الاثنين، 4 مايو 2020








تلخيص رواية:
 الجحيم: دان براون.
 إعداد وإشراف: رجاء حمدان. 

تجسدت الذكريات ببطء، مثل فقاعات تطفو على سطح بئر مظلمة بلا قرار. إمرأة ذات وشاح. حدق روبرت لانغدون إليها من الضفة الأخرى لنهر تتدفق مياهه المتموجة ممزوجة بالدم. على الضفة المقابلة، وقفت المرأة بمواجهته، بلا حراك، ووجهها الوقور مخبّأ بوشاح. أمسكتْ بيدها قطعة قماش زرقاء، ثم رفعتها تكريما لبحر الجثث والأجساد الملقاة عند قدميها. كانت رائحة الموت تفوح في كل مكان. قال لانغدون: من أنت؟ ولم تجبه المرأة بل نزعت عن وجهها الوشاح. كانت رائعة الجمال وذات شعر فضي، لكنها أكبر سناً مما تخيّل. قالت: من يبحث يجد. 

استيقظ لانغدون وهو يصرخ. وجد نفسه في غرفة مغمورة بالضوء. شعر بألم حاد في رأسه، فمد يده ليتحسس رأسه، فعثر على عشر قُطَب تقريباً مكسوة بالدم الجاف. اكتشف لاحقاً أنه في غرفة مستشفى، وكان موصولاً بالأنابيب والأسلاك. أغمض عينيه محاولاً تذكر حادثة تعرض لها. لكن لا شيء. دخلت عليه طبيبة ترتدي ملابس زرقاء، وقالت: أنا د. سيينّا بروكس. سأعمل مع الدكتور ماركوني الليلة فهو لا يتقن الإنكليزية. سألته عن اسمه، ومهنته، وجنسيته. ثم قالت: هل تشعر بأي ألم؟ وما هو آخر شيء تتذكره؟ فقال لانغدون: أشعر بألم في رأسي. ولقد رأيت كابوساً. وآخر ما أتذكره هو أنني كنت أسير يوم السبت في حرم الجامعة... متوجهاً لإلقاء سلسلة من المحاضرات... وبعدها لا أذكر شيئاً. فقالت سيينّا: أنت في فلورنسا. أنت تعاني من فقدانٍ طفيف للذاكرة. نحن في صباح يوم الإثنين، الثامن عشر من مارس، وإصابتك نتيجة لعيار ناري. 

خارج النافذة، ترجلت امرأة قوية البنية عن دراجتها النارية، وتقدمت بخطى سريعة إلى داخل المستشفى. كانت تلبس سترة جلدية سوداء بتسريحة سبايكي. اتجهت مباشرة إلى غرفة لانغدون. حاول د. ماركوني، الذي كان واقفاً في الرواق، منعها من الدخول، فأخرجت مسدسها الكاتم للصوت، وأطلقت النار على الدكتور فسقط على الأرض بلا حراك، والدم يسيل من صدره. وبسرعة، انقضت د. سيينا بروكس على الباب المعدني للغرفة وأغلقته قبل دخول المرأة. أخذت المرأة تطلق النار على الباب المعدني المغلق. أخذت د. سيينا ملابس لانغدون، ثم أمسكت بذراعه وجذبته من السرير وقالت له: إتبعني. قادته من خلال الحمام إلى غرفة أخرى ثم إلى الخارج. وضعته في سيارة أجرة وانطلقت به. كانت المرأة ذات السترة الجلدية تلاحقهم. أطلقت المرأة النار على السيارة ولكنها لم تصبهم. 

