الأربعاء، 10 مارس 2021

.








 تلخيص رواية: 
قواعد جارتين 3 (أمواج أكما): عمرو عبد الحميد. 

إعداد وإشراف: رجاء حمدان. 

لسماع الرواية والاشتراك بالقناة ...قناة راجو شو الرابط التالي : 


  زهير... بعد أن هدأت الأجواء، خرجتُ من الزنزانة. كانت جثث الجنود متناثرة في كل مكان. ذهبت مسرعاً إلى البيت. استقبلتني أمي بلهفة. قلت لها: يجب أن نغادر جويدا فوراً. قالت: سنفعل ذلك ولكن علينا انتظار عودة والدك. وبعد فترة قصيرة، جاءنا أحد الفرسان. قال بأن أبي قد عُين مستشاراً حربياً للقائد كيوان، وبالتالي فإنه سيتغيب بضعة أيام. - تذكرت النقاش الذي دار ما بيني وبين مساعد عمي بشأن صديقي آدم، وعن استحالة كونه حفيد العجوز خشيب، واهتمام هذا المساعد بإبلاغ عمي عن ذلك الأمر. فقلت لأمي: أريد أن أرى عمي وأبي. إنني أعرف شيئاً قد يفيد أبي وعمي. شيء يتعلق بصديقي آدم.

 غفران... كنت أستمع إلى صوت القاضي وهو يعلن التهم الموجهة إليّ عندما بدأ النسالى بمهاجمة الأشراف. انسحب القاضي ومعه باقي السادة عبر السلم الخلفي للمنصة. أخذ كيوان يطلق النار على النسالى الذين حاولوا تسلق المنصة، ثم نظر إليّ قبل أن ينسحب دون أن يطلق النار عليّ. أخذني بعض النسالى الزائرين عبر البوابة الجنوبية إلى الطريق المؤدي إلى وادي النسالى. 

بدأ عدد من النسالى الزائرين ومعهم عشرات من النسالى الغير متحولين يظهرون في الأفق قادمين من الباحة على خيول الأشراف، حاملين معهم الأسلحة التي غنموها من الجنود. طلبتُ من الجميع التوجه إلى الجنوب، إلى وادينا. انصاع الجميع، بما فيهم الزائرون، لأوامري. 
 ولما وصلنا إلى وادينا، كانت ألسنة اللهب تتصاعد من كافة أركانه. لقد دمر الأشراف الوادي كاملاً. كانت هناك بعض الجثث المحترقة. لم أتوقف كثيراً بل امتطيتُ حصاني واتجهت صوب أصوات الطبول، وتبعني الجميع. 

 كانت الأصوات تصدر من بين الجبال الحمراء. وصلنا إلى سهلٍ بين الجبال. كانت مفاجأة لي عندما شاهدت آلافاً من النسالى متراصين بانتظام يتقدمهم النسالى الزائرون بارزي العضلات والأنياب. أخذ النسالى الزائرون بالزمجرة عندما رأوني، ثم هبطوا جميعاً على ركباتهم اليمنى كأنهم خضعوا لي. كان ريان هناك. تقدم نحوي وقال: إن النسالى في انتظار ما ستأمرين به سيدتي. قلت: ريان، ماذا حدث؟! طلب مني ريان أن أتبعه. 

قادني ريان إلى خيمة كبيرة يقف على بابها اثنين من الزائرين. قال ريان: شيّدنا هذه الخيمة من أجلك. لقد فعلتْها سبيل. قلت: هل كنت تعلم بأمر سبيل وطفلها؟ قال: نعم. لقد أخبرني الطبيب بذلك قبل ست سنوات. إنه يحترم رأيك ولكنه توقع حدوث ما يحدث الآن. وهو الذي بنى الخطة التي حدثت اليوم في الباحة. والسهم المشتعل الذي انطلق ليشعل الشعلة كانت فكرته لتكون إشارة إلى سبيل. وقد أخبرني ريان بان ناردين قد أعدمت في يوم الغفران التالي لاعتقالها. وقد حزنتُ حزناً شديداً لذلك. كما أخبرني بأنه قد تم تهريب معظم النسالى للإحتماء بالجبال الحمراء قبل دك المدفعية لبيوتهم. 

  وفجأة دخل علينا أحد النسليين الزائرين ومعه الطبيب فاضل. لم أستطع منع دموعي من التساقط وأنا أحتضن فاضل بقوة بين ذراعيّ. سأله ريان: ماذا حدث؟ فقال فاضل: إنني لم أغادر جارتين مطلقاً. لقد غيّر كيوان رأيه بشأن رحيلي، واقتادوني إلى سجن جويدا لأقبع بين جدرانه طيلة تلك السنوات. سألته: كيف توقعت حدوث هذا قبل سنوات؟ قال فاضل: مما رأيته في تلك الفترة التي عشتها بينكم. لقد عدت إلى الكهف بعد زيارتنا له بيوم واحد، وقمت بمداواة الرجل خشيب وتركت له بعض الأعشاب، ثم قطعت رأس التمثال وأخذته معي. كنت أريد من وراء نجاة خشيب أن يخبر كيوان بشأن الكهف لأضع النسالى أمام خيار واحد بين النجاة بكرامة أو الفناء. أكمل فاضل قائلاً: إن الزائرين يعرفونكِ وينصاعون إليك. إنهم ينتظرون أمراً منكِ للتحرك إلى مدن جارتين. 

 كان إصدار أمر باجتياح مدن جارتين صعباً عليّ. وبعد تفكير عميق قررت بأن نعطي لأهل جويدا عشرة أيام لمغادرتها، بعدها سنبدأ في إملاء شروطنا على كيوان لاستعادة حقوقنا وإلا سنجتاح جويدا وباقي مدن جارتين. 

في اليوم الثامن، سمعنا أصوات المدافع تدوي خلف الجبال. وعلمنا أن كيوان يقصف موانئ جارتين والسفن الراسية فيها ليمنع الأشراف من مغادرة جارتين وليجبرهم على محاربة النسالى. إذن ستكون حرباً للبقاء، على كل طرف منا أن ينتصر أو يموت. - زهير... غادرتُ مع الفارس إلى دار الأمن. كان الجنود منتشرين في كل مكان. وفي الطريق كنت أفكر:"هل أضحّي بصديق عمري من أجل شكوك ليس لها أي دليل، أم أنتظر للحصول ولو على دليل واحد لذلك". 

