رأت صورته مع خطيبته هدى فقال سامح : سنسافر أنا وهدى إلى الصحراء في شهر العسل حيث أن هناك نادي للفروسية وهدى تعشق الخيل !. حينها فهمت سوسن الموقف كاملاً, الشيء يريد إصابتها بالجنون ويريد أن يستعرض قدراته ونجح في هذا نجاحاً كاملاً, حينها أصابها الدوار فاقترب منها سامح وأمسك بيدها ليساعدها, ولكن لماذا يد سامح ساخنة لهذه الدرجة والعرق على وجهه كأنه محموم, وعيناه تتسعان بمزيج من الألم والذهول ؟, وتتصاعد الأدخنة من جسده حاملة رائحة الشواء. حاولت سوسن إقناع نفسها بأنه كابوس, الآن فهمَتْ, الآن تعرف لماذا طلب منها الشيء المجيء إلى هنا, هاهي تنتزع نفسها من جمودها لتأخذ ذلك المفتاح العتيق ذا النقوش العجيبة الذي خرج من جسد سامح.
إنتهت مهمتها هنا والآن يأتي وقت الهروب, حينها حزمت حقائبها هي ووالداها لينتقلوا إلى بيت جدها, وفي النهاية وجدت الشيء ينتظرها هناك ليبدأ معها لعبته. نامت سوسن ليلتها على فراش جدها المتوفي وأخذت الكوابيس تتوالى عليها, شاهدت جدها بابتسامته الحنونة ولحيته البيضاء الطويلة, أسرعت سوسن بعدها لتضمه ولكنها لم تجد الدفء الذي اعتادته منه, وحين انتزعت نفسها منه وجدت أن ابتسامته بدت مخيفة وعيناه تتوهجان بقوة, وبعدها خرج الصوت العابث البارد من بين شفتيه قائلاً : والآن ستبدأ اللعبة !, حينها صرخت سوسن صرخة مزقت بها أنسجة الصمت من حولها لترى نفسها في ذلك المنزل ...
وحين فتحت سوسن عينها وجدت نفسها في ذلك المنزل بين اللوحات العجيبة التي تحكي قصتها, وفي آخر لوحة رأت نفسها تجثم على صدر يوسف تقبض على سكين هائل الحجم تغرسه في عنقه, وهذا يعني أنها ستقتل يوسف قريباً ولكن لماذا ؟! , قال الصوت العابث : لأنها قواعد اللعبة !, أتعرفين ما هي أكبر كذبة في التاريخ ؟ التاريخ كله. فهمت سوسن كلامه فقد قالها ماركيز من قبل : التاريخ ليس ما حدث فعلاً ! بل هو ما نكتبه وكيف نتذكره, إنها حقيقة لن يفهمها إلا من قضى عمره يقرأ في كتب التاريخ حتى يتبدى له زيفه. ثم أكمل الصوت العابث : سيكون أمامك خيار وحيد, ستستمر اللعبة إلى أن تحصلي على الحقيقة كاملة وبعدها ستدفعين الثمن غالياً . وفي اللحظة التي تليها هوت سوسن على الأرض ورجعت إلى عالمها. كان صوت أمها تقرأ كتاب تاريخ عن الثورة الفرنسية, تقرأه أمها بصوت عالٍ بينما يعقب ذلك صوت تمزيقٍ للأوراق , خرجت سوسن من غرفتها لترى أمها ممدة على الكنبة شاخصة العينين بثبات إلى سقف الغرفة, جسدها متصلب وكأن تياراً كهربائياً يسري فيه, بينما كان أبوها يحمل كتاب فلسفة الثورة الفرنسية ويمزق أوراقه صفحة تلو الأخرى ويكورها ويدسها في فمه . إنهارت سوسن على ركبتيها وأخذت تصرخ, وفي النهاية انغرس سكين الحقيقة في رأسها فأدركتها كاملة وتوقفت عن الصراخ .. لقد بدأت اللعبة !. كانت سوسن تقضي نهارها في غرفتها بينما أمها تستمر في قراءة التاريخ وأبوها يستمر في تمزيق الورق وأكلها, والشيء الوحيد الذي كسر هذا الروتين هو زيارة عصام لمنزل جدها ليبحث عنها. أراد رجال الشرطة كسر الباب لفتحه, ولكن لم يكن باب شقة جدها الذي فُتح بل بابٌ من خارج الشقة, وأتى بعده صوت جارة جدها تقول : ما الذي يحدث ؟, لا يوجد أحد هنا وأغلقت الباب بعدها ..
لقد نجت !, لذا أرخت نفسها ونامت, وكان الدكتور مجدي ينتظرها في حلمها ينظر إليها بنظرة عتب ويقول : كان ينبغي عليك أن تواصلي البحث عن الطقوس وأن تجديها على الرغم من كل ما حدث, لقد بدأ دورك في اللعبة وسيكون أمامك الخيار كما أخبرك لكن هل ستقتلينه ؟, فأدركت سوسن على الفور أنه يتحدث عن يوسف !, وأكمل : إن قتلته لن يتركك الشيء بعدها ولن يسمح لك بالبقاء حية, لذا يجب أن تجدي الطقوس يا سوسن, يجب أن تصنعي نهاية له مهما كلفك الأمر, ثم يجب أن تنقذي يوسف, من دونه لن تنتصري على الشيء أبداً, ثم دس يده في جيبه   وأخرج المفتاح العتيق وقال : ستحتاجينه في النهاية .. لا تتركيه أبداً .