 على بعد خمسة أميال من الساحل الإيطالي، أبحر يخت فخم بطول 237 قدماً يُدعى مينداسيوم عبر الضباب فوق أمواج البحر الأدرياتيكي. كان اليخت يحتوي على مركز قيادة إلكترونياً عسكرياً مصفحاً. كان اليخت يتضمن على متنه ما يقارب الأربعين شخصاً. كان اليخت هو المبنى الإداري المتنقل لمالكه الذي يعرف بين موظفيه بإسم العميد. كان العميد يقدم مجموعة خاصة من الخدمات السرية على هوامش المجتمع المظلمة. كان العميد ذا مباديء ثابتة. فقد بنى سمعته، ومنظمة الكونسورتيوم نفسها على قاعدتين ذهبيتين: لا تقطع أبداً وعداً لا تستطيع الوفاء به، ولا تكذب أبداً على العميل. منذ عام اتخذ قراراً بدأت مضاعفاته الآن تهدد بتدمير كل ما بناه. فقد وافق على تقديم خدماته للرجل الغير مناسب. كان ينتظر سماع خبر من عميل ميداني، فايينثا، المرأة ذات السترة الجلدية... ينتظر خبراً يفيد بأن مهمتها قد نُفّذت على أكمل وجه. وأخيراً جاء الخبر. كان الخبر يقول: لقد فر لانغدون ومعه الغرض. 

أخذت سايينا لانغدون إلى شقتها. تركته في الحمام لينظف نفسه وذهبت لتجلب له ملابس نظيفة. وبعد الإنتهاء من الحمام، أخذ لانغدون يتجول في الشقة. وجد جهاز كمبيوتر على الطاولة. نادى على سيينا فلم تجبه. فقام بتشغيل الكمبيوتر. حاول البحث عن أي خبر يفسر مأزقه الحالي، ولكن لا شيء ؟! دخل على بريده الإلكتروني، وقرأ الرسائل، ولكن كأن لا أحد يعرف برحيله. تصاعدت شكوك لانغدون، فأطفأ الكمبيوتر وأغلقه. وفجأة ارتفع صوت الهاتف برنة أعقبها رسالة من امرأة بلكنة أوروبية شرقية ثقيلة: سيينا، أين أنتِ؟ صديقك د. ماركوني قد مات! المستشفى والمنطقة مصابة بالجنون! الشرطة هنا! والناس يقولون إنك هربت لإنقاذ مريض؟! لماذا؟ أنت لا تعرفينه؟ والآن تريد الشرطة التحقيق معك! إنني أحذرك. في تلك اللحظة عادت سيينا، فرجع لانغدون مسرعاً إلى الحمام. طرقت سيينا على باب الحمام وقالت للانغدون: سأترك الملابس على مقبض الباب. 

 وبعد أن خرج لانغدون من الحمام سألته سيينا: روبرت، عندما وصلت إلى المستشفى، كنت تحمل معك شيئاً غريباً في جيبك. أتذكره؟ فهز لانغدون رأسه نافياً. فقالت سيينا: إنه في جيب سترتك الآن. أمسك لانغدون بالسترة الملوثة بالدماء وأخرج منها شيئاً معدنياً مصقولاً بشكل اسطوانة مستديرة من الطرفين. قال لانغدون: لم يسبق أن رأيته من قبل! فقالت سيينا: أعتقد أن هذا هو السبب الذي يدفع أحدهم لمحاولة قتلك. نظر لانغدون إلى رمز الأيقونة الثلاثية البسيطة، إنه رمز الخطر البيولوجي. لكن، ماذا يفعل هذا الشيء في سترتي! أنا أستاذ في تاريخ الفن، لماذا أحمل شيئاً كهذا!؟ 

قرر لانغدون الإتصال بالقنصلية الأمريكية. فقامت سيينا بإعطائه الرقم وتليفونها الخلوي. اتصل روبرت على الفور بالقنصلية الأمريكية في فلورنسا، وقال للموظف الذي أجاب على التليفون: إسمي روبرت لانغدون. أنا أمريكي في زيارة إلى فلورنسا وقد تعرضت لإطلاق نار. أحتاج إلى المساعدة. وأود المجيء إلى القنصلية الأمريكية حالاً، هل يمكنك مساعدتي؟ قال له الموظف: الحمد لله أنك على قيد الحياة سيد لانغدون. كنا نبحث عنك. أرسل لي عنوانك. قام لانغدون بإعطائه عنوان الفندق المقابل لشقة سيينا، كما طلبت منه سيينا، وهي تقنية معروفة تتيح له تقييم الوضع قبل كشف مكانه الحقيقي. في تلك اللحظة، لم يكن لانغدون يعرف من يكون. ففقدان يومين كاملين من ذاكرته ليجد نفسه في هذا الوضع الغريب أمر لم يستطع فهمه. 