 وما إن دخلنا دار الأمن حتى سمعت صوت زئير مفاجئ صادر من الطابق الثاني. قال لنا أحد الجنود: لا تقلقوا، إنه نسلي متوحش حبيس لدى القادة بالداخل. دخلت إلى القاعة التي يتواجد فيها أبي وعمي وكذلك النسلي المتوحش. تقدم نحوي أبي وسألني: ما الذي جاء بك في هذا التوقيت؟ فقلت: كيف استطعتم الإمساك بهذا المتوحش؟ فقال أبي: لقد أمسكه صديقك آدم، إنه في الطابق الذي فوقنا يتعالج من جراحه. قلت: سأصعد إليه. 

 كان آدم جالساً على مقعد بمنتصف الغرفة، وكان الطبيب يلملم أدواته الطبية بعدما بدا أنه انتهى من تضميد جروحه. وما إن رآني حتى نهض وضمني إليه قائلاً: خشيت أن يكون قد أصابك مكروه. فقلت: إنني بخير. ما الذي جاء بك إلى جويدا؟ وما حكاية النسلي المتوحش الذي قبضت عليه؟ قال آدم: لقد شعرت بالأمس أن جسدي قد امتلك من القوة ما لا أستطيع السيطرة عليه، ووجدت نفسي، لاإرادياً، أركب حصاني وآتي إلى هنا. شعرت أنك وخالتي سيرين في خطر فأتيت لحمايتكما. ولما وصلت الباحة رأيت الجثث، وأخذت أبحث عنكما. كان هناك نسلان زائران فقاما بمهاجمتي. صرخت على الأول فجفل وارتبك ثم هرب، أما الثاني فعاد إلى هيئته البشرية. قيدته وأتيت به إلى هنا. أكمل آدم كلامه قائلاً: إنني أستطيع أن أقدم دوراً حاسماً لبلادنا. وإن كنت فعلاً قد استطعت التحكم في هذين الزائرين، فقد أستطيع التحكم في باقي النسالى المتحولين، أستطيع أن أعيدهم إلى هيئتهم البشرية ومن ثم تتولى أسلحتنا أمرهم. قلت له: لطالما توقعت أن تكون فارس جارتين الأول. استرح الآن وسأعود إليك لاحقاً. 

 تركت آدم ونزلت إلى أبي. قلت لأبي على حدة: إن آدم ينتمي إليهم. احتقن وجه أبي وقال: ماذا؟ قلت: كل ما عرفناه عن كونه إبن أخت السيدة سيرين ليس إلا كذباً وزوراً. إن السيدة سيرين هي ابنة العجوز خُشيب، وبالتالي يستحيل أن يكون آدم صاحب الستة عشر عاماً حفيده. أخذ أبي يفكر في شرودٍ ثم قال: لقد أخبرنا خشيب فعلاً عن الطفل النسالي الذي يحمل روح نمر الشامو وانسل بين الأشراف قبل ستة أعوام. سألني أبي: هل شعرت منه بأي شعور مختلف أو بغض واضح تجاهك؟ قلت: لا، إنه لا يعرف أنه ينتمي إليهم. لقد شعرت أنه يريد تحقيق انتصار لنا. وبعد تفكير قال أبي: لا تجعل آدم يفارق عينيك. من الممكن أن نستفيد منه. ولكن إذا ثارت روحه فأطلق النار عليه. وقام أبي بإعطائي سلاحاً نارياً وشارة الفرسان. وطلب مني ألا أخبر أحداً بهذا الأمر. 

 بدأت الجنود من كافة مدن جارتين ترسل جنودها إلى جويدا. وتم جلب مدافع الجدار الضخمة، والتي تحمي جارتين من أي عدوان خارجي، إلى داخل جويدا أيضاً. قامت هذه المدافع بتدمير الموانئ حتى لا يهرب النسالى من خلالها. التحقت أنا وآدم بالجنود في المنطقة الشمالية. وفي فجر أحد الأيام، أيقظني آدم ليقول لي إنه يشعر بقدومهم. تلفّتُ حولي. كان كل شيء على حاله. ثم ركب آدم حصانه وانطلق به إلى خارج معسكر الجنود. 

 غفران... ظل صوت المدافع البعيد وصداه يدويان دون توقف في اتجاه الموانئ، فيما بلغتْ حالة الهرج والمرج أوجها بين النسالى. ظننت أن كيوان قد ينصاع لنا هذه المرة لتفادي المزيد من القتلى، لكنه لم ينتظر كثيراً ليرسل لنا هذه الرسالة. قال فاضل: كان انتظارنا الأيام العشرة خطأ كبيراً منكِ. قلت: لا بد إن كيوان قد نظم صفوفه، وأن هجومنا على جويدا بدون تخطيط مجازفة كبرى. قال فاضل: إن استطاع كيوان تدمير الموانئ البعيدة فهذا يعني بأن مدافعه ستصلنا وتدمرنا إن عرف مكاننا.

  قمنا بتقسيم أنفسنا إلى مجموعات، وتفرقنا بين سهول الجبال لكي لا نكون صيداً سهلاً للمدافع. اجتمعتُ بالأربعة من النسليين الزائرين الذين يحملون روح الشامو والموجودين معنا. قلت لهم بأنكم ستكونون قادة النسالى معي. وطلبت منهم أن يقسموا الزائرين إلى أربعة فرق متساوية، وأن كل واحد منهم سيكون رئيساً لأحد الفِرق. 

 قال فاضل: إن هذه الحرب ستكون حرباً طويلة، وأرى أن تأمين مقرٍ للنسالى يكون صالحاً وآمناً من مدافع كيوان أكثر أهمية الآن من الهجوم على جويدا. وعلينا تدمير مدافعه خوفاً من أن يقوم بتحريكها إلى الأمام وبالتالي تصل إلى مقرنا الجديد. 

اتفقنا على أن يذهب ريان مع بعض الزائرين إلى الجنوب ويقوموا بدق طبول الشامو، آملين أن تقوم المدفعية بضربهم وذلك لمعرفة مدى المدافع. فإذا وصلت المدافع لهم فسيقومون باختيار مكان أبعد منه. كما تم الأتفاق على أن أذهب أنا مع فرقة يعقوب إلى مشارف جويدا للتصدي لأي تقدم للمدافع وتدميرها، على أن تنضم إلينا الفرق الثلاثة الباقية لاحقاً بعد تأمين مكان آمن للنسالى. 

انطلقتُ مع مائتين من الزائرين إلى الشمال، إلى مشارف جويدا، بينما انطلق فاضل وريان والفرق الثلاثة وبقية النسالى إلى الجنوب. قال يعقوب: إن تعزيزات المداخل البعيدة ليست بقوة تعزيزات الباحة. وبعد فترة، بدأنا نسمع صوت دقات الشامو قادمة من الجنوب. نظم الجنود أنفسهم في الباحة، ثم بدأت المدافع بإطلاق قذائفها. 

