الاثنين، 15 يونيو 2020




تلخيص رواية
: لقيطة استانبول: إليف شافاق 
إعداد وإشراف: رجاء حمدان



 لا يجوز أن تلعني أي شيء يهطل من السماء، حتى لو كان مطراً. فمهما كان المطر غزيراً، ومهما كانت السماء ملبدة بالغيوم، لا يجوز أن تتلفظي بكلمات نابية لأي شيء تخبئه السماء لنا. الجميع يعرفون ذلك، بمن فيهم زليخة. 

ها هي ذي في أول يوم جمعة من شهر تموز، تغذ الخطى فوق الرصيف. كانت مندفعة بسرعة لتلحق موعداً تأخرت عليه الآن، فراحت تسب وتلعن بكلمات بذيئة. كان المطر يهطل بغزارة، ولم يكد يتبقّى في قلب زليخة أية مشاعر من الصفح والغفران. فهي لم تكن تحمل مظلة، لأنها ليست بلهاء إلى حدٍ أن تلقي بحفنة من النقود إلى بائعٍ متجول آخر لتشتري مظلة أخرى، ثم تنساها في مكان ما بعد أن تشرق الشمس من جديد.

 قطرات المطر تتساقط من ضفائرها السوداء الملقاة على كتفيها العريضين. ومثل جميع نساء عائلة قازانجي، وُلدت زليخة بشعرٍ أسود فاحم أجعد، لكنها بخلافهن جميعهن، كانت تحب أن تبقيه هكذا. فجأة، توقفتْ بالقرب منها سيارة تاكسي صفراء. وكان السائق، الشديد السمرة، قد أنزل جميع نوافذ سيارته وبدأ يتكلم معها. فقالت زليخة: ما خطبك، أيها المعتوه؟ ألا تستطيع أن تمشي امرأة بسلامٍ في هذه المدينة؟ ثم بدأ سيلٌ من الشتائم ينطلق من فم زليخة، وبذلك تكون خرقت قاعدةً غير مُدوّنة من قواعد الحصافة الأنثوية: عندما يتحرش بكِ أحدٌ في الشارع، لا تستجيبي له على الإطلاق، لأن المرأة التي تردّ على المتحرش بها، ناهيك عن شتمه، ستثير حفيظته! توقفتْ زليخة أمام كشك تكدست فيه جرار وقدور وقوارير مليئة بالأعشاب والتوابل من كل نوع ولون. وتذكرتْ أن إحدى أخواتها الثلاث كانت قد طلبت منها أن تشتري قرفة، لكنها لم تتذكر أي أخت طلبت ذلك. فقد كانت زليخة أصغر أربع بنات لم يكن يتفقن على أي شيء. انطلقتْ بعدها إلى عيادة طبيب النسائية. استقبلتها موظفة الإستقبال فقالت لها زليخة: لدي موعدُ إجهاضٍ! فقالت الموظفة: ما عمرك يا آنسة؟ ضيقت زليخة عينيها في موظفة الإستقبال وقالت: عمري تسع عشرة سنة. فقالت الموظفة: طبعاً، نحتاج إلى موافقة زوجك، فهل أنت متزوجة يا آنسة؟ لم تكن زليخة تشعر بالرغبة في أن تقول بصوت عالٍ إنه لا يوجد زوج لكي يمنح موافقته على هذا الإجهاض، ولا يوجد أب. فبدلاً من وجود بابا، لم يكن يوجد سوى عدم. ومن حسن حظ زليخة، تبين لها أن عدم وجود زوج أمرٌ مفيد في المعاملات الرسمية. =كان الطبيب رجلاً ضخم الجثة. رحّب بزليخة، وجعلها تُوقّع على بعض الأوراق. بدأت زليخة في البكاء، فقال لها الطبيب: إن كنتِ تريدين أن تعيدي النظر في قرارك هذا، فلا يزال أمامك وقت. لكن زليخة كانت تعرف جيداً أنها يجب أن تفعل هذا الآن. فقالت: لا يمكنني أن أبقيه! فقال الطبيب: سينتهي الأمر بعد دقيقة... لا تقلقي. 

عندما أفاقت زليخة، بعد فترة من فقدان الوعي، وجدت نفسها في غرفة غير مألوفة، تشعر بالغثيان. لم تكن تشعر بشيء، لا ألم ولا حزن. كانت موظفة الإستقبال تقف إلى جانبها. فقالت الموظفة: لقد أرعبتنا! هل لديك أي فكرة كم كانت صرختك مدوية؟ فقالت زليخة: ربما صرخت لأنني شعرت بالألم. فقال الموظفة: لا يمكن، فالطبيب لم يجر العملية بعد، ولم نلمسك حتى. فالطبيب لم يكن بوسعه أن يفعل أي شيء وأنت تصرخين بأعلى صوتك. فقالت زليخة: إذن فهي لا تزال هنا! فقالت الموظفة: لا نعرف بعد إن كانت هي أو هو. ولكن زليخة كانت تعرف. 

وهكذا عادت زليخة في حوالي الساعة الثامنة مساء إلى البيت، ووجدت جميع نساء عائلة قازانجي قد تحلقن حول مائدة العشاء العريضة في الطابق العلوي، وكن منهمكات في تناول طعامهن. سألتها أمها كلثوم متذمرة: أين كنت يا بنت؟ فقالت زليخة: كنت اليوم عند الطبيب النسائي لأجري عملية إجهاض!! حينها سقط جناح الدجاجة من يد اختها بانو، بينما زمت أختها الثانية شكرية شفتيها بشدة، وصرخت الأخت الثالثة فريدة ثم أطلقت العنان لنوبة من الضحك، بينما أخذت أمهن تفرك جبينها بتوتر، بينما جدتها، الهيفاء، فقد واصلت تناول حساء اللبن. ثم أكملت زليخة: ولكني لم أجهض، فما زال الطفل في بطني! وبعد فترة قصيرة سنضيف صحناً آخر على هذه الطاولة. فقالت كلثوم: لقيط! أتريدين أن تجلبي إلى هذه العائلة طفلاً بدون زواج؟ إنك تجلبين العار إلى هذه العائلة. يجب أن تحمدي الله لأنه لا يوجد رجال في هذه العائلة. فلو كانوا موجودين لذبحوك. 