 كانت سيينا تراقب الشارع من النافذة. فرأت دراجة نارية توقفت أمام الفندق المقابل. كان السائق امرأة بتسريحة السبايكي. أخرجت المرأة مسدساً، وتحققت من كاتم الصوت، ثم أعادته إلى جيب السترة، ثم دخلت الفندق. تسلقت المرأة سلماً مخصصاً للخدمة، واختبأت على سطح الفندق، وأخذت تمسح بنظرها المنطقة وخاصة المبنى السكني المقابل. قالت سيينا: روبرت، لقد أرسلت الحكومة الأمريكية للتو شخصاً لقتلك! فقال لانغدون: ولكن لماذا تطاردني حكومة بلادي؟! 

طلبت سيينا من لانغدون أن يفتح الإسطوانة المعدنية. ولما فتحها، انزلق قلبها المصنوع من المطاط الإسفنجي. قام بإزالة الغطاء المطاطي ليظهر له ختم اسطواني. كان الختم يحمل نقوشاً مخيفة؛ نقش شيطان برؤوس ثلاثة يقوم بأكل ثلاثة رجال في آن واحد. وتحت الصورة كان هناك نقش كلمة: سالدجيا! قال لانغدون: إن هذه الكلمة لاتينية ابتكرها الفاتيكان لتذكير المسيحيين بالخطايا السبعة. أما صورة الشيطان فترمز لمدى قدرة الطاعون على الفتك بالناس. أخذ لانغدون يقلب الأسطوانة، فاهتز شيء في داخلها. وفجأة بدأ الجزء الزجاجي من الإسطوانة بالتوهج، وأخذ يصدر منه ضوءأً. قال لانغدون: إنه يشبه مؤشر فارادي، ويظهر ضوءاً عند خضه. قام لانغدون بخض الإسطوانة، وسلط الضوء الصادر منها على الجدار. كان المشهد الذي انبعث من الإسطوانة عبارة عن لوحة زيتية كئيبة تصور العذاب البشري؛ آلاف الأرواح التي تعاني من العذاب في مستويات مختلفة في الجحيم. عرف لانغدون الصورة على الفور. إنها خارطة الجحيم لساندرو بوتيتشيلّي، والتي استلهمها من رؤية الكاتب دانتي للجحيم، ولكنها معدّلة رقمياً؛ فهناك العديد من الحروف غير الموجودة على اللوحة الأصلية تكون كلمة CATROVACER إذا ما تم ترتيب الأحرف من الأعلى إلى الأسفل، وهناك طبيب طاعون، وهناك سطر مكتوب في نهاية اللوحة باللغة الإيطالية ويعني (لا يمكن لمح الحقيقة إلا عبر عيون الموت). تساءل لانغدون: " كيف وصل هذا إلى سترتي". 

في تلك اللحظة، على متن المينداسيوم، خرج العميد إلى سطح القارب. لقد عرّضت العميلة الميدانية فايينثا كل شيء للخطر، ومع أنها ستخضع للتحقيق بعد انتهاء هذه المهمة، إلا أن العميد ما زال بحاجة إليها. جاءته إحدى المحللات اللواتي يعملن لديه لتخبره بأن لانغدون دخل إلى حساب بريده الإلكتروني، وأنه بالإمكان تتبع موقعه بدقه. لم يستغرق العميد سوى لحظة واحدة لاتخاذ القرار. 

 سمعت سيينا صوتاً متقطعاً لإطاراتٍ تتوقف فجأة. نظرت عبر النافذة فرأت مجموعة من الرجال، يرتدون البذلات السوداء، يخرجون من سيارة فان سوداء. اندفع أربعة منهم نحو مدخل المبنى السكني. صاحت سيينا: روبرت! لا أعرف من هم، لكنهم عثروا علينا!  