إستيقظت سوسن من الحلم, إلتفتت حولها فلم تجد لا أباها ولا أمها, جالت في الشقة بحثاً عنهما فوجدتهما في غرفة جدها رافعين رأسيهما إلى الأعلى يحدقان في سقف الغرفة وقد فغر كل واحد منهما فمه على اتساعه. تصاعد صوتٌ من فم أبيها, كان صوت المقدم عصام يقول : نحن مستعدون للتحرك, يجب أن نقبض عليه قبل أن يحاول الهرب, نحن في طريقنا للقبض على يوسف .. أدركت سوسن أنها تستمع إلى مكالمة هاتفية تنبعث من والدها, حينها أسرعت سوسن كي تنقذ يوسف, حينها انحنى أبوها باتجاهها وقال : إما نحن وإما هو, وبالنهاية اختارت سوسن أن تقتل يوسف. ذهبت سوسن سريعاً إلى الفندق بعدما سمعت العنوان من فم والديها, وتركت له ورقة مكتوبٌ عليها إهرب ومررتها من تحت الباب, فهرب يوسف إلى سيارته فانقضت عليه سوسن وغرزت السكين في عنقه في السيارة هامسة : سامحني ولكن يجب أن أقتلك !. شعر يوسف بالذهول والغضب, هكذا ستكون نهايته إذن, سيموت الآن دون أن يجد طقوس القضاء على الشيء. أغمض يوسف عينيه واستسلم لمصيره, على الأقل سينتهي دوره في هذه المأساة وستنتهي لعبة الشيء عند هذا الحد, ولكن سوسن لم تفعلها !, إرتعشت يدها القابضة على السكين وأخذت تبكي قائلة : لا أستطيع أن أقتلك !, وفي اللحظة التالية اخترقت رصاصة عصام زجاج سيارته لتتفجر الدماء من رأس سوسن ولتهوي بجواره بلا حراك !. للحظة لم يتحرك يوسف من مكانه ولم يتحرك السكين الذي انغرس نصله في عنقه, ثم بعدها قام يوسف بإدراة محرك السيارة وانطلق فيها بعيداً عن المكان.
مرت أيام على يوسف إلتأم فيها جرح عنقه وإن لم يلتئم جرح سوسن التي لم تمت تماماً, فبعد أن هرب بها وجدها تتنفس, فرصاصة عصام لم تخترق رأسها ولكنها تركت جرحاً غائراً في جانبه. حكَتْ سوسن قصتها كاملة ليوسف حينها قال يوسف : وأنا حصلت على مفتاحي .. ليكون الذهول من نصيبها, قالت سوسن : هذه النقوش رسالة, إنه يحاول إخبارنا بشيء ويجب علينا ترجمة هذه النقوش, ثم تذكرا أنهما لم يناما منذ وقت طويل, فجلست سوسن إلى جوار يوسف قبل أن يُسقط رأسها الجميل على كتفه. حتى لو كانت مستيقظة فهي لا تملك شيئاً لتفعله, لو نام فسيظل جسده هنا بجوارها لكنه سينتقل إلى حيث سيواجه اختبار الزمن الجديد بمفرده, في النهاية سيعود إليها وسيجدها هنا كما تركها .. إن عاد !.
 شعر يوسف بالدفء فجأة وبرائحة الكعك الطازج تفعم أنفه, كأنه أحد أحلام طفولته وقد تكرم عليه بالزيارة قبل أن يجد نفسه أنه يجلس في غرفة ضيقة مظلمة ذات نافذة صغيرة يتسلل منها ضوء خافت لم يكف لتبديد الظلام من حوله, ثم تحسس جسده فوجده جسد عجوز ذي شعر أبيض, أطل من النافذة الصغيرة التي تطل على قاعة طعام فظهر صوت أنثوي من خلفه يقول : إنه قادم, إنه يعرف ما سيحدث ولكنه قادم !. شعر أن هناك شيء ما سيحدث في هذه القاعة, دخل رجلان وامرأة يرتدون من الملابس ما يدل على أنهم أصحاب القصر, قالت المرأة : لا أريد دماءاً وخرجت, ثم قالت المرأة التي بجانب يوسف : سيفسدان كل شيء وسيدفع الجميع ثمن خيانتهما, سيموت سيدي الليلة وبعدها يأتي دورنا !. وبعدها جاء الضيف المنتظر راسبوتين, وبالطبع أنت تعرف راسبوتين, فهناك بعض الأسماء في التاريخ تجد طريقها إليك مهما كانت اهتماماتك, سأعرّفك به قليلاً, ولد في يناير 1869 , والده كان مزارعاً فقيراً, في قريته نشأ, لا يحمل أي ميزة إلى أن أتى اليوم الذي سُرق فيه حصان والده, يومها منح راسبوتين والده وصفاً دقيقاً للسارق من دون أن يراه وليجد والده السارق بالفعل, ومن يومها تعالت همسات أهل القرية عن قدرات راسبوتين الخارقة, وهكذا حصل راسبوتين على السلطة وهكذا استخدمها ليمارس ملذاته على نطاق واسع, فأيقن الجميع أنه يجب أن يموت, فقرر  ثلاثة رجال قتله في قصر مويكا الفاتنة التي كان