لم يكن ذلك صحيحاً تماماً. فقد كان هناك رجال في العائلة، ولكنهم كانوا يلقون حتفهم وهم شباب وبشكل مفاجيء. فقد سقط زوج الهيفاء، رضا سليم قازانجي، فجأة ميتاً وهو في الستين. وفي الجيل التالي، مات ليفينت قازانجي إثر نوبة قلبية قبل أن يبلغ الحادية والخمسين من العمر، حاذياً حذو أبيه وجده لأبيه. وأصبح يبدو وكأن فترة حياة الرجال في العائلة أخذت تقصر وتقصر مع كل جيل. وهناك جلال، أحد أبناء العم البعيدين، الذي كان حب حياة شكرية والزوج الذي فقدته في مشاجرة. وبعد أن فقدت شكرية حب حياتها، باعت بيتها وانضمت إلى بيت عائلة قازانجي كمعلمة تاريخ ثقيلة الظل. وكان هناك صباح الدين، زوج بانو العطوف، الطيب القلب. ومع أنهما كانا متزوجين على الورق فقط، باستثناء فترة وجيزة أعقبت شهر العسل، كانت بانو تمضي معظم وقتها في بيت أهلها. وكان تباعدهما الجسدي واضحاً للغاية إلى درجة أنه عندما أعلنت بانو أن بطنها أضحت ثقيلة بطفلين توأمين، راح الجميع يضحكون ويسخرون من استحالة حدوث الحمل من الناحية العملية. ومع ذلك فقد أصاب المصير المشؤوم الذي ينتظر رجال العائلة التوأم في سن مبكرة. وبعد أن فقدت طفليها نتيجة إصابتهما بأحد أمراض الطفولة، انتقلت بانو للإقامة بشكلٍ دائم في بيت العائلة، وأصبح زوجها يزورها بين الحين والآخر. وبالطبع كان هناك مصطفى، الإبن الوحيد في هذا الجيل. فقد كان أول ثلاثة أطفال فتيات. بانو وشكرية وفريدة، ثم جاء مصطفى، وتبعته زليخة. ومنذ أول يوم وُلد فيه مصطفى، اعتُبر درة نفيسة في العائلة. وقد كان ملكاً في بيته. فلما كبر كان شخصاً غير اجتماعي، ومدللاً بشكل لا يقبل الجدل. كن يخشين دنو الموت منه شأن جميع عائلة قازانجي، لذلك باعت الهيفاء مجوهراتها في الثامنة عشر من عمر مصطفى، وغادر ابن عائلة قازانجي إلى أريزونا، ليدرس الهندسة الزراعية في الجامعة. 

أخذت روز تشق طريقها إلى قسم حفاضات الأطفال في السوبرماركت. كانت تفكر في قرارها الأخير في وضع حدٍ لزواجها، فإنه شيء فظيع أن تظل مرتبطاً بشخص من الناحية العقلية والعاطفية بعد أن تكون قد انفصلت عنه جسدياً. لقد مرت فترة من الزمن أحبت هي وبرصام أحدهما الآخر. ولكن بعدها دخلت عائلته الشنيعة على المسرح لتهيمن عليه إلى الأبد. فلو لم تدس عائلة تشكمكجيان أنوفها المعقوفة في زواجها، لظل زوجها إلى جانبها. 

تركت روز قسم الأطعمة الأجنبية، واستدارت إلى القسم التالي. واصطدمت بشابٍ كان واقفاً في الممر، ينظر إلى الرفّ الذي تصطف عليه أصناف مختلفة من الحمص. كانت بشرته فاتحة اللون، وجسمه رشيقاً ومتناسقاً، وعيناه بلون البندق. خيّل إلى روز أنها قد رأته في مكان ما من قبل. فقالت له: أنا أعرفك! إنك تعمل في محلات أ أند يو، صحيح؟ أنا أعمل وراء الكاونتر في المطعم الذي في مبنى اتحاد الطلاب. فتفحص الشاب وجه روز وكأنه يريد أن يحفظ تفاصيل قسماته عن ظهر قلب. فقالت روز: لقد تركت العمل عندما أنجبت طفلتي في العام الماضي، ولكنني أحاول أن أعود إلى الجامعة الآن. قال الشاب: أوه، حقاً؟ مدت روز يدها وقالت: إسمي روز وأنت؟ فقال: مصطفى. قال: ومن أين أنت؟ قال: من استانبول. حاولت روز أن تتذكر أين تقع اسطنبول. قال مصطفى: تسرني مقابلتك يا روز، والآن يجب أن أذهب. باي باي. وغادر مصطفى. 

 رجعت روز إلى سيارتها، ونادت على طفلتها، النائمة في السيارة، وقالت: آرمانوش، استيقظي يا حبيبتي، لقد رجعت ماما. بينما توجه مصطفى إلى شقته. كان يتملكه شعور بأنه مثل ملك مخلوع يعيش في المنفى. فقد ولت الأيام التي كانت تخدمه وتطعمه جدته وأمه وأخواته الأربع الوفيات. 

جلس ديكران ستامبوليان على الكرسي، وراح يقضم أطراف شاربيه. كان جميع أفراد العائلة متحلقين حول طاولة قديمة مُلئت بأصناف الطعام. وكانت طفلتا العمة فارسينيغ التوأمين تغطان في النوم على الأريكة. وكان ابن العم البعيد كيفورك كاراوجلانيان هناك أيضاً، بعد أن قدِم لحضور مناسبة اجتماعية تنظمها جالية الشباب الأرمنية. والعمة سوربان أيضاً، أصغر الأخوات في عائلة تشكمكجيان، والتي كانت الشخص الوحيد في العائلة التي أيدت زواج بارسام من روز. وعندما جاء برسام، قال له العم ديكران: سيربِّي تركي ابنتك وأنت لا تحرك ساكناً. فقال بارسام: وماذا بوسعي أن أفعل؟ لا يحق لنا أن نتدخل. إن روز أمها. فقال ديكران: وماذا ستقول الطفلة لأصدقائها عندما تكبر؟ إن أبي بارسام تشكمكجيان، وعم أبي ديكران ستامبوليان، وأبوه فارفانت ايستانبوليان، وإسمي آرمانوش تشكمكجيان، وتربيت في كنف رجل تركي يدعى مصطفى! يا لها من مهزلة؟ فقالت الجدة شوشان: تستطيع روز أن تخرج مع من تشاء، بل وأن تتزوج من تريد، ولكن ابنتها أرمنية، ويجب أن تنشأ وتتربى كأرمنية. 