في الجهة المقابلة أخذت فايينثا تنظر إلى الرجال العملاء الذين اندفعوا إلى داخل المبنى السكني، وقالت: "اللعنة ماذا يفعلون هنا؟!" اتصلت بالعميد وأخبرته بأن وحدة المراقبة والدعم بقيادة كريستوف برودر، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، موجودة هنا. فجاءها الرد إلكترونياً: لقد بدأ بروتوكول التنصل. شحب وجهها. لقد قطع الكونسورتيوم كل روابطه بها. عملت فايينثا لصالح الكونسورتيوم لمدة إثني عشر عاماً، وتدرجت في الرتب من وحدة الدعم الأساسية، إلى منسقة استيراتيجية، إلى أن أصبحت عميلة ميدانية عالية الرتبة. وحتى لا تفشل فايينثا الآن في مهمتها عليها أن تجد لانغدون قبل رجال الشرطة. 

 حثت سيينا روبرت لانغدون قائلة: أسرع روبرت. اتبعني! أسرعت سيينّا خارجة من المبنى يتبعها لانغدون منتعلاً حذاءه المطاطي الخفيف. نزلا إلى الطابق السفلي، وركبت سيينا دراجة بثلاث عجلات، وركب لانغدون خلفها، وانطلقا سريعاً بعيداً عن مكان الجنود. تبعهما فان أسود. انحرفت سيينا إلى اليمين وأوقفت الدراجة وراء شاحنة مركونة على جانب الطريق، واختبئا خلف الشاحنة. مر الفان من جانبهما من دون توقف، وكان واضحاً أن ركاب الفان لم يروهما إطلاقاً. وفي أثناء مرور الفان، لمح لانغدون شخصاً في الداخل. على المقعد الخلفي، كانت ثمة امرأة مسنة جذابة تجلس بين جنديين وكأنها أسيرة، وقد تدلى شعرها الطويل الفضي على ظهرها. للحظة ذُهل لانغدون. كانت تلك هي المرأة التي رآها حين كان يهذي. 

 قادت سيينا دراجتها عبر شوارع فلورنسا. قالت: هل أنت واثق أن المرأة التي رأيتها في الفان هي نفسها التي تظهر في أحلامك؟ قال لانغدون: بكل تأكيد. قالت: يبدو أن فرصتك الوحيدة للعثور على أجوبة هي بفك رموز الخريطة... ويبدو أنها السبب وراء مطاردتك. قال لانغدون: إن كان ثمة أجوبة، فسنجدها في المدينة القديمة لفلورنسا. وافقته سيينا. 