راسبوتين يرغب فيها بصراحة في ليلة السادس عشر من ديسمبر عام 1916, وهناك ستكون نهايته وسيقف يوسف ليشاهدها بنفسه. عندما أتى راسبوتين إلى القصر أصبح يوسف على يقين من أن راسبوتين يعرف ما سيحدث له تماماً وأتى على الرغم من كل شيء, وها هو يواصل لعبتهم بثقة لم تدفع إلا بالخوف في قلوبهم. أخذ راسبوتين الكعكة ودسها في فمه وهو يعرف أنها محشوة بالسيانيد, ثم ملأ شوكته بقطعة جديدة واستمتع فيها أمام استرخاء الرجال من حوله, فقال راسبويتن : أعرف أنكم تنتظروني هذه الليلة طويلاً وأعرف ما الذي تتوقعونه, وحينها ابتدأت المعركة فهب الرجال الثلاثة في وجه راسبوتين, حينها انتفض الأخير وانقض عليهم بيديه وصرخاته, حيث وجد الرجال أنفسهم في مواجهة دب ثائر قادر على تمزيقهم, فالسم لم يوقفه ولا الضربات ولا الطعنات وحتى الطلقات النارية لم توقفه ليلتها, حينها شدَّت المرأة يوسف وأمرته أن يتبعها عبر ممرات القصر, ثم انتقلا إلى العربة التي كانت تنتظرهما قرب القصر, فقالت المرأة : سنصل بعد قليل إلى المعبد وهناك سننهي ما بدأه سيدي ولن يكون الأمر سهلاً, لكنني أعرف أنك قادر على فعلها هكذا أخبرني راسبوتين وأنا أثق فيك يا أبي, يجب أن ننهي الأمر كله قبل أن تنتهي هذه الليلة, إنها الليلة الثانية والعشرون .. لكنها ستكون الليلة الأخيرة, حينها نزلا من العربة ودخلا إلى المعبد وكان الظلام في انتظارهما, فنزلا من درج مظلم على ضوء شمعة الفتاة, وحين وصلا فتحت الفتاة باباً خشبياً فانفجر ضوء من داخله, ثم فتح يوسف عينيه ببطء ليشاهد ما تركه له راسبوتين في الداخل وليتفجر الذهول هذه المرة في ملامح يوسف, ففي منتصف الغرفة تماماً يجلس طفل بعينين مفتوحتين ترمقان اللاشيء, طفل في العاشرة من عمره شاحب اللون أسود العينين, طفل رآه يوسف من قبل وكان السبب في كل ما حدث له , طفل لا يحمل إسماً إنه إبن الدكتور مجدي !, حينها قالت إبنته : إنها الليلة الثانية والعشرون, إنها ليلة تتكرر كل ستة وتسعين عاماً وتذوب فيها الحواجز بين عالمنا والعوالم الأخرى سامحة لنا بالعبور إليها وسامحة لهم بالعبور إلينا, ثم صمتت للحظات وأكملت : في الليلة الأولى كانت البداية, سيدي أخبرني بأن الأمر كله بدأ بامرأة حاولت أن تعيد زوجها إلى الحياة, كانت المرأة تعرف أن إعادة الموتى إلى الحياة مخاطرة كبيرة ولكنها فعلت ذلك لأنها تحب زوجها, ولهذا نفَّذت الطقوس للمرة الأولى, لكن من عاد ليلتها لم يكن زوجها بل كان هو !! كان الشيء, وهكذا استيقظ الشيء في جسد زوج المرأة أول مرة, وظل لسنوات أسير هذا العالم ويجوب الأرض والأجساد حتى انتهى به الأمر في زمن فلاد الثاني الذي مارس طقوس إعادة الموتى للحياة, ثم انتقل بعدها إلى زمن اليزابيث باثوري، ثالث من حاول ذلك !, ثم سئم الشيء من جسد اليزابيث وتحرر من جديد, ثم أشارت الفتاة إلى جسد الطفل وقالت : إنه جسد طفل يتيم كاد المرض يفتك به, وبدأ سيدي استخدامه ليكون جسداً للشيء, وقال سيدي إنه يجب أن ننتظر إلى الليلة الثانية والعشرون حتى يتم العبور كاملاً, ولكنه عرف أنهم سيقتلونه ولن يكمل الطقوس لذلك اختارك أنت لتكملها. حينها عرف يوسف أنها فرصته, ولكنه لا يعرف طقوس القضاء عليه فما الذي سيفعله, ولكنه عثر على الحل الصحيح وبدأ بالبحث عن الطريقة المثلى لتنفيذه, ثم قبض على عنق من يفترض أنها ابنته وضرب برأسها بالمذبح الحجري بأقصى ما أوتي من قوة, ففقدت وعيها وهوت أسفل قدميه والدماء تتفجر من رأسها, ثم خرج يوسف حاملاً الطفل بين ذراعيه ودفن قدمي الطفل في الثلج, ثم أوقف عربة وانطلق إلى نهر نيفا ! حيث سيلقي الرجال بجثة راسبوتين هناك في النهر بعد أن يقتلوه. كانت خطة يوسف أنه سيلقي بجسد هذا الطفل الصغير في نهر نيفا المثلجة ليتخلص منه ومن الشيء إلى الأبد, وهكذا لن يجده الدكتور مجدي مستقبلاً ولن يعود إلى مصر لتموت زوجته, وستنجو الدكتورة ليلى وعائلتها, وسيعود إلى زمنه وقد استرد عينه ورئته وكليته, وقرر أن يربط الطفل بحجر كبير حتى يغوص في النهر فلا يعثر عليه أحد بعد ذلك , ولكن فجأة لاحظ يوسف أن صاحب العربة يرجع إلى حيث كانا لأنه بدأ يشك في يوسف والطفل الذي يحمله, فقال يوسف للشاب صاحب العربة : ألا تعرف أنني شؤم ؟