لم تكن آسيا قازانجي تعرف ما الذي يجعل بعض الناس يُغرمون بالإحتفال بأعياد الميلاد، التي تكرهها هي. فلقد علمت عندما بلغت الثامنة أنها لقيطة. وعندما تفكر بالأمر، تجد أنه لم يكن لها أي فضل في اكتشاف تلك المعلومة، لأنه لولا جدتها كلثوم، لاستغرق الأمر وقتاً طويلاً. كانت آسيا طويلة، مثل أمها زليخة، التي كانت تدعوها خالتي. وقد ورثت عينيها اللوزيتين من خالتها بانو، وجبينها العالي من الخالة شكرية، وتقلب المزاج من الخالة فريدة. كانت يومياً تذهب إلى مقهى كونديراً للإجتماع مع أصدقاءها، الشاعر الغير الموهوب، وكاتب السيناريو الغير وطني، ورسام الكاريكاتير المدمن وزوجته، والصحفي الشاذ.
 أخذت آرمانوش تشكمكجيان تراقب أمينة الصندوق في المكتبة وهي تكدس الروايات الإثنتي عشر التي اشترتها للتو، الكتاب تلو الكتاب في حقيبتها. وللمرة الثانية أنفقت جميع مدخراتها الشهرية على الكتب! إنها دودة كتب حقيقية، ولم يكن هذا شيئاً جيداً، خاصة في عيون الشباب. كان ولعها بالكتب أحد الأسباب الرئيسية الذي لم يمكّنها من إقامة علاقة عادية مع الجنس الآخر، مع أنها كانت جميلة، جميلة جداً ذات شعر أشقر ناعم وأنف دقيق وعينين زرقاوين رماديتين واسعتين.

 منذ طفولتها، كانت آرمانوش تمضي في كل سنة خمسة أشهر تقريباً هنا في سان فرانسيسكو، وتمضي الشهور السبعة المتبقية في أريزونا. كانت أرمانوش تتحاشى الخوض في الحديث عن زوج أمها التركي مع أصدقائها الأرمن، ولم يكن لديها أي اهتمام بتاريخ الصراع بين الأرمن والأتراك. 

وصلت آرمانوش إلى بيت عائلتها، وللغرابة فإن العمة سوربان هي التي فتحت لها الباب، لا جدتها. كانت عائلتها الأرمنية منزعجة من ولعها بالكتب، وكانت آرمانوش تعرف، ربما ليس عقلانياً بل غريزياً، أن السبب وراء مقاومة عائلة تشكمكجيان لولعها بالكتب شيء أكثر عمقاً من مجرد رغبتهم في تذكيرها بالأشياء التي تنشغل بها الفتيات في عمرها. لا لأنها امرأة فقط، بل لأنها أرمنية ولا يتوقع منها أن تكون مولعة بالكتب. ورغم أن الكتب قد تكون ضارة، ولكن الروايات أكثر خطورة. فقد تضللك مسالك القصة وتقودك إلى عالم القصص الذي يكون فيه كل شيء سلساً، وخيالياً، ومفتوحاً على المفاجآت.

 كانت الدقائق الثلاثون الأخيرة التي سبقت وصول مات هاسينغير، الشاب الذي ستخرج معه آرمانوش، مشحونة بمشاعر متصاعدة من الخوف والتوتر من قبل الجميع ما عدا آرمانوش. فقد جعلوها تجرب عدة فساتين، وتسير أمام كل واحدة من عماتها لترى كيف تبدو، إلى أن توصلن إلى قرارٍ أن تلبس الفستان ذو اللون الفيروزي، مع أقراطٍ تتماشى معه. بعدها رن هاتف آرمانوش وكانت والدتها، روز. فقالت روز: هل سيلتقي مات بالعائلة؟ قالت آرمانوش: نعم، يا أمي.قالت روز: عماتكِ سيخيفونه، أنتِ لا تعرفينهن، إنهن سيثرنَ فزع الصبي المسكين بأسئلتهن واستفساراتهن. لم يكن لدى آرمانوش أي رد. أخذت تتصور أمها روز، وهي تقف في المطبخ تصنع كومة من الفطائر. وكان بإمكانها أن تتصور زوج امها، مصطفى قازانجي، وهو جالس في المطبخ، يحرك الحليب في قهوته ويتصفح الجريدة.

 وبعد دقيقة كانت آرمانوش تبتسم لمات هاسينغير الذي كان يرتدي ثياباً أنيقة. كان يصغرها بثلاثة أعوام. قالت العمة فارسينغ: تفضل أيها الشاب. صافح مات جميع أفراد العائلة، وهو يشعر بنظراتهم المتسائلة تنتهك وجهه. ثم تبادلوا بضع كلمات عن الطقس، وعن دراسته؛ فقد كان طالباً في كلية الحقوق، وعن عائلته؛ فقد كان الطفل الوحيد، وعن والديه المحاميين، وعن مدى معرفته بالأرمن. 