 قال يعقوب: ستصل هذه القذائف إلى أقصى الجنوب بدون تحريكها إلى الأمام. يجب تدمير المدافع. سأهبط برجالي لقتال الجنود حتى أعبر إلى وسط المدينة، ثم إلى المدافع لتدميرها. سأترك معكِ ثلاثين من رجالي. أخذ يعقوب المائة وسبعين رجلاً معه وهاجم الجنود. كان القتال متمركزاً في الجهة الجنوبية لجويدا. وبدأ الجنود من الجهة الغربية بترك مواقعهم لمساندة الجهة الجنوبية. انتهزتُ الفرصة وانطلقت والثلاثين زائراً إلى الجهة الغربية لجويدا. قتلنا الجنود المتمركزين على المدخل وانتقلنا إلى داخل المدينة. اقتحمنا إحدى المتاريس الواقعة بجانب إحدى المدافع وقتلنا الجنود. انتقلنا نحو مدفع آخر. وقبل وصولنا، ظهرت لنا مجموعة من الفرسان يقودهم فارس شاب. كانوا يصيحون. وفجأة تحول النسالى الزائرين من حولي إلى هيئتهم البشرية، وبدأوا يتساقطون قتلى على الأرض بفعل رصاص الفرسان. 

- زهير... انطلق آدم بحصانه بعدما قال إنه يشعر باقتراب النسالى الزائرين. عندما اقتربنا من باحة جويدا كانت الصورة طبق الأصل مما حدث يوم الغفران السابق. كان النسالى الزائرين ينقضّون بشراسة على الجنود ويفتكون بهم. ذهبتُ إلى منصة باحة جويدا بينما أخذ آدم يصيح ويتنقل بين الجنود. وفجأة بدأت سرعة النسالى تقل وتتثاقل ثم تحولوا إلى هيئتهم البشرية، ليتساقطوا قتلى بفعل طلقات الجنود. سمعنا إطلاقاً للنار من الجهة الغربية للمدينة، فانتقلنا إلى الجهة الغربية. شاهدنا سيدة تجلس على الأرض. اقترب منها أحد الزائرين بحصانه. انتشلها ووضعها على حصانه وانطلق بها. أخذ آدم يصيح عليه ولكن ذلك لم يؤثر به، فلم يتحول إلى هيئته البشرية.

  كان عدد أسرى النسالى في ذلك اليوم واحداً وستين نسلياً. لقد كان آدم العامل الرئيسي في انتصارنا اليوم بعدما استطاع إعادتهم إلى هيئتهم البشرية. جرى احتفال في باحة جويدا بمناسبة الإنتصار، كما جرى إعدام الأسرى بوضعهم في قدور مليئة بالحامض وإذابتهم. - غفران... لم أعرف ماذا حدث. انقلب كل شيء من حولي فجأة، وفي لحظات وجدت كل من يرافقونني من النسالى الزائرين قد استعادوا صورتهم البشرية وسقطوا بين قتيل وجريح. وسقطتُ أنا على الأرض بعدما أصيب حصاني. وفجأة جاء يعقوب، الذي لم يفقد هيئته الزائرة، وانتشلني قبل وصول الأشراف إليّ ووضعني أمامه على حصانه وانطلق بي بعيداً. لحِقنا الجنود. خرجنا إلى الصحراء الجنوبية ثم أكملنا ركضنا نحو ممر جبلي. وهناك خارت قوى يعقوب وسقط على الأرض بفعل طلقات الرصاص التي كان الجنود قد أطلقها عليه. 

 قال يعقوب، الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة: كنا على وشك الإنتصار لولا ظهور من يحمل روحاً للشامو بين الأشراف. لم يستطع التحكم فيّ، لكنني لم أستطع منع النسالى الزائرين من الخضوع له، كانت روحه أقوى مني كثيراً. ثم توقفت أنفاسه. انطلقت جنوباً حاملة معي يعقوب. - وصلنا إلى مكان تواجد النسالى. استقبلونا بوجوم. سألني فاضل: ماذا حدث؟ وأين البقية؟ فأخبرته بما حدث وأن جميع من كانوا معنا قد قتلوا. وختمت قولي قائلة: لن ننتصر أبداً طالما يقف حامل تلك الروح إلى جانبهم. 

 قررت الذهاب إلى كهف العجوز خُشيب لعلنا نجد شيئاً أغفلنا عنه. ذهبت أنا وفاضل ومنذر، أحد الزائرين الذين يحملون روح الشامو، وبكير، زائر لا يحمل روح الشامو. ولما وصلنا إلى داخل الكهف، أخذنا نحدق في الجداريات وفي النقوش الموجودة في الممرات والسراديب. كنا نحاول أن نجد طريقة لمنع استجابة النسالى لحامل تلك الروح. لم نجد شيئاً جديداً، ولكن وجدنا إناءً يوجد به بقية من طعام حديث. فأدركنا أن هناك شخصاً ما قد تواجد في الكهف قبل وصولنا. وعندما دخلنا إلى الغرفة التي يوجد فيها الجدارية الدائرية قام منذر بالركوع وأحنى رأسه في خضوع شديد أمام تلك الجدارية التي تصور جيش النسالى ينظرون إلى قائدهم. 

 لم يكن ذلك الخضوع الغريب الذي نراه من منذر أمام ذلك القائد المرسوم يحمل لعقلي إلا تفسيراً واحداً، أن تلك الجدارية رُسمت لمشهدٍ حقيقي حدث في يوم من أيام الماضي. وأن ذلك القائد يمتلك من القوة والقيادة ما يجعل الباقين خاضعين له. بعد دقائق رفع منذر رأسه ونهض وتحرك نحونا. قلت: ماذا هناك. فقال منذر: لقد أعادت هذه الغرفة بعض الذكريات التي تحملها روحي فجأة إلى ذاكرتي. سأله فاضل: كيف يستطيع إخضاع النسالى إلى هذا الحد؟ فقال منذر: إنه سيد أرواحنا. لقد اتخذتْ أرواح الزائرين عهداً بإطاعة أوامره. لم يُحَلّ من هذا العهد إلا أصحاب أرواح الشامو الذين لا يخضعون لأحد. لذلك لم يستجب له يعقوب. أضاف منذر إن لهذا القائد القدرة على أن يأمر النسالى الزائرين بمهاجمة النسالى البشريين. عندها قال فاضل: لا بد من قتل حامل تلك الروح وإلا كان البديل موتنا جميعاً.
 