, ثم انزلقت بعدها العربة على الثلج وسقط كل من عليها. حاول يوسف الخروج من تحت العربة وعليه مواجهة حقيقتين مهمتين, أنه أولاً يجب عليه حمل الطفل وأن يسير به وهو عاجز عن الوقوف, والحقيقة الثانية أنه لا يعرف أين النهر ؟, حينها أمسك يوسف بالطفل وانطلق بالإتجاه المعاكس لما كان الشاب يقود عربته فيه !, وحين بلغ يوسف النهر كانت الليلة على وشك الإنتهاء, أمسك يوسف بعباءته وشقها إلى نصفين, وأمسك بحجر وربطه بها وأمسك بساق الطفل ثم بدأ يجره إلى النهر, وهنا تعالى صوت الطفل ولأول مرة في هذه الليلة ليخرج منه طبيعياً طفولياً بائساً يقول : أرجوك لا تقتلني !! أرجوك يا سيدي, إنني أشعر بالبرد, أرجوك أعدني إلى منزلي !, يقولها الطفل فتعتصر قبضة باردة قلب يوسف, ويرى عينين الطفل الخائفتين في انتظاره تحدقان فيه وتتوسلان إليه !. ثم جلجلت بعدها ضحكات الشيء المكان لتخرج الكلمات من فم الطفل : أتظن أنك قادر على التخلص مني ؟ إنني باق حتى النهاية !, حينها جذب يوسف الطفل نحو النهر, فالليلة أوشكت على الإنتهاء وبقي منها لحظات تكفي يوسف تماماً, وبعدها ترك قدم الطفل وأسقطه في النهر, لقد فعلها وكل ما عليه فعله الآن هو أن يستسلم للموت كي يعود إلى زمنه وقد انتصر.
وحين فتح عينيه شهق وذهل مما رأى, فلم يعد يوسف إلى عالمه, فأمامه الآن ابنته التي ليست إبنته تصرخ : أين الطفل ؟, فقال يوسف : إنه حيث لن يعثر عليه أحد, فصدمت ابنته وقالت : أيها الأحمق لقد أفسدت كل شيء !!, لقد أضعت فرصتنا الأخيرة, كان سيدي يريد أن يعيده إلى عالمه وأنت أفسدت كل شيء, وهكذا لن يستطيع أحد فعلها إلى أن تأتي الليلة الثالثة والعشرون بعد سته وتسعين عاماً أيها الأحمق, ثم أخرجت خنجراً من عباءتها فأغمض يوسف عينيه لأنه يستحق ذلك, فكان آخر ما رآه هو الخنجر المنغرز في عنقه !.
وحين فتح يوسف عينيه وجد أن كل شيء تركه في انتظاره كما هو بينما كان يسعل سعالاً دموياً, أخذ يفكر أن راسبوتين كان يعرف كيف سيعيد الشيء وربما ابنته كانت تعلم, ولكنه لم ينتظر ذلك وأنقذ الشيء, لقد خدعه للمرة الثانية. بعدها قالت سوسن الجالسة بجواره : أنا أعلم أين هو, إنه في منزل الدكتور مجدي رأيته في منامي, تعاظم الذهول أكثر فأكثر على وجه يوسف ثم مد أصابعه على عنقه ليعلم بأن الشيء أخذ صوته هذه المرة!. كتب يوسف لسوسن كل ما حدث له فعلمت أنه قد خاض فصلاً جديداً من اللعبة وخسر, لكن ما عاد به من حقيقة الشيء يستحق الإهتمام وبشدة, فهناك طريقة للتخلص من الشيء .. لقد اقتربت اللعبة من النهاية إذن  والفصل الجديد من اللعبة ينتظرهما هناك في منزل الدكتور مجدي, ومن دون أن يتبادلا المزيد من الصمت انطلقا إلى حيث ينتظرهما الشيء !. وفي الطريق إلى منزل مجدي أخذت سوسن تسترجع ما رواه لها يوسف قائلة لنفسها : الشيء أتى إلينا من عالمه في الليلة التي نفذت فيها المرأة في الغابة طقوس استدعائه, هذه الليلة تتكرر كل ستة وتسعين عاماً والليلة التي انتقل فيها يوسف إلى زمن راسبوتين كانت ليلة السادس عشر من ديسمير 1916, وكانت الليلة الثانية والعشرون, وهذا يعني أن الليلة الثالثة والعشرون التالية ستكون ليلة السادس عشر من ديسمبر عام 2012 تحديداً بعد يومين إثنين من الآن !!,إذاً عليهما أولاً أن يعرفا كيف يعيدا الشيء إلى عالمه ..