بعدها، خرج مات بصحبة آرمانوش وذهبا إلى مطعم. تحدثا قليلاً. فقد تحدث مات عن المهنة التي كان يريد أن يبنيها، وتحدثت هي عن الطفولة التي كانت تريد أن تهدمها. استمتعت آرمانوش برفقة مات، ولكنها لم تستطع أن تقع في حبه. 
 ولما وصلت آرمانوش إلى بيت جدتها شوشان، كان الجميع قد آوى إلى الفراش. ألقت حذاءها من قدميها، وهرعت إلى غرفتها. ارتدت بيجامتها، وفتحت الكمبيوتر على مقهى الإنترنت، وهو غرفة من غرف الدردشة على الإنترنت، ثم ضغطت على شجرة أنوش، وهو منتدى يلتقي فيه الأعضاء النظاميون ممن لديهم اهتمامات ثقافية. كان قسم شجرة أنوش يضم سبعة رواد دائمين، خمسة منهم من الأرمن واثنان من اليونانيين. ولم يلتق أحدهم بالآخر شخصياً. وكان لكل واحد منهم إسماً مستعاراً. وكان اسم آرمانوش هو "مدام روحي المنفية". كان موضوع هذا الأسبوع عن "الإنكشاريين". وشعرت أرمانوش بالسعادة عندما رأت البارون باغداساريان هناك. كانت آرمانوش تشعر بالميل نحوه دون أن تعلم. لم تشعر أرمانوش من قبل بمثل هذا الإعجاب تجاه أي رجل غير أبيها. كان ثمة شيء في البارون باغداساريان يسحرها ويخيفها في آنٍ واحدٍ. أخبرت آرمانوش أعضاء المنتدى بنيّتها أن تزور بيت عائلتها في اسطنبول. 

 رغم مضي أكثر من ساعتين على استيقاظها، ظلت آسيا قازانجي مستلقية في سريرها تحت لحاف ريش الأوز، تستمع إلى الأصوات التي لا تعد ولا تحصى والتي لا يمكن أن تصدرها أي مدينة أخرى إلا استانبول، فيما أخذت تصيغ في مخيلتها بياناً شخصياً عن العدمية. المادة الأولى: إذا لم تتمكني من إيجاد سبب كي تحبي الحياة التي تعيشينها، فلا تتظاهري بأنك تحبين الحياة التي تعيشينها. المادة الثانية: إن الأغلبية الساحقة من الناس لا يفكرون مطلقاً، والذين يفكرون لا يصبحون الأغلبية الساحقة أبداً. فاختاري في أي فئة تريدين أن تكوني. المادة الثالثة: إذا لم يكن بوسعك أن تختاري، فكوني موجودة فقط؛ كوني فطراً أو نباتاً. المادة الرابعة: إذا لم تكوني مهتمة بالرد عليهن، فلا تطرحي أسئلة. المادة الخامسة: إذا لم يكن لديك سبب أو قدرة على إنجاز شيء، فمارسي فنَّ أن تكوني لائقة. المادة السادسة: إذا لم يكن لديك سبب أو قدرة على ممارسة فنَّ أن تكوني لائقة، فكوني كذلك. المادة السابعة: إذا لم يكن لديك سبب أو قدرة على أن تكوني، فعندها تحمّلي فقط. 

نزلت آسيا إلى مائدة الفطور. قالت لها خالتها بانو: يجب أن تستعدي، فضيفتنا ستصل اليوم. يجب أن نُرتّب البيت قبل أن تصل. فقالت آسيا: لماذا أنتن متحمسات؟ إنها ضيفة! فقالت الجدة كلثوم: إنها ضيفة من طرف خالك مصطفى. فقالت آسيا: يجب أن نواجه الحقيقة! فطوال هذه السنوات، كنتن مغرمات بالخال مصطفى باعتباره الإبن الوحيد والغالي في هذه العائلة، ولكنه ما إن طار من العش، حتى نسيكن جميعكن. أليس من الواضح أن هذا الرجل لا يعبأ ولا بذرةٍ واحدة من عائلته؟ لماذا يجب أن يعني لنا شيئاً. فقالت الخالة بانو مُغيرة مجرى الحديث: إنكما فتاتان من نفس العمر، وستصبحان صديقتين. 
على أريكة في شقة مجددة، جلست آسيا عارية جامدة مثل تمثال صغير، تستنشق دخان سيجارة المخدر إلى داخل جسمها. سألها رسام الكاريكاتير المدمن: بماذا تفكرين يا حبيبتي؟ قالت: إني أعمل على المادة الثامنة من بياني الشخصي للعدمية. المادة الثامنة: إن كان يوجد بين المجتمع والنفس وادٍ عميق لا يربطهما إلا جسر متحرك، تستطيعين أن تحرقي ذلك الجسر وأن تقفي إلى جانب الذات، سالمة مسلمة، إلا إذا كان الوادي هدفك. المادة التاسعة: إذا كان الوادي في داخلك يسعدك أكثر من العالم في الخارج، يمكنك أن تسقطي فيه، تسقطين إلى داخل نفسك. وبعد أن قضت وقتاً حميماً مع الرسام، ذهبت إلى بيتها.
 عندما رجعت آسيا إلى البيت اكتشفت أن خالاتها كن قد وضعن سريراً ثانياً إلى جانب سريرها، وحولن مجالها الخاص تحت سقف هذا البيت إلى غرفة البنات. ومع أن آسيا لم تكن ترغب في أن تشاركها في فضاءها فتاة غريبة، فإنها لم تكن تستطيع أن تبدي احتجاجها أمام الضيفة. 

وها هي آرمانوش تشكمكجيان. إنها خجولة بعض الشيء. وجدت آسيا أن الفتاة الأمريكية أجمل بكثير مما كانت تتوقع. كانت تتمنى في أعماقها أن ترى فتاة شقراء غبية. جلست آرمانوش مع آسيا والخالات على مائدة الإفطار. سألنها عن سبب زيارتها إلى اسطنبول. فأجابت بأنها أتت إلى هنا لترى بيت جدتها شوشان. وتكلمت لهم عن هروب جدتها والأرمن من تركيا بسبب اضطهاد الأتراك للأرمن، وعن المجازر التي حصلت للأرمن من قبل الأتراك. 