عدنا إلى مكان تجمع النسالى، وتركنا بكير عند أسفل الجبل من أجل ترقب ظهورٍ محتمل لصاحب وعاء الطعام وإحضاره إلينا. قلت للجميع بإنه يجب التفكير في كيفية قتل حامل تلك الروح. قال ريان: إنني أمتلك خطة بالفعل قد نستطيع من خلالها اصطياد ذلك الشاب أو قتله. ولكنه قد تكلفنا نصف ما لدينا من النسالى الزائرين. سألتُ ريان: ماذا تعني؟ 

 قال ريان للجميع: يجب استدراج الشاب والأشراف إلى مقرنا واصطياد الشاب أو قتله. وهذا يكون عندما نجد لنا مكاناً آمناً لنا لا تصله قذائفهم، وقد وجدت هذا المكان. - أكمل ريان قائلاً: لقد قام النسالى القدماء ببناء الجزء المتهدم من جدار جارتين باستعمال الصخور التي جلبوها من الجنوب. وقد تبين لي بأنهم قاموا باقتلاع هذه الصخور من باطن الجبال مع الحفاظ على إطارالجبال الخارجي السميك. وهذا الإطار الخارجي السميك يستطيع الصمود أمام قذائف المدافع. وبالتالي هناك عدد كبير من الجبال باطنها عبارة عن ساحة فارغة وتتسع كل ساحة في كل جبل لمئات من الأشخاص. وقد زرتها ووجدت أن هناك ينابيع عذبة من المياه. 

 أكمل ريان: ولكي يرسل النسالى الصخور إلى الشمال، قاموا باستعمال النهر الجاف، الذي يمتد من الشمال إلى الجنوب، مع روافده الأربعة. فقد عملوا فتحة في جدار جارتين وملئوا النهر والروافد بماء البحر، ثم أغلقوا الفتحة بعد أن امتلأ النهر. وكانوا يرسلون الصخور عبر النهر. فإذا ما أراد كيوان مهاجمتنا فإنه سيهاجمنا بجيشه الذي سينقسم إلى عدة أقسام لوجود الروافد الجافة حالياً ووجود تلال حول الروافد والتي ستعمل على تجزئة جيشه إلى عدة أقسام. سيقوم منذر وأصيل وبيجاد، حاملو أرواح الشامو، بمهاجمة القسم الذي سيكون الشاب حامل الروح فيه. وسيقوم البقية بمهاجمة بقية أقسام جيش كيوان. 

  في اليوم التالي، انتقلنا إلى الجبال المقببة. كانت الجبال محمية بالتلال المحيطة بالروافد الجافة. تم إعطاء كل وادٍ من أودية النسالى بعض الجبال، وتركنا ساحة الجبل الأوسط لتكون حانة للنسالى ومكاناً مجمعاً لتناول الطعام، وتركنا بعض جبال الأطراف لتكون أماكن تجمع المحاربين. وبدأنا في اليوم التالي في تقسيم الساحات إلى أكواخ صغيرة، وكذلك بدأنا في بناء أحواضٍ للمياه. 

- زهير... عدت إلى المعسكر الشمالي. وفي اليوم التالي ذهبت إلى عمي في مكتبه وحكيت له كل شيء عن آدم. سألني عمي: كم تثق في ذلك النسلي؟ قلت: أثق به تماماً. لولاه لانتصر النسالى علينا. قال عمي: ستنتقل أنت وهو إلى معسكر الباحة لتنضموا إلى الجنود الثلاثة آلاف الذين يستعدون للزحف نحو الجنوب. أما إن لم يفعلها صديقك وكان ذلك فخاً من أجل استدراجنا إلى معركةٍ في الجنوب فستتكفل مدافع الجدار بإبادة الطرفين في المعركة، سأضحي بالثلاثة آلاف جندي مقابل من تبقّى من الزائرين والذي يقدر عددهم بالثمانمائة زائر. قلت: وأنا بينهم؟ قال عمي: نعم، مثلك مثل باقي الجنود. 

بعد إثنا عشر يوماً تحركنا باتجاه الجنوب. 

- غفران... رغم أننا كنا نسعى لاستدراج كيوان وجيشه إلى منطقة الروافد، إلا أنني أصابني الإرتباك حين علمنا أن طلائع جيش كيوان قد وصلت الجبال الحمراء. قمنا بتجميع الزائرين من النسالى وكذلك النسالى العاديين في إحدى جبال الأطراف، كما قمنا بإعطاء الأسلحة النارية التي نملكها، وعددها مائتا سلاح ناري، إلى الزائرين وذلك لكي يدافعوا عن أنفسهم في حالة تحولهم إلى هيئتهم البشرية، مع التأكيد على الجميع بسرعة اغتنام أسلحة جنود الأشراف. وقمنا بتوزيع جميع الطعام على جميع النسالى بالتساوي. وطلبنا من الجميع بتخزين ما يكفيهم من الماء لمدة شهرين. كما قمنا ببث العيون بين الجبال لرصد اقتراب جيش الأشراف. وقمنا بتقسيم الزائرين إلى ثلاثة مجموعات، توجهت اثنتان منهما إلى منطقة الروافد، والثالثة توجهت إلى كهوف الجبال المطلة على الروافد. استمرت المدافع في قصف الجبال المقببة لعدة أيام بدون توقف. ولكن الجبال كانت من الصلابة بحيث أنها تحملت القصف. بعد سبعة أيام، علمنا أن جيش الأشراف قد وصل إلى الروافد وأنه يتكون من حوالي ثلاثة آلاف جندي. توجهت أنا وفاضل ومنذر وأصيل وبيجاد، بالإضافة إلى زائرين اثنين يحملان الطبول، إلى أحد الكهوف المطلة على الرافد الثاني. أما ريان فبقي مع النسالى لتأمين هروبهم إن ساءت الأمور. 

 أخذ بعض جنود الأشراف في عبور الرافد الأول ثم الرافد الثاني بتنظيم متقن. وبدأوا في التجمع في المنطقة الوسطى بين الروافد. وبعد أن اطمأنيتُ بأن ثلث الجيش قد أصبح في المنطقة الوسطى، أمرتُ بدق الطبول وبدء الهجوم. بدأتْ مجموعات الزائرين الثلاثة بمهاجمة الجنود. دبت الفوضى في صفوف الجنود الذين كانوا في طريقهم للعبور إلى المنطقة الوسطى، بينما تماسك الجنود المتواجدين في المنطقة الوسطى. رأيت الجنود يحيطون بثلاثة فرسان، فاعتقدتُ أن الشاب حامل الروح بينهم فطلبت من منذر وأصيل وبيجاد بالإنطلاق للقضاء عليه، فانطلق الثلاثة بسرعة. كان الزائرون يبلون حسناً ضد الجنود. إلا أنه بعد فترة لاحظت بأن الزائرين بين الرافدين الأول والثاني يستعيدون هيئتهم البشرية. قلت لفاضل: إن الشاب حامل الروح يتواجد في هذه المنطقة. وفجأة بدأت قنابل المدفعية تسقط على المنطقة الوسطى. سقطت قذيفة على منذر وأصيل وبيجاد فسحقتهم وحولتهم إلى أشلاء. 