دخل كل من سوسن ويوسف إلى بيت الدكتور مجدي, كانت سوسن على يقين أن الشيء ينتظرهما في الغرفة ليواصل معهما اللعبة التي أوشكت على النهاية, أمسك يوسف بمقبض الباب وفتح الغرفة, كان كل شيء كما تركه في المرة الأولى, حينها تحرك وجه الطفل في الجدار وقال : إنها أول مرة نجتمع فيها معاً, لكنها لن تكون المرة الأخيرة .. تريدان أن تفهما كيف وصلتُ إلى هنا على الرغم من أنك ألقيت بي في النهر, كنت تتوقع أنك ستتخلص مني بهذه الطريقة الساذجة, لقد اقتربت النهاية وستفهمان كل شيء لكنكما ستدفعان الثمن .. إحتفظتما بالمفتاحين معكما وسيأتي دورهما قريباً ثم قال : والآن إستعدا فهناك مفاجأة سارة في انتظاركما, فتعالى صوتٌ من ورائهما وكان صوت عصام الذي قال : كنت أعرف أنكما ستعودان إلى هنا عاجلاً أم آجلاً والآن حان وقت دفع الثمن . تم أخذ كل من سوسن ويوسف إلى مركز الشرطة, كان استجواب يوسف عبثياً ولم يخرج منه عصام ولو بإجابة واحدة على أي من أسئلته, وبعد ساعات أعيد يوسف إلى سجنه وقد غُطي بالكدمات ودماؤه تسيل من جراحه من دون أن يظفر منه عصام بإجابة واحدة.
غط يوسف بعدها بنوم عميق وحين استيقظ وجد أن الأرض تترنح من أسفله وأن عقله ينبض داخل جمجمته .. إنه الفصل الأخير من اللعبة .. فتح عينيه ونظر إلى الغرفة ليرى زجاجة فارغة ورائحة منفرة من فمه, وعقله ينبض ومعدته تتلوى .. إنه مخمور !! وأمامه باب معدني والأرض تترنح وصوت أمواج .. إنه في سفينة !!. قام يوسف فوجد نفسه أنه طويل القامة, فتح يوسف الباب المعدني فاكتشف أنه في الزمن الحديث, لا يزال ينتمي إلى ماضيه ولكنه حديث بعض الشيء, صعد يوسف درجاً أمامه فوجد الدكتور مجدي أعلى الدرج مبتسماً وإلى جانبه زوجته, حينها اتجه مجدي إلى يوسف وقال : كل هذا من الفودكا, إن كبدك لن يتحمل طويلاً يا إيفان !, ولكن الرحلة لن تكون طويلة , سنوات طويلة وأنا أبحث عنه يا إيفان, اليوم سأعثر عليه وأنا واثق من هذا, راسبوتين هو من قادني إليه, تاريخكم مثير يا إيفان سيظل الرجل الأهم في تاريخ روسيا , الشيء يا إيفان رأى التاريخ كاملاً وعاش فيه, تخيل أن تجيب عن كل التساؤلات والأسرار وأن تخط بقلمك التاريخ الحقيقي كما حدث لأول مرة فعلاً, تخيل ما سيحدث لي بعدها يا إيفان, تخيل !, إن الشيء موجود في بحر نيفا الآن وسأعيده وسأعرف منه الحقيقة ثم سأبحث عن طقوس القضاء عليه لأخلص العالم منه وإلى الأبد ثم قال : وجدت صورة لمفتاحين عليهما نقوش ولكنني لم أفهمهما, فقدمت زوجة مجدي لتفك الرسومات وتترجمها فقالت : الجملة تقول ( إثنان سيحملان المفتاحين .. أحدهما سيهلك ..والآخر سيعيش في عذاب بلا نهاية ), المفتاحان مع سوسن ومعه, يعني واحد منهما سيهلك والآخر سيعيش في عذاب بلا نهاية, وهذا ما سيحدث في الليلة الثالثة والعشرين حينها قال يوسف : لا تبحث عن الشيء بنبرة متوسلة وآمرة, وقرر يوسف أن يخاطر بكل شيء فقال : إنني لست إيفان, إسمي يوسف وأنا مصري مثلك لكنني أنتمي إلى المستقبل, أقصد أنني أعرف ما سيحدث ويجب أن تصدقني, يجب ألا تعثر على الشيء إنه كارثة تنتظر أن تحدث, سندفع جميعاً ثمن حماقتك هذه, حينها قال مجدي : إهدأ يا إيفان أنا سأعثر على الشيء سواء ساعدتني أو لم تساعدني, حينها انقض يوسف على الدكتور مجدي وبدأ بتسديد اللكمات له, حينها هوت على رأسه ضربة لم يفلح الكحول في جسده في حجب ألمها ثم سقط في نهر نيفا ! لقد فشل ..   