 وفي اليوم التالي، غادرتْ آسيا وأرمانوش البيت وانطلقتا للبحث عن البيت الذي وُلدت فيه الجدة شوشان. كان الحي ساحراً وغنياً، في الجانب الأوروبي من المدينة. ولكن لم يعد ثمة وجود للبيت الذي انتصبت مكانه عمارة سكنية بخمسة طوابق. وقد احتل الطابق الأول مطعم سمكٍ فاخر. راحتا تتمشيان في الحي، واشتريتا شيئاً من كل بائع تقريباً في الشارع وقعت عينيهما عليه. قالت آرمانوش: لقد أحببت عائلتكِ، حدثيني عنكم؟ فقالت آسيا: من الصعب أن تولدي في منزل تملؤه نساء يغمرنك بحبهن إلى درجة أنهن يخنقنك بحبهن. ولكن المشكلة أنهن يردنني أن أصبح كل شيء لم يستطعن هن أنفسهن أن يُنجزنه في الحياة. لذلك كان عليّ أن أحرك مؤخرتي كي أحقق جميع أحلامهن في وقت واحد. فقد تعلمت الإنجليزية والفرنسية، ودرست الكمان، مع أنه لم يكن لديّ لا الإهتمام ولا الموهبة. ثم بدأت دروساً في الرسم ثم الباليه. فقالت آرمانوش: السيدة زليخة، ذات الحلقة في أنفها، إنها أمك، أليس كذلك؟ ولكنكِ لا تناديها ماما! فقالت آسيا: صحيح، إنه أمر مربكٌ بعض الشيء. إني أناديها خالتي منذ البداية تماماً. فكما ترين، فقد نشأت مع كل تلك الخالات وهن يؤدين دور الأم. إن مأساتي هي أنني كنت بطريقة ما الطفلة الوحيدة بين تلك النساء في أسرتنا. فالخالة فريدة تشبه الطاووس، ولم تتزوج أبداً. وكانت الخالة شكرية سعيدة في زواجها، ولكنها فقدت زوجها ومتعتها في الحياة، فكرّست نفسها لتدريس التاريخ القومي التركي. أما خالتي بانو فهي ملح الأرض، وهي ما زالت متزوجة على الورق، ولكنها نادراً ما ترى زوجها. كان عندها ابنان رائعان، ولكنهما توفيا. فاللعنة حلت على رجال هذه العائلة. إنهم لا يعيشون طويلاً. وكما ترين وجدت نفسي محاطة بأربع خالات وأمي. فإما كان عليّ أن أناديهن جميعهن ماما أو أنادي أمي، الخالة زليخة. وتبين لي أن هذا أسهل بكثير على نحو ما. أما أبي، فلا أعرف عنه شيئاً. فأنا ولدت طفلة غير شرعية؛ وُلدتُ طفلة خارج نطاق الزواج. لا أعتقد أن هناك من يعرف من هو أبي. 

 بعد مضي خمسة أيام على إقامتها، اكتشفت آرمانوش الروتين الصباحي في بيت عائلة قازانجي. كانت الخالة بانو هي التي ترتب المائدة باستمرار، لأنها تكون أول من يستيقظ عادة. جلست بانو وآسيا وأرمانوش على المائدة. فقالت آسيا: خالتي بانو، تتساءل آرمانوش إن كان بإمكانك أن تقرئي الطالع. فقالت بانو: يمكنني أن أقرأ فنجان القهوة. وحين أمسكت بانو بفنجان قهوة آرمانوش قالت: يمكنني أن أرى امرأة قلقة جداً هنا. إنها تفكر بك طوال الوقت، إنها تحبك كثيراً. فقالت آرمانوش: لا بد أنها أمي. فأكملت بانو: هناك شاب يهتم بك كثيراً، ولكنه لماذا يقف وراء ستار؟... شيء يشبه حجاب. فقالت آسيا: هل يمكن أن تكون هذه شاشة كمبيوتر؟ فقالت بانو: لا أرى كمبيوترات في قعر الفنجان. =اصطحبت آسيا آرمانوش إلى مقهى كونديرا. رحبت مجموعة آسيا بصديقتها آمي بحرارة، وبدأ الجميع يسألونها عن أحوالها وأحوال أمريكا. وقد لاحظت آمي أن جميع الجالسين إلى الطاولة يتحدثون اللغة الإنكليزية. كما لاحظت أن عدداً لا بأس به من الناس يشربون الكحول. ولاحظت أيضاً الدفء في عيني رسام الكاريكاتير وهو ينظر إلى آسيا، وأحست أنه قد يكون مغرماً بها. كانت آسيا وآرمانوش في طريقهما لزيارة صالون الوشم الخاص بأمها زليخة. قالت آسيا: إني سعيدة بأنكِ ستقابلين آرام أخيراً، إنه الشخص الآخر بالنسبة إلى الخالة زليخة. إنه أرمني. إن الخالة زليخة وآرام يلتقيان منذ مدة لا يعلمها إلا الله. إنه مثل زوج أمي على ما أظن. فقالت آرمانوش: لماذا لا يتزوجان؟ فقالت آسيا: أنا واثقة من أن آرام لا يمانع من أن يتزوجها، ولكن الخالة زليخة لن تقبل أبداً، وأظن أن ذلك بسبب تجربة الخالة زليخة مع أبي الذي لا أعرفه. أظن أنه توجد لديها مشكلة ثقة مع الرجال. 
وبينما كانتا تراقبان أعمال الوشم، دخل رجل متوسط العمر إلى الصالون. إنه آرام. كان آرام رجلاً طويلاً، وسيماً وممتلئاً قليلاً، له وجه لطيف ولكنه مرهق. كانت عيناه تشعان ذكاءً من وراء نظارته ذات الإطار السميك. ومن الطريقة التي كان ينظر فيها إلى الخالة زليخة، يستطيع المرء أن يتبين الحب الموجود بينهما على الفور. فُتنت آرمانوش بتواضعه. وراحا يتحدثان عن الجدات الأرمنيات في الشتات وفي تركيا وفي أرمينيا. =اتصلت آرمانوش بأمها روز. فقالت لها روز: يجب أن أغلق السماعة الآن، ولكن عديني أن تتصلي بي بعد عشر دقائق... أو بعد خمس عشرة دقيقة. كانت روز تتكلم بشكل هستيري. فقالت آرمانوش: أوكي، ماما، هل أنت على ما يرام؟ لكن روز كانت قد أغلقت السماعة. نظرت آرمانوش إلى آسيا مذهولة، وقالت: لقد طلبتْ مني أمي أن أتصل بها بعد قليل ولم تسألني لماذا لم أتصل بها من قبل. هذا ليس من عادتها. إنها ليست على طبيعتها. فقالت لها آسيا: ربما كانت تقود سيارتها، ولا تستطيع التكلم على الهاتف. 