 واصلت القذائف سقوطها على المنطقة الوسطى لتقضي على جميع المشتبكين من الجانبين. لقد كان فخاً من كيوان للقضاء على الزائرين. طلبت من فاضل الذهاب إلى الجبال المقببة، وانطلقتُ بحصاني إلى الزائرين المتواجدين عند الرافد الأول لكي أحثهم على الإنسحاب قبل أن يتحولوا إلى هيئتهم البشرية. وصلت إليهم وأخذت أصرخ فيهم لكي يتراجعوا. كانوا يضربون أعناق الجنود بحماسة كبيرة. وفجأة ظهر الشاب حامل الروح على إحدى التلال. فأخذ الزائرون يستعيدون هيئتهم البشرية، وأخذ الجنود في قنصهم. هربت وبعض الزائرين، في هيئتهم البشرية، إلى التلال. كان الجنود على وشك القضاء علينا عندما، فجأة، دوت دقات طبول الشامو يرافقها جلبة شديدة. 

كانت المفاجأة. حشود من النسالى البشريين، بعضهم بأسلحة نارية، غنموها من قتلى الجنود، وبعضهم يحمل السكاكين أخذوا بمهاجمة الجنود. بدأ الجنود بالتساقط على الأرض صرعى. رأيت الشاب حامل الروح ومعه شاب آخر يفران من المعركة على حصان واحد. انطلقتُ بحصاني خلفهما. ولما اقتربتُ منهما، أخذ حصاني بالتباطؤ. أطلقت النار على حصانهما فسقط الحصان على الأرض وسقط الشابان على الأرض أيضاً. هرب الشاب الآخر بين شق بين جبلين. 

  وصلت إلى الشاب حامل الروح وأنا أمسك مسدسي في يدي. وقفت أمامه فرفع رأسه ينظر في عينيّ مباشرة. رأيته ينظر إليّ مثل تلك النظرة التي كان ينظرها إليّ نديم في الباحة قبل سبعة عشر عاماً. لم أستطع إطلاق النار عليه. أنزلت يدي إلى جانبي. نهض الشاب وفر هارباً. وبعد أن ابتعد عني تحول إلى هيئته الزائرة وأطلق زئيراً عالياً. 

جلستُ على الأرض وبدأتُ أبكي. جاءني فاضل لوحده. قال: ماذا حدث؟ قلت: إنه آدم. كان باستطاعتي قتله. ولكني لم أقو على فعلها. قال فاضل: لنعد إلى النسالى، لقد قضوا على ما تبقى من الجنود. وفي الطريق أخذت أفكر فيما حدث، ومقتل أكثر من تسعين بالمائة من الزائرين بينهم حاملو الشامو، وعدم قتلي لمن تسبب لنا في كل هذه الخسارة، فقررت الإبتعاد عن المسؤولية. 

 

 ولما وصلنا إلى النسالى، قال لي ريان: لمّا عاد إلينا الطبيب ليخبرنا بما حدث في المعركة، انتفض النسالى وقرروا الإندفاع إلى ميدان المعركة لإنقاذك وإنقاذ من تبقّى من الزائرين. ربما فقدنا قوة الزائرين اليوم ولكنا ربحنا آلاف المقاتلين الشجعان بينهم على الأقل ألفا مسلح. لم يعد لقتل حامل الروح معنى، لقد كان الهدف من قتله حماية الزائرين منه، والآن صار عدد الزائرين الذين لدينا أربعين فقط، وهم لا يقوون على استرجاع روحهم الزائرة. لقد بدأنا رحلتنا سوية وسننهيها سوية. لقد عرف النسالى أن حقهم لن ينالوه إلا بأيديهم، وليس بأيدي النسالى الزائرين. 

 في اليوم التالي، اتخذتُ قراري بابتعادي عن قيادة النسالى. حاول الجميع أن يثنوني عن قراري ولكني أصررت عليه. تم اختيار ريان ليكون قائداً مؤقتاً لهم. 

 وفي أحد الأيام تناهى إلى مسامعنا صوت زئير قادم نحو جبالنا. ولما لاح أمامنا صاحب الزئير كان بكير، الزائر الذي تركناه عند كهف العجوز من أجل مراقبة صاحب وعاء الطعام. قال بكير: لقد وجدتُ صاحب وعاء الطعام. نظرنا خلفه إلى حصان يأتي إلينا من بعيد. ولما اقترب الحصان، كان عليه سبيل وابنها - -----حيدر. إذن طفل سبيل مايزال على قيد الحياة. قالت سبيل: لم أقو على ذبح إبني. قال ريان: إذن كيف ثارت أرواح النسالى الزائرين؟ قالت: لا أعرف. قال فاضل، بعد أن ذهبتْ سبيل للراحة: إن هناك من استدعى الأرواح الزائرة من أجلنا. قال ريان: إن آدم هو الوحيد الذي بمقدوره استدعاء أرواحهم. 

في المساء ذهبتُ إلى سبيل في الكوخ الذي خصصه ريان لها. سألتها: لماذا لم تعودي إلينا منذ دُمرت ودياننا؟ قالت: لقد كنت أنوي ذبح طفلي من أجل استدعاء أرواح الزائرين، ولكني حين صرت أمام ذلك الأمر لم أستطع فعلها. وقد علمت ما حصل يوم الغفران، فأدركت أن النسلي الذي يحمل روح حبيبك قد فعلها واستدعى أرواحهم من أجلك. ولما كنت أعلم بأن قوى النسالى لن تكتمل إلا بذبح طفلي فخشيت عليه وقررت الإبتعاد. 

 - بريحا: قبل ثورة أرواح الزائرين ببضعة أيام... بدأت تظهر ملامح الرامية بوضوح في أحلام آدم بعد قدوم الأخبار عن محاكمتها على منصة الباحة يوم الغفران التالي. ووجد آدم داخله مفعماً بالفضول لرؤية المزيد من التفاصيل. رآها مرة وهي تناديه بإسم نديم. رأى نفسه وهو يتمشى معها بجانب النهر. كان وشم النسالى منطبعاً على صدره. 