وفي اللحظة وقبل أن يفارق يوسف جسده الغارق هذا, تبدى له جسد طفل صغير في العاشرة من عمره, حينها علم أن الدكتور مجدي سيغوص وراءه ليحاول إنقاذه وسيجده قد فارق الحياة, ثم سيجد الطفل في انتظاره سيعثر عليه بسببه هو .. !. كان آخر ما رآه يوسف هو الطفل يفتح عينيه لينظر إليه مباشرة ثم يبتسم, ثم أظلمت الدنيا معلنة نهاية الفصل الأخير !.
حين عاد يوسف إلى سجنه وجد أنه يذكر كل شيء بأدق التفاصيل, يتذكر كل شيء وكل ما حدث له في طفولته للآن, أخذت الذكريات تتوالى في رأسه بلا هوادة ومعها أخذ يوسف يتلوى وقد فقد قدرته على التحمل, ففي هذه المرة أخذ منه الشيء قدرته على النسيان !, إنه الآن يذكر كل لحظة ألم وحزن ووحدة مر بها .. نحن يا عزيزي لا نحيا بما نذكره ولكن برحمة ما ننساه, ويوسف الآن يذكر كل شيء !.
تصاعد الطرقُ على باب مكتب عصام, فدخل رجل يقتاد سوسن للإستجواب, وعلى عكس ما توقع تماماً لم تقاومه سوسن ولم تلذ بالصمت كما فعل يوسف, بل أجابت على كل أسئلته وباستسلام تام وبشرح تفصيلي لكل إجابة, ليكون الناتج النهائي الذي خرج به عصام من ساعات استجوابها هو : لقد فقدت الفتاة عقلها !, قال عصام : في الغد سينتهي كل شيءٍ وسيعود غداً ليكتب اعترافاتهما نيابة عنهما, وفي اعترافاتهما سيضع التفسير القابل للتصديق لكل ما حدث !, سوسن قتلت سامح بدافع الغيرة ثم فقدت عقلها, ويوسف قتل الدكتورة ليلى بدافع السرقة, أما الدكتور مجدي فقتل ابنه لأنه أصيب بالجنون !, وسيجبرهما على التوقيع على تلك الإعترافات, فسيكون مصير يوسف الإعدام وسوسن مصحة الأمراض العقلية, أما هو فمن الأغلب أنه سيحظى بمكافأة إستثنائية جزاءاً له على اجتهاده .. غداً سينتهي كل شيء .. لكن الليلة .. سينام كالأطفال !.
كتبت سوسن على جدران السجن كل شيء منذ البداية فقد خسرت كل شيء. كتبت (لو واجهت الشيء أو عثرت عليه .. فلا تحاول أن تقتله !), ثم أمسكت بالقلم وحاولت أن تغرزه بعنقها لينتهي كل شيء ولكن هناك من دخل عليها, فالمقدم عصام في انتظارها وكذلك يوسف أيضاً حاملاً فيض ذكرياته حيث خرج من محبسه ليتبع من اقتاده إلى خارج المكان. فتح عصام باب سيارته قبل أن يلحق به سوسن ويوسف إلى داخل السيارة, كانوا ثلاثة رابعهم سؤال لم يجد من يجيب عليه : ما الذي سيحدث الآن ؟. لم ينبس عصام بكلمة طوال الطريق ويبدو أنهم خرجوا من المدينة وبلغوا طريقاً صحراوياً, رمال صفراء في الأسفل وسماء زرقاء في الأعلى, الشمس تتوسط السماء معلنة أن ما يفصلهم عن الليلة الثالثة والعشرين بضع ساعات لا أكثر .. لكن عصام توقف فجأة بسيارته وفي منتصف الطريق تماماً ونزل ليمشي في الإتجاه المضاد لحركة السيارة, وفجأة صرخ عليه يوسف بلا صوت ليقف عصام وينظر إليه وكأنه سمع, ثم أخرج مسدسه ليلصقه بجانب رأسه وأطلق النار, لقد انتهى دور عصام عند هذا الحد. أخذت سوسن تصرخ بهستيرية فقد تحول عصام إلى جثة هامدة, حدق يوسف فيه للحظات ثم استوعب الرسالة كاملة, إنتهى دور عصام والآن يأتي دورهما. أخذ يوسف يقود السيارة وقد احتفظت سوسن بمكانها في المقعد الخلفي وتوقفت عن البكاء, وفجأة تغير المشهد من أمامهما, فساد في المكان ضباب عجيب كشف عن أشجار ضخمة الجذوع تمتد إلى السماء, تذكر يوسف هذا المكان وأنه قد مر من هنا في أحد مغامراته. تركا السيارة وبدءا يتحركا إلى الأمام, فكان أمامهما منزلاً وكان المنزل يبدو وكأنه يتنفس, حينها أيقنا أن الشيء ينتظرهما في ذلك المنزل وستكون المواجهة الأخيرة . فتحا المنزل بمفتاحيهما ومن دون أن يتبادلا  النظرات دخلا إلى المنزل ليبتلعهما ظلامه, وشعرا بوجود ثالث معهما, ثم سطعت مئات اللوحات من حولهما دفعة واحدة ليجد يوسف وسوسن أنفسهما يحدقان في مئات الأشخاص من مختلف الأزمنة في أسوأ لحظات حياتهما, أشخاص لا يعني وجودهم في هذه اللوحات إلا أنهم كانوا مثلهما ضحايا لعبة الشيء على مر العصور, ولا بد أنهم خسروا اللعبة ودفعوا الثمن !, ثم تعالى الصوت العابث على شكل طفل صغير لم يتجاوز العاشرة من عمره ليقول : مرحباً بكم في منزلي, ها نحن نلتقي للمرة الأخيرة, فالليلة سينتهي كل شيء, فقالت سوسن ويوسف : لماذا ما الذي تريده منا ؟, فقال الطفل : لأنني مثلك يا يوسف سيء الحظ جئت من عالم آخر, ولكنكم لم تعرفوا الحقيقة كاملة بعد, ومع كلماته بدأ يوسف وسوسن يفقدا شعورهما بالأرض لتكون المرة الأخيرة لهما .