بعد أن تورمت عيناها من شدة البكاء، مدتْ روز يدها إلى المناديل الورقية لكي تمسح دموعها. نظرتْ إلى مصطفى وقالت: يا إلهي، بقي أمامنا خمس عشرة دقيقة. ماذا سنقول لها؟ أمامنا خمس عشرة دقيقة فقط كي نحسم أمرنا. فقال مصطفى: أرجوك أن تهدئي. اسأليها بكل هدوء أين هي الآن بالتحديد. فقالت روز: ماذا لو لم تخبرني؟ قال مصطفى: اسأليها بلطف، وستخبرك بلطف. قالت روز: لقد كذبتْ عليّ ابنتي الصغيرة! لقد وثقت بها. كنت أظن أنها في سان فرانسيسكو مع جدتها... والآن جدتها... 

البارحة، رن هاتف روز وكان الإتصال من سان فرانسيسكو. زوجها السابق، بارصام تشكمكجيان. قال لها: يجب أن أنقل لآرمانوش خبراً سيئاً. هل تستطيعين أن تناديها؟ إنها لا تجيب على هاتفها الخلوي. فقالت روز: أليست عندكم في سان فرانسيسكو؟ فقال بارصام: كلا، لقد قررت أن تعود إلى أريزونا. فقالت روز: يا إلهي! أين هي؟ إنها تتصل بي يومياً من سان فرانسيسكو. لم يخبر بارصام روز بأن آرمانوش تتصل به يومياً من أريزونا. فقال بارصام: هذا جيد، هذا يعني أنها بخير. يجب أن نثق بها. إنها فتاة ذكية. عندما تتصل بكِ في المرة القادمة قولي لها أن تتصل بي. وقولي لها إن جدتها شوشان ماتت وهي نائمة. 
اتصلت آرمانوش بأمها بعد خمس عشرة دقائق. فقالت روز: سأسألك سؤالاً واحداً وستقولين لي الحقيقة؛ أين أنت؟ فقالت آرمانوش: أنا في استانبول. أنا آسفة لأني جعلتك قلقة. صرخت روز: ماذا تفعلين هناك؟ فقالت آرمانوش: إني أمكث في بيت حماتك، إنها عائلة رائعة. حينها شحب لون مصطفى لما سمع هذا. فقالت روز: إننا آتيان إلى هناك. 

على الفور، أثار النبأ العظيم بقدوم مصطفى وزوجته الأمريكية لزيارتهن سلسلة من ردود الفعل في بيت قازانجي. أخذت آسيا تفكر بمادة أخرى من بيانها الشخصي من العدمية. المادة العاشرة: إذا وجدتِ صديقة عزيزة، إحرصي على ألا تتعودي عليها، ولا تنسي أن كل واحدة منا وحيدة في الوجود، وأن العزلة الأبدية ستتجاوز أي صداقة عرضية إن آجلاً أم عاجلاً. المادة الحادية عشرة: حتى إذا وجدتِ صديقة عزيزة كنتِ قد اعتدتِ على صحبتها كثيراً إلى درجةٍ تجعلك تنسين المادة العاشرة، لا تتجاهلي الحقيقة بأنها لا تزال تستطيع أن تلحق بك هزيمة في مجالات أخرى من الحياة. فعلى لوحة لعبة الطاولة، كما في الولادة والموت، فإن كل منا وحيد. 

نظرتْ آرمانوش إلى آسيا وهي شاحبة وقالت: يا إلهي، كيف لم أر هذا؟ إنه أبي. لقد حدث مكروه لأبي! حاولت آسيا أن تُهديء من روعها. قالت آسيا: متى تكلمتِ مع أبيك آخر مرة؟ قالت آرمانوش: لقد اتصلت به من أريزونا قبل يومين. قالت آسيا: ماذا تقصدين بقولك أنك اتصلت به من أريزونا؟ فقالت آرمانوش: لقد كذبتُ على الجميع حتى أتمكن من المجيء إلى هنا. فلو قلت لهم إنني ذاهبة إلى استانبول لوحدي، لقلقوا عليّ، ولما تركوني أسافر. فأبي يظن أنني مع أمي في أريزونا، وأمي تظن أنني مع أبي في سان فرانسيسكو. أقصد، كانت تظن ذلك، حتى البارحة. فقالت آسيا: اتصلي على أبيك. فالتقطت أرمانوش الهاتف واتصلت على بيت أبيها. كان المجيب أباها، فقال لها: لقد اتصلتْ بي أمك وأخبرتني أنكِ في استانبول. ستحضر أمك وزوج أمك إلى استانبول ليحضرانك. فقالت آرمانوش: ما الخطب؟ أين جدتي شوشان؟ أريد أن أكلم جدتي. هنا اضطر بارصام أن يخبرها بوفاة جدتها شوشان. 

كانت الخالة زليخة تذرع الغرفة بحيوية لم تكن تعرف كيف تحتويها. ولم يكن بوسعها أن تخبر أحداً في البيت عن سبب اضطرابها. اتصل بها آرام وقال لها: لا أريد أن تظلي في هذا البيت هذه الليلة، أو غداً، أو بعد غد. تعالي وأقيمي معي. اتركي هذا البيت أو أقيمي معي حتى يذهب. فقالت: وماذا سأقول لآسيا؟ قال آرام: لا شيء. قالت زليخة: لا تقلق، أحبك كثيراً. =لاحظتْ روز قلق مصطفى الكبير وتوتره الشديد في الطائرة المتوجهة إلى استانبول. كانت روز تعرف أن مصطفى لم يكن يريد أن يذهب إلى استانبول، وأنه رضخ إلى طلبها العنيد بالذهاب معاً. 