  أخذ آدم يسأل عن الرامية، فعلم أنها كانت رامية المنصة، وأنها أعدَمتْ نسلياً كانت ستتزوجه بعدما ارتكبَ جرماً وأقر القاضي إعدامه، ثم انضمت إلى النسالى. كانت ترغب في استكمال حلم حبيبها بعد ندمها على قتله. كان ذلك الشاب يريد تعليم النسالى. 

غادرت سيرين وأختها إلى جويدا لمقابلة والدهم. وجد آدم صورة مخبأة لغفران بين أغراض خالته سيرين. ففاضت به ذكريات روحه. رأى نفسه يقول لريان: ستتغير القواعد يوماً ما. سمع كلماته وهو يقول لغفران: سأفعلها من أجلك. رأى الدموع التي تتجمع في عينيها وهي تقف أمامه على المنصة قبل أن تُخرج خنجرها. أخذت أنفاسه تتسارع وبدأت عضلاته في التضخم وعروقه في الإنتفاخ وأخذ يرى غفران مكبلة اليد على منصة الباحة يقف أمامها رامي المنصة ينتظر حكم القاضي. ومرة رأى نفسه يقف عالياً أمام مجموعة من الأطفال يلعبون مع الحيوانات. وفي مشهد آخر رأى الأطفال وقد كبروا وأصبحوا فتياناً يصطفون في صفوف أمامه يتقدمهم ثمانية. وفي مشهد آخر رأى الفتيان وقد أصبحوا رجالاً مصطفين أمامه وقد بدأت أجسادهم بالتحول إلى هيئتهم الزائرة. قال آدم لنفسه: إنها المرة الأولى التي تثور فيها أرواحهم. لقد كنت قائدهم. 

في اليوم التالي، هدر صوت نديم في رأسه: يستطيع الزائرون إنقاذ غفران، يستطيعون إنقاذ النسالى من بطش الأشراف. أرجوك أخبرني كيف أستدعيهم. فرد عليه صوت قائلاً: لقد أخذتُ عهداً بألا أستدعيهم من جديد، وإلا كان الثمن غالياً. لا بد للدماء من أن تروي صخور حوران هذه المرة. ثم سمع صوت نديم يقول له: أيها الفتى إن هناك أرواحاً خامدة تنتظر تحريرها. لقد سمح لنا القائد بذلك. إذهب إلى حوران من أجل النسالى ومن أجل غفران. -انطلق آدم إلى وادي حوران. كان عبارة عن جبال كثيرة. وفور دخوله المنطقة تحول إلى هيئته الزائرة. انتقل إلى جبل العهود، وكأنه يعرف المنطقة. دلف من خلال فتحة إلى كهف داخل الجبل. وتقدم نحو بركة صخرية جافة. قام بإحداث جرح عميق في صدره الأيسر فسالت الدماء داخل البركة. وما إن لامست الدماء أرض البركة حتى بدأت الدماء تتدفق من شقوقها لتملأها. ظهر رأسٌ من الماء وقال الرأس: لقد كان زمناً طويلاً منذ زيارتك السابقة أيها القائد النسلي. فنطق آدم بغير صوته: جئت من أجل عهد جديد. نظر آدم في البركة فرأى ذكريات القائد النسلي تظهر على سطحها. 

  رأى آدم نفسه قائداً يقود جيشاً من الزائرين ومن النسالى البشريين يهاجمون الجنود الأشراف ويقضون عليهم. رأى بعدها عامة الأشراف مستسلمين له في باحة جويدا. رأى نفسه وهو ينقش قاعدة جديدة على جدار جارتين وتنص على: يتساوى الأشراف والنسالى في حق اكتساب الروح النقية دون الحاجة للذهاب إلى باحة جويدا. ثم رأى حدوث هزة أرضية وصعود دخان عظيم قادم من براكين حوران. سمع أحدهم يقول للقائد: لن تتحمل الأرض أسفل الجدار كثيراً. سينهار الجدار. لا تريد هذه الأرض مساواتنا مع الأشراف. قال آخر: إنْ هُدِم الجدار فلن يبقى لهذا البلد أثر. رأى آدم القائد يذهب إلى جبل العهود. وهناك قال له الرأس: يُفضِّل الأشراف أن يموتوا على أن يتولى النسالى زمام الأمور. ذهب القائد ليتشاور مع مساعديه الثمانية من الزائرين الذين يحملون أرواح الشامو. تم الإتفاق على أن يذهب مائتان من الزائرين، بمن فيهم أربعة من مساعديه، إلى شمال بحر أكما ليقوموا بصناعة سفن قوية سريعة. فإذا ما تهدم جدار جارتين وامتلأت اليابسة بالمياه، فستأتي السفن لنقلهم من قمم الجبال المقببة إلى مناطق أخرى. 

 رأى آدم القائدَ يعود إلى جبل العهود ويقبل أن لا يتساوى النسالى مع الأشراف، وأن يغادر النسالى جويدا إلى الجنوب، وأن يقبل النسالى بانتقال الأرواح الآثمة لهم. قبِل جبل العهود بذلك واشترط بأن تُخمد أرواح النسالى الزائرين ممن لا يحملون أرواح الشامو، وأن تُسلب من القائد قوة استدعائهم. أما حاملو روح القائد من بعده فيمكنهم استدعاء الزائرين مقابل عهد جديد. وافق القائد على ذلك مقابل أن يحفظ حوران أرواح الزائرين المائتين الذين رحلوا. وافق جبل العهود على أن تبقى أرواح الذين رحلوا معلقة إلى أن تسكن أناساً هناك تجري في عروق القائد، أو من يحمل روحه، دماؤهم إن استدعوا من جديد وذلك مقابل حياة القائد. وافق القائد وذهب بعد ذلك إلى ساحة جويدا حيث تم تقييده بالسلاسل. وبعد أن تم تعذيبه تم قطع رأسه. 