فتح يوسف عينيه فوجد سوسن إلى جواره في ممر وأمامهما عجوز, كانا بجسديهما, عرفت سوسن أنها في الماضي .. الماضي السحيق إن شئنا الدقة, أخذا يتبعا العجوز ولكن من هذا العجوز ؟ وأين الشيء. لم يشعر يوسف أن الشيء موجود معهما, بل هو واثق من هذا, لأول مرة يشعر بغيابه وكأنه يستغرب العالم مع عدم وجود الشيء أو كأنه يفتقده !. دخل العجوز إلى قصر ضخم وتبعاه يوسف وسوسن, هنا لا توجد لعبة ولن يدفع يوسف الثمن قطعة من جسده هذه المرة, هما هنا ليحصلا على الحقيقة فحسب, حينها تكّون وجهٌ بلا ملامح أمام العجوز فقال العجوز : عليكم أن ترحلوا يجب عليكم ذلك !, فقالت كتلة الظلام : هذا لن يكون, بعد كل ما تعلمتموه مننا تطالبوننا بالرحيل, بعد أن علمناكم طقوس السحر ومنحناكم القوة تجرؤون على رفض وجودنا, أتعتقدون أنكم قادرون على المواصلة بمفردكم ؟, سنبقى وإن لزم الأمر سنقضي عليكم جميعاً, فقال العجوز : وماذا لو أغلقت الثغرة بين عالمينا ؟, إنني أملك طقوس التحكم في الثغرة ولن يستدعيكم أحد منا, لذا لن نسمح لكم بالعودة أبداً, ثم بدأ العجوز في ترديد طقوس سد الثغرة, وفجأة تعاظم الظلام ليفتح يوسف عينيه ليرى نفسه في وادٍ بارد وسوسن إلى جانبه وتقول : يوسف إنهم هنا !, فانطلقوا إلى مصدر الصوت ليجدوا رجالاً مجتمعين حول جثة العجوز وواحد منهم يقول : لقد سُدت الثغرة بين عالمنا وعالمهم لكنه دفع الثمن, ولكن الثغرة ستُفتح إن لم نقض على طقوس الإستدعاء, فأخذوا بحرقها جميعاً وحرقوا جثة العجوز, ثم أحاط الظلام بهما ليفتحا عينيهما في بيت خشبي قديم ورجل يجلس خلف مكتبه يكتب كل ما حصل في تلك الليلة, إنـه يكتب التاريخ ومن ضمنه طقوس الإستدعاء !, ثم تعاظم الظلام من حولهما ليجدا أنفسهما بعدها على الشاطيء وهناك رجل يقرأ ورقة فيها طقوس الإستدعاء ؟, ولكن كيف وصلت الورقة له ؟!, إنه حس الدعابة الذي يملكه التاريخ والذي قرأت سوسن عنه كثيراً, ثم بدأت إبنة ذلك الرجل بالغناء بصوت كان قد سمعه يوسف من قبل, إن تلك الطفلة هي نفسها المرأة التي ستستحضر الشيء في جسد زوجها !!.