في الصباح، وبعدما جلس الجميع على مائدة الإفطار قالت الخالة زليخة لآرمانوش: نأسف جداً على فقدانك جدتك! فقالت آرمانوش: شكراً. هل يمكنني أن آتي معكِ إلى المطار لاستقبال أمي؟ فقالت زليخة: بالتأكيد. فقالت الجدة كلثوم: وأنا سآتي أيضاً. قالت زليخة: حسناً يا أمي. قالت آسيا: سآتي أنا أيضاً. فقالت زليخة: لا يا آنسة، ستبقين أنتِ هنا. حدّقت فيها آسيا، ثم ظلت ساهمة وواجمة بقية وقت الإفطار. وتساءلت لماذا لا تريد زليخة أن تأخذها معهن إلى المطار. وقد لاحظت آسيا أن أمها زليخة غير سعيدة بقدوم مصطفى بعد غياب عشرين سنة. فقالت آرمانوش: لقد أتيت إلى استانبول لأنني ظننت أني إن جئت وحدي إلى مدينة جدتي سأستطيع أن أفهم تراث عائلتي على نحوٍ أفضل وأعرف موقعي في الحياة. كانت هذه الرحلة محاولة للتواصل مع ماضي جدتي. وكنت سأقول لها إننا بحثنا عن بيتها... لكنها ذهبت الآن... ولم تتح لي فرصة لرؤيتها للمرة الأخيرة.

 أما اليوم الذي اغتُصبت فيه الخالة زليخة، فلم يكن يوماً ماطراً. كانت وحدها في غرفتها منذ الصباح، تستمتع بوحدتها. في وقتٍ مبكر من صباح ذلك اليوم، خرجت نساء عائلة قازانجي من البيت لزيارة قبر أباها، ليفينت قازانجي، ولكن زليخة تعللت بشيء، لأنها لم تكن ترغب بزيارة المقبرة.

 أمضت زليخة ذلك النهار مستلقية على سريرها، تتصفح مجلات، ومستغرقة في أحلام اليقظة. ثم دلّت زليخة ساقيها من فوق السرير، وأخذت تنظر إلى نفسها في المرآة بإعجاب. كانت تدرك أنها جميلة. في تلك اللحظة سمعت أحداً يقرع باب غرفتها. كان مصطفى. كانت عيناه تتألقان بوهج الشباب. قال لها: لماذا ترتدين هذه التنانير القصيرة؟ لم تكن زليخة تتوقع هذا السؤال فقالت: أحمق! نظر مصطفى إلى موس الحلاقة الموضوع في غرفة زليخة وقال: تحلقين شعر ساقيك لكي تكشفينهما لجميع رجال الحي. قالت زليخة: إذهب واشغل نفسك بشيء آخر. احمرّ وجهه، ونظر إلى أخته والسم ينضح من عينيه. 

 كان من الواضح أن مصطفى أصبح في الفترة الأخيرة يعاني من مشاكل تتعلق بالنساء. كانت خبرته مع الجنس الآخر لا تزال متخلّفة عن أقرانه الذكور. فمع أنه بلغ العشرين من عمره، كان يشعر أنه لا يزال عالقاً في تلك العتبة الخطرة بين الصبا والرجولة. كان يمقت الشهوات الجسدية المنبعثة من جسمه، ومع ذلك كان ينجذب إليها. وقد تمكن في الماضي من أن يكبت رغباته. 

قال مصطفى لزليخة: ألا تخجلين من نفسكِ؟ إنكِ لا تبالين عندما يُصفّر لكِ الرجال في الشارع. تلبسين ثيابك مثل عاهرة، ثم تتوقعين الإحترام؟ فقالت زليخة: ما المشكلة؟ أم أنك تخشى من العاهرات؟ لم يفعل مصطفى شيئاً سوى أن يحدق فيها. ففي الشهر الماضي، اكتشف أسوأ الشوارع سمعة في استانبول. وكان مصطفى يذهب إلى هناك. فسألها مصطفى: أتتجسّسين عليّ؟ فقهقهت زليخة وأدركت أنها اكتشفت شيئاً لم تكن تعرفه فقالت: إنك غبيٌ جداً. إذا كنت تذهب إلى المومسات، فهذه مشكلتك، وماذا يهمني ذلك. ثم نظرتْ إليه بحدة وقالت: إن ما أرتديه وكيف أعيش ليس من شأنك. لقد مات أبونا ولن أسمح لك أن تحل محله هكذا. فقال مصطفى: الآن بعد أن مات أبونا، أصبحتُ أنا المسؤول عن هذه العائلة. قالت له زليخة: هذا صحيح، والآن اخرج من غرفتي. 

 أراد مصطفى أن يصفعها على وجهها، ولكنها تفادت الضربة ولكن ذلك أثار حنقه. المحاولة الثانية ألهبت خدها. فردت له الصاع صاعين. وبعد لحظات، كان أحدهما يمسك بتلابيب الآخر بعنف فوق السرير كطفلين. وبعد لحظة لوى ذراعها خلف ظهرها وصعد فوقها. وراح يضغط على صدرها بإحدى ذراعيه، ويشد تنورتها بيده الأخرى إلى الأسفل. =طغى عليها شعور المهانة. كان الشعور بالخزي شديداً. خارت قواها، وشعرت بالإحراج الشديد لانكشاف ثيابها الداخلية. حاولت أن توقفه بيديها ولكنه صفعها أكثر من مرة. قاتلته بشراسة، عضته، لكمها في وجهها. وعندما بدأ يلجها، أخذت تصرخ بأعلى صوتها: توقف! ولكنه لم يتوقف. أغمضت عينيها، ولم تفتحهما إلا عندما استرخى فوقها. عندما نهض عنها، كان مصطفى لا يكاد يستطيع أن يمشي. ثم خرج يجري من الغرفة. هرع إلى الحمام، وجثا على ركبتيه، وتقيأ. 

 في اليوم الذي اغتصِبت فيه زليخة، كانت لا تزال في التاسعة عشرة من عمرها. وهو سن يعتبر فيه الشخص راشداً وفق القوانين التركية. وبالتالي أصبح بإمكانها أن تجري إجهاضاً بمفردها. 