 هدأت الأفكار الصاخبة في رأس آدم وأخذ يفكر. قرر أن يقيم عهداً مع حوران مهما كان الثمن من أجل إنقاذ غفران والنسالى. وافق حوران على أن يستدعي آدم الزائرين مقابل أن يحصد حوران روح من يموت منهم يفعل بها وبقوتها ما يشاء. ومن يمتلك حوران روحه منهم لن يخضع لآدم ما لم يمتلك آدم قوته الكاملة، وهذا لن يحدث إلا إن تم العهد الدموي الأول وقدّم النسالى ذبيحهم الشريف على صخور حوران. قال الرأس لآدم: بمجرد أن تغادر حوران ستنسى أنك جئت إلى هنا، ولن تتذكر إلا إن خالف نسلي واحد، لا يخضع لك، عقيدته في القتل حين تسنح له فرصة حقيقية لقتلك، ويعفو عنك رغم علمه بأنك ألد أعدائه. وستُكمِل حياتك بعد خروجك من هنا كشريف يحمل في داخله قوة يخضع لها النسالى الزائرون الأحياء. وقبل أن يغادر شاهد آدم جيش الأشراف الذي أصبح يتكون من الجنود العاديين ومن الجنود الزائرين الأشراف، حيث، حسب الإتفاق، قام حوران بإعطاء أرواح النسالى الزائرين الذين قتلوا إلى الأشراف. 

  غادر آدم وادي حوران وقد نسي ماذا حصل معه ولماذا هو هنا. غادر إلى جويدا، ولما وصلها علم ما حصل من تحول النسالى إلى وحوش ومهاجمتهم للأشراف. وهناك تمكن من إخماد روح اثنين من الزائرين، واستطاع أن يأسر واحداً منهم بينما هرب الآخر. وأخبر صديقه زهير عن قدرته في إخماد روح النسالى الزائرين. 

  صحراء الجنوب بعد معركة الروافد... توالى كل شيء في ذهن آدم وهو يركض بهيئته الزائرة بعدما لم تطلق غفران بارودها عليه. تذكر كل شيء حدث في جبل العهود. أدرك أنه كان سبباً في نيل وادي حوران أرواح الزائرين الذين ماتوا. قال لنفسه: "سيقضي الأشراف على النسالى في غمضة عين". قرر الذهاب إلى وادي حوران لعله يستطيع تقديم عهد جديد يجنب به النسالى ما سيحدث. ولما وصل إلى الطريق المؤدي إلى حوران، كان الجنود بانتظاره فأمسكوا به. 

 تم وضع آدم في قفص حديدي، وتم تعليق القفص فوق قِدرٍ كبير يحوي حامضاً. وبعد بضعة أيام اجتمع حوله الآلاف من الجنود، وبدأوا بالتحرك نحو الجنوب يقودهم الفارس كيوان. رأى عربات كثيرة تحمل صهاريج كبيرة. وبعد أن غادر الجيش جويدا، خطب فيهم كيوان خطبة، ثم قال: إن وادي حوران أمد أشراف جارتين بمنحة عظيمة. لقد اكتسبت أرواح بعضكم أرواحاً ضارية وهي تخضع لوادي حوران ولي. ثم شرب كأساً به بعض الدماء. وفي الحال بدأ بعض الجنود بالتحول إلى جنود زائرين أشراف. - في الجبال المقببة، سألت سبيل غفران: ماذا تتوقعين أن يحدث؟ قالت غفران: سيربح كيوان المعركة إن جاء بكامل جيشه، ولكننا سنقاتل بشرف إلى النهاية. 

  جاءهم شاب من الشبان الذين كانوا قد أرسلوا كطلائع للنسالى. قال الشاب: إن الأشراف يعسكرون على بعد يومين من هنا بأعداد لا تقل عن عشرين ألفاً من الجنود، وعشرة مدافع. كما أن هناك نحو سبعمائة زائر مدرع يتقدمون الجيش. قال فاضل: أشراف زائرون؟! كيف ذلك؟! قال ريان: لا نعرف. لقد ظننت أن مقاتلينا بأعدادهم القليلة قد يستطيعون مقاومة جيش كيوان، ولكن مع وجود الزائرين في صفه لن نأخذ في أيديهم دقائق. ثم قال: سنقاوم من داخل الجبال. قالت غفران: فلتكن ميتة شريفة إذن يا رجال. 

وصل الجنود إلى منطقة الروافد، وأقاموا جسرين فوق أخدود الرافد الأول والثاني، وانتقلوا من فوق الجسور إلى المنطقة الوسطى. ثم قام الزائرون المدرعون منهم بمهاجمة النسالى في الجبال. قاوم النسالى بقوة وقتلوا العديد من الزائرين، ولكن نقص الذخيرة وقوة الزائرين أدت إلى هزيمتهم فاستسلموا. تم اقتياد جميع الأحياء من النسالى، رجالاً ونساءً وأطفالاً، إلى المنطقة الوسطى، حيث يتواجد كيوان وجيشه. أعطى كيوان أمراً بتحريك الصهاريج. تقدمت الصهاريج إلى حفرة قطرها حوالي عشرة أمتار وأفرغت حمولتها فيها. ثم تقدم كيوان إلى أمامهم وقال: إنني أقف أمامكم اليوم ومعي أقوى جيش في التاريخ لأنني أمتلك هذا قبل أي شيء. وأشار بسبابته إلى عقله. ثم أمر بإحضار العربة التي بها آدم المعلق في قفص تحته قِدر الحامض. أكمل كيوان كلامه قائلاً: بفضل قائدكم الأحمق هذا، استطعنا، نحن الأشراف، أن نحصل على أرواحٍ زائرة. والآن لم يعد له جدوى. 

 أشار كيوان بسبابته فبدأ الجنود الزائرون بإخراج النسالى الزائرين، بهيئتهم البشرية، من بين حشود النسالى. قادوهم إلى حفرة الحامض ورموهم فيها. وما هي إلا دقائق حتى ذابوا في الحامض. ثم تم حمل خمسين شخصاً آخرين من النسالى وتم قذفهم في الحفرة. وهكذا توالت عملية إلقاء النسالى في الحفرة حتى بلغ عدد الذين تم القاءهم في الحفرة حوالي ثلث النسالى. 
وفجأة سُمع صوت زئير قادم من الجبال. كان خمسة من الزائرين الأشراف يجرون بعض النسالى ويتقدمون إلى المنطقة الوسطى. كان من بينهم سبيل وابنها حيدر والزائر بكير. أمر كيوان برمي بكير في الحفرة فوراً، فتم ذلك واختفى بكير. قال كيوان: الطفل الشريف الذي طالما بحثتُ عنه. قام أحد الزائرين بالإمساك بسبيل واتجه بها نحو الحفرة، وقام كيوان بإطلاق النار على حيدر عدة مرات فأرداه صريعاً تندفع الدماء منه لتغرق ثيابه والأرض من أسفله. أخذت سبيل في الصراخ قبل أن يرميها الزائر في الحفرة. وفجأة أخذت الأرض تهتز. نظرتْ غفران إلى حيدر فوجدت أن دماءه قد كست القلادة التي تُطوّق عنقه والتي أخبرتها سبيل بأنها صنعتها من رأس التمثال المصنوع من صخور حوران. 