قال الدكتور مجدي لطفله : لماذا قتلتها ؟, فقال الطفل : لأنني لم أعد في حاجة إليها .. إستيقظ كل من سوسن ويوسف ليجدا أنفسهما في ظلام الغرفة يستمعا إلى حديث الشيء مع الدكتور مجدي, أكمل الشيء حديثه فقال : ألم تكن هي من بدأت كل شيء؟, لقد كانت تعرف الحقيقة .. لقد رأت كل شيء في أحلامها, لقد كانت تعرف كل شيء ومن أجلها بحثت أنت عني أليس كذلك ؟, فقال مجدي : هل توجد طقوس للقضاء عليك ؟, هنا خفق قلب يوسف وسوسن منتظرين الإجابة  فقال الشيء : أنت تعرف أنه لا وجود لها, لقد كنت أنا من نشر هذه الكذبة ليجدوا طقوس استدعائي بدلاً عنها, ثم قام الدكتور مجدي بتهشيم رأس الطفل بالمطرقة ثم غادر مكانه ببطء ليلحق الشيء إلى حيث سيحاول ويفشل, ثم تعاظم الظلام من حول يوسف وسوسن ليرجعا إلى المنزل ليقول الطفل : ها أنتما قد حصلتما على الحقيقة كاملة, والآن يأتي دور خياركما الأخير الذي لن يكون سهلاً, وهذه المرة لن تدفعا ثمنه فحسب بل ستحصلون على مقابل, أنا في حاجة إليكما , نريد العودة إلى عالمكم الليلة, بعد كل تلك القرون سنعود ولكن على أحدكما أن يقتل نفسه .. سوسن لو قتلت نفسك فسأعيد والديك وسامح إلى الحياة, أما أنت يا يوسف إن قتلت نفسك فسأعيد نادية التي أحبتك إلى الحياة, وسأعيد ليلى وعائلتها إلى الحياة أيضاً, لا يوجد مخرج آخر, وإن لم تفعلاها فسأبقى هنا وحينها سيدفع الجميع الثمن, حينها قال يوسف : بل هناك خيار آخر وأنت منحتني إياه دون أن تشعر, منحتني طريقة للقضاء عليك بالطريقة الوحيدة التي أملكها .. سأمنحك جسدي !. فيوسف نصف جسده مات بعد أن أخذه الشيء منه, حينها قال الشيء : لن تجرؤ  لن أسمح لك !!. بدأ يوسف بعدها بترديد الطقوس التي كان قد سمعها من المرأة في الغابة التي هي نفسها طقوس القضاء عليه دون أن يدركا ذلك إلا متأخرين .. متأخرين جداً !, وفي لحظة امتزج كيان الشيء بكيانه وامتزج عقل الشيء بعقله, حينها استعاد يوسف الرؤية بعينه اليسرى وتبدد الظلام من حوله ليرى الثغرة فاتجه إليها وسط صراخ الشيء, ثم فجأة انتفض جسد يوسف وتعاظم الظلام من حوله وكان آخر ما سمعه : أيها الأحمق .. الآن ستدفع الثمن. وجد يوسف نفسه أنه قد عاد إلى مدرسته القديمة, إنه يذكر ذلك اليوم وها هو يخوضه من جديد, ثم جاء صوت من خلفه : أتريد أن تعرف إن كان الموت مؤلماً أم لا ؟, فارتطمت سيارة في جسد الصغير يوسف ليشعر بألم لا نهاية له, والتف الظلام من حوله .. في تلك اللحظة كانت سوسن تصرخ لترى أن يوسف قد فقد وعيه على الأرض, ثم انبعث صوت من الظلام قائلاً : أقتليه .. أقتلي يوسف !!. كان سامح من ورائها يقول : أقتلي يوسف وأنقذيني ! .. تذكر يوسف لقاؤه الأول مع الدكتور مجدي في السجن ثم جاء صوت من خلفه : ستعرف الموت وبكل صوَرِه, فغرس مجدي القلم في عنق يوسف فأحس بألم شديد يفوق قدرته على التخيل, ثم انبثقت ذاكرته إلى حادثة الدكتورة ليلى بينما كان صوت الدكتورة ليلى يأتي إلى سوسن ليقول لها : أقتليه . إقتربت سوسن وهمّت بأن تغرس السكين في صدره, حينها استيقظ يوسف ووقف على قدميه وراح يتسلق السلم ليصل إلى الثغرة وسط صراخ الشيء في داخله, بينما كانت سوسن في الأسفل تحدق في يوسف ذاهلة وكأنما تحول يوسف أمامها إلى بطل أسطوري يخوض آخر فصول ملحمته , حينها قال الشيء ليوسف : إذا اخترقت عالمي لن تعود أبداً, ستكون وحيداً وستحيا في عذاب بلا نهاية , حينها ومن دون لحظة تردد عبر يوسف الثغرة حاملاً الشيء في جسده لينتهي دوره في هذه القصة. وحين استيقظت سوسن رأت نفسها في سيارة عصام حيث لا وجود ليوسف, وآخر شيء رأته كان ضوءاً قد تألق فجأة في سماء المنزل, وتفجرت صرخة الشيء عاجزة متوسلة , ثم لم تر ما حدث بعدها ..
لم يعد هناك الشيء ولم يعد هناك يوسف . كان آخر ما فعلته سوسن ليلتها هو أنها تكورت على نفسها في المقعد الخلفي لسيارة عصام لتنهمر الدموع من عينيها وكأنها بلا نهاية ..
بعد أن اطمأنت سوسن على والديها قررت الرحيل, فلا تزال متهمة بقتل سامح وقتل عصام الذي عثروا على جثته لاحقاً , ستختفي عن الأعين إلى أن ينساها الجميع ..
سنوات طويلة مرت على سوسن لم تنس فيها ما حدث, إنتقلت إلى مدينة جديدة بهوية جديدة, ولسنوات طويلة ظلت تحلم بيوسف . بعد سنوات تزوجت سوسن برجل لا يعشق التاريخ وكان هذا أكثر ما جذبها إليه , لم تخبره بإسمها الحقيقي, إنها الآن امرأة جديدة تحاول أن تقضي ما تبقى لها على هذه الأرض بهدوء, فالرجل الذي تزوجته كان يحبها بحق.  بعد عام من زواجها أنجبت سوسن طفلها الأول وكان صبياً, فابتسمت سوسن بإنهاك لتقرر : سيكون إسمه يوسف , ليجرب أبو الطفل إسمه بفمه : يوسف .. لا بأس ... سيكون إسمه يوسف, ثم بادلها ابتسامتها قبل أن يردف وهو يحيطها بذراعه : وسيكون سعيد الحظ .


النهاية .



إرسال تعليق