جلست آسيا في المطبخ. كانت تفكر في أمها وفي الهوة التي بينهما. المادة الثانية عشرة: لا تحاولي أن تغيري أمك، أو بدقة أكثر، لا تحاولي أن تغيري علاقتك مع أمك، لأن هذا لن يسبب لكِ إلا الإحباط. وافقي بكل بساطة. وإذا لم تتمكني من القبول والموافقة ببساطة، إرجعي إلى المادة الأولى.

 أمضت روز ومصطفى اليومين الأولين من زيارتهما إلى استانبول في تناول الطعام. وعلى المائدة، أجابا عن أسئلة كثيرة طرحتها عليهما نساء عائلة قازانجي من جميع الإتجاهات. ثم قالت الجدة كلثوم: متى ستُنهي يا مصطفى خدمتك العسكرية؟ فقال: لا يتعين عليّ أن أؤدي خدمة عسكرية كاملة. سأجري التدريب الأساسي فقط: شهر واحد. يجب أن أجري التدريب قبل أن أبلغ الحادية والأربعين من العمر. حينها رفعت الخالة زليخة رأسها، ثم رمقت مصطفى وقالت: يا له من عمر مصيري، العمر الذي مات فيه أبوك، مثل أبيه وجده... يجب أن تكون قلقاً لأنك بلغت الأربعين، يا أخي... فقد أصبحتَ قريباً جداً من الموت... حينها قالت الجدة كلثوم: كيف تكلمينه بهذه الطريقة؟ اخرجي من بيتي الآن. فسحبت الخالة زليخة كرسيها وخرجت من الغرفة. 

في اليوم الثالث من زيارتهما، مكث مصطفى في غرفته طوال النهار، متعللاً بالمرض. فقد اعترته الحمى فأوهنته. قال لزوجته روز: دعينا نسافر غداً. فقالت روز: هل جننت؟ أنا لا أزال مرهقة من السفر، سنبقى خمسة أيام أخرى ونسافر. ثم خلدت الى النوم. جاءت أخته بانو لتطمئن عليه، ومعها صحن العاشورة. فقال لها: أريد أن أسألك شيئاً. أين والد آسيا؟ عندما التقيتُ مع أمي في ألمانيا قالت لي أمي إن زليخة أنجبت طفلاً من رجل خُطبت له لفترة وجيزة. لكنها قالت إنه تركها. فقالت بانو: لقد كذبتْ عليك ماما. ولكن ماذا يهم الآن؟ لقد كبرتْ آسيا دون أن ترى أباها. وهي لا تعرف من هو، ولا أحد يعرف طبعاً، إلا زليخة. فقال مصطفى: وأنت ألا تعرفين؟ سمعتُ أنك قارئة طالعٍ جيدة. وتقول فريدة إنك استعبدت جنياً وتحصلين منه على كل المعلومات التي تحتاجينها، ألم يكشف لك الجنيُّ شيئاً؟ فقالت بانو: في الحقيقة أخبرني، وكنت أتمنى أني لم أعرف الأشياء التي أعرفها. 

بدأ مصطفى يشعر بأن الماضي بدأ يعود. ولكي يعيش، يجب أن يُمحى. طوال هذه السنوات، كان ينهشه ندم فظيع دون أن يؤثر على واجهته الخارجية. لكن يبدو أن المعركة بين النسيان والتذكر قد انتهت أخيراً. مد يده إلى صحن العاشورة وأخذ يأكله، رويداً رويداً. ثم شعر بالإرتياح لأنه هجر الحياة. وبعد أن أنهى العاشورة بثوانٍ قليلة، تملكه تشنجٌ حاد أسفل بطنه، ولم يعد قادراً على أن يتنفس. وبعد دقيقتين توقف تنفسه تماماً. بهذه الطريقة مات مصطفى قازانجي وهو في الأربعين وثلاثة أرباع السنة. 

غُسّل الجسد بلوح من صابون الغار، ثم كُفّن ووُضع في التابوت. وتم إحضاره إلى البيت. تجمهرت النساء في البيت للتعزية. أخذت الخالة بانو زليخة إلى المطبخ وقطعت بصلة وقالت لزليخة: سأساعدك كي تذرفي قليلاً من الدموع يا عزيزتي. فمهما كانت روحك حرة، فإنك بحاجة لأن تذرفي دمعة أو دمعتين في بيت الميت. 

دخلت زليخة والخالات، تتبعهن آسيا وآرمانوش، إلى غرفة الجلوس التي سُجي فيها الجثمان. كانت آسيا تجلس صامتة، وبجانبها أمها زليخة تهمس شيئاً في أذنها. قالت آسيا وهي تنظر إلى أمها: لا أصدق ما تقولينه. فقالت زليخة: ليس عليك أن تصدقيني. ولكني أدركتُ أخيراً أني يجب أن أشرح لك الأمر. وإذا لم أقل لك ذلك الآن، فربما لن يكون هناك وقت آخر. لقد مات.

 نهضتْ آسيا ونظرت إلى الجثمان. أمعنت النظر فيه كي لا تنسى أن هذا الجسد الذي غُسل بصابون الغار، والملتف بكفنٍ من ثلاث قطع، كان أبوها. اقتربت آسيا أكثر من الكفن وهمهمت: بابا. 

إن سيانيد البوتاسيوم مركبٌ لا لون له، إنه يشبه السكر، وقابل للذوبان في الماء. وبخلاف المركبات السامة الأخرى، له رائحة ملحوظة. إذ تشبه رائحته رائحة اللوز المر. لقد قامت بانو بتزيين صحن العاشورة بحب الرمان وبقطراتٍ من سيانيد البوتاسيوم، الذي سيصعب اكتشافه لأن اللوز أحد مكوناته العديدة. قالت بانو لنفسها: صحيح إنني قدمت له صحن العاشورة، ولكن هو الذي اختار أن يتناوله. لقد قرر كلانا أن هذه الطريقة هي الأفضل، أفضل بكثير من أن يعيش وهو يحمل عبء الماضي، وكانت أفضل من ألا أفعل شيئاً بعد أن عرفت. الله لن يغفر لي أبداً، ولكنه يعلم أنه يوجد قدر ضئيل من الأسف في قلبي. 


                                       النهاية.