 بعدها سُمع زئير ينبعث من قفص آدم الذي تحول إلى زائر بجسد قوي ضخم. وفي لحظة بدأت عضلات الزائرين الأشراف المحيطين بالنسالى بالإنتفاخ قبل أن يستديروا ويركضوا باتجاه العربة التي تحمل القفص الذي فيه آدم. قال كيوان لجنوده: أسقِطوا القفص في القِدر. بدأ جندي العربة يلف ذراع الرافعة ليبدأ القفص في الهبوط. قام أحد جنود الأشراف بضرب جندي العربة على رأسه لمنعه من إسقاط القفص، كان ذلك الجندي زين، أخو غفران. إلا أن صديق آدم، زهير، أطلق النار على زين فقتله وبدأ يُسقِط القفص في القِدر. انقض بعض الزائرين الأشراف على زهير وقتلوه، وقاموا بقلب قِدر الحامض على الفرسان، وأطلقوا سراح آدم. وبدأ الزائرون بالإنقضاض على الفرسان وقتلهم. شعر كيوان بأن الأمور قد انقلبت ضده فهرب هو وأخوه وبعض الفرسان. لحقه آدم وبعض الزائرين. أمسك آدم بكيوان بينما أمسك الزائرون بأخو كيوان وبالفرسان وقتلوهم. قاد آدم كيوان إلى المنطقة الوسطى، حيث يتواجد النسالى. نظر آدم إلى غفران كأنه ينتظر قرارها، فهزت رأسها إيجاباً لآدم كي يفعلها. فقام آدم بإذابته بالحامض.

  تقدم آدم نحو غفران وقال لها: لم أكن أتذكر شيئاً حين أخمدتُ روح النسالى الزائرين. لقد عاد نديم إلى ذاكرتي كي أثور من أجلك سيدتي وأسْتدعِي أرواح الزائرين، إنه يحبك. قالت غفران: وأنا أيضاً لم أحب أحداً في حياتي مثلما أحببته. ولطالما تمنيتُ أن أجد فرصة واحدة للإعتذار. أرجوك سامحني. قال آدم: إنه يسامحك، ويشكرك على ما فعلته مع النسالى. ابتسمتْ والدموع تملأ عينيها. 

 وفجأة أخذ دخان كثيف يتصاعد إلى السماء في أقصى الشمال. قال آدم: إنها براكين حوران! سألته غفران: أي براكين؟ قال آدم: إن عدونا الحقيقي يكمن هناك، في ذلك الوادي. وبدأ يقص آدم عليهم ما واجهه حاملو روحه مع حوران، والشروط التي أجبِروا عليها من أجل إنقاذ النسالى من أمواج أكما، والمائتين الذين رحلوا ليصنعوا السفن، واستحالة عودتهم بعدما فشل حاملو روحه على مر الزمان في الإنتقال إلى الشمال لإنجاب أطفال يحملون دماءه تستطيع تلك الأرواح التائهة سكن أجسادها عندما تثور أرواح الزائرين. وما زالت تلك الأرواح تائهة تصدر أصواتاً كالطبول، يسمعها البعض، تشبه طبول الأفراح. 

- قال فاضل: إنهم في جبال بني عيسى! لقد سمعتهم من قبل. إنهم قوم أبيك. لقد هاجرت أمك ديما مع غجري، واحد من قوم أبيك، إلى هناك. وبالتالي فأنت تحمل دماء ذلك القوم. وهذا يعني أن شرط حوران الذي يقول بأن الأرواح التائهة يجب أن تسكن أجساد أناس في تلك البلاد يجري في عروقك دماؤهم قد تم. وبالتالي فإن الأرواح التائهة قد سكنت أجسادها. قالت غفران: إن كانوا ثاروا مع أرواح النسالى الزائرين حين استدعاهم آدم للمرة الأولى، فهذا يعني أنهم ثاروا قبل ستين يوماً. وبما أننا في الجنوب فلن نسمع دقات طبولهم إذا وصلوا إلى الشمال. قال آدم: سأذهب مع الزائرين إلى الشمال فإذا سمعت طبولهم سأهدم جدار جارتين، وسنغادر بالسفن التي ستصل إلى منطقة الروافد. عليكم الصعود إلى أعلى الجبال. ثم غادر آدم مع مجموعة من الزائرين.

  سمع آدم صوت الطبول قادمة من البحر، فعلم أن السفن قد وصلت فقام هو والزائرون بتفجير الجزء من الجدار الذي يغلق النهر الجاف. فاندفعت المياه في مجرى النهر الجاف ووصلت بسرعة إلى الروافد الأربعة. أبحرت إلسفن من خلال النهر الجاف إلى الروافد. وهناك ركب فيها كل النسالى والأشراف الذين قدموا وعلى صدورهم نقش النسالى. أخذت السفن في انتظار آدم والزائرين الذين ذهبوا معه، إلا أنهم لم يأتوا. قال ريان: لقد فعلها الفتى وأمّن لنا وصول السفن. ولكي تبحر السفن فوق الجبال عليه أن يهدم الجدار لكي يرتفع الماء. 

  قام أحد الزائرين بإطلاق بعض الألعاب النارية لتتعالى إلى السماء ناثرة نيرانها على ارتفاع شاهق. شاهد آدم، من مكانه، هذه الإشارة والتي تعني بأن الجميع قد ركبوا السفن. نظر آدم إلى وادي حوران وقال: فلتذهب أنتَ وقواعدك إلى الجحيم. ثم قام هو والزائرون معه بتفجير الجدار. اندفعت المياه لتغطي كل شيء. جرفت المياه آدم ومن معه إلا أنه استطاع أن يصل إلى سطح الماء. نظر إلى الجدار وهو يتهاوى ثم ابتسم وهو يرى موجة عظيمة يصل ارتفاعها مثل الجبال تتعالى أمامه، قبل أن تندفع ناحيته. - بدأت المياه ترتفع أسفل السفن، ووصلت المياه إلى ما فوق الجبال والسفن تطفو فوقها. وفجأة تحول جميع الزائرين في السفن إلى هيئتهم البشرية. - بعد عشرين يوماً وصلت السفن إلى شاطئ بني عيسى. نزل الجميع إلى الشاطئ، وقادهم فاضل إلى الداخل.

 وبعد أربعة أشهر حملت إحدى النساء بطفل. وبعد أن فحص فاضل المرأة قال: إن قلب الجنين ينبض. فصاح الجميع في فرحة كانت الأعظم في حياتهم على الإطلاق. 


                                   النهاية.