أسندت المرأة ذات الشعر الفضي رأسها على الزجاج المقاوم للرصاص وأغمضت عينيها. شعرت وكـأن العالم يدور من حولها. تساءلت عن كيفية إيجادها نفسها في هذه الظروف السريالية. إنها تعرف أين بدأ كل شيء. فمنذ عامين، سافرت إلى مانهاتن من جنيف لإلقاء محاضرة. كانت تشغل منصب مديرة منظمة الصحة العالمية، وهو مركز مرموق تشغله منذ عشر سنوات. إنها د. اليزابيث سينسكي المتخصصة في الأمراض المعدية وانتشار الأوبئة. تذكرت لما استدعاها مجلس العلاقات الخارجية. وهناك استقبلها رجل وعرض عليها لوحة الفنان دوريه. اللوحة التي تصور بحراً من البشر وحشوداً من المرضى المكدسين فوق بعضهم البعض، والتي تفسر رؤية دانتي اليغييري للجحيم. تذكرت لما قال لها الرجل: هل تعرفين أنك إن عشت تسعة عشرة عاماً، فستشاهدين تضاعف سكان العالم ثلاث مرات في حياتك. فالطلب على الموارد الطبيعية سيتضاعف، وسيصعب الحصول على المياه النظيفة. فلماذا لا تجرؤ منظمة الصحة العالمية على التعامل مع هذه المسألة بشكل حاسم؟ فقالت اليزابيث: لقد أنفقنا ملايين الدولارات لتوزيع وسائل مجانية لمنع الحمل، وتوعية الناس حول تحديد النسل. فقال: لقد أحضرتك إلى هنا لأعمل معك. فالإنفجار السكاني مشكلة صحية. فتحْتَ وطأة الضغط السكاني، من لم يفكروا في السرقة مطلقاً سيتحولون إلى لصوص لإطعام أسرهم. ومن لم يفكروا في القتل يوماً سيقتلون من أجل تربية صغارهم. كل خطايا دانتي المميتة: الطمع، والشره، والخيانة، والقتل، ألخ... ستتوالى، وستطفو على سطح البشرية. وستنتشر الأمراض بين البشر. قالت: أنا على ثقة بأننا سنتمكن من منع انتشار الأوبئة في المستقبل. قال: هذا مثير للشفقة. قالت: أخبرني إذاً بحسب رؤيتك لمستقبلٍ مستدام، ما هو العدد المثالي لسكان الأرض؟ ومضتْ عينا الرجل الخضراوان وقال: أربعة مليارات. فقالت اليزابيث: الحل هو أن تقضي على البشرية! إنك مجنون! إني أعتبر أفكارك إرهاباً. =أخذ لانغدون يفكر في لوحة الجحيم المعدلة التي أظهرتها الأسطوانة. قال لسيينا: إن الأحرف العشرة تشير إلى مكان معين في المدينة القديمة. ثم أخذ لانغدون في إعادة ترتيب الأحرف العشرة وتوصل إلى كلمتين وهما: cerca… trova والتي تعنيان بالإيطالية : "إبحث" و"جد". فقال لانغدون: إن هذه الكلمة تشير تحديداً إلى لوحة جدارية معلقة في قصر فيكيو؛ جدارية جورجيو فاساري التي تحمل عنوان: "باتاليا دي مارتشانو" في قاعة الخمسمائة. ففي أعلى الجدارية كتب فاساري بأحرف صغيرة هاتين الكلمتين، وثمة نظريات حول سبب ذلك، لكن لم يتم اكتشاف أي دليل حاسم. 

أخذ لانغدون وسيينا يتجهان ناحية قصر فيكيو الذي كان محاطاً بالشرطة. اقتربت منهما طائرة استطلاع صغيرة من دون طيار مزودة بكاميرا فيديو. قالت سيينا: هناك بعض المتنفذين مصممون على العثور عليك. قال لانغدون: سيقبضون عليّ في النهاية. من الأفضل أن أكف عن الهرب. فقالت سيينا: كلما توقفت حاول شخص ما إطلاق النار عليك! يجب أن تعرف ما أنت متورط فيه. يجب أن تنظر إلى جدارية فاساري وتدعو لكي تنعش ذاكرتك. ربما ستساعدك في معرفة مصدر هذه الإسطوانة الموجودة معك، كما أنك كنت تهذي عندما وصلت المستشفى وكنت تقول: أنا أملك المفتاح لإيجاده... إن فشلت، فمصيرنا الموت؟! 

 كانت فايينثا تعلم إلى أين سيتجه لانغدون. فتوجهت إلى المدينة القديمة لفلورنسا. لقد تسببت بفشلِ مهمةٍ حرجةٍ للعميد. إن كانت محظوظة فستواجه استجواباً رسمياً. أما إن لم تكن كذلك فقد تمضي بقية حياتها هاربة. لكن، ما دام لانغدون هارباً، فإن الفرصة متاحة أمامها لمواصلة تنفيذ الأوامر الأصلية. 

 استطاع لانغدون وسيينا أن يصلا إلى قصر فيكيو عن طريق رواق فاساري بعد مغافلة حارس الرواق. ذهبا مباشرة إلى قاعة الخمسمائة. نظر لانغدون إلى اللوحات الضخمة التي تزين الجدران. ولكن كان مهتماً بتحفة تاريخية واحدة في القاعة: لوحة معركة مارتشانو. أمعن لانغدون النظر إلى الجزء العلوي الأيمن من الجدارية الضخمة حيث كتب فاساري على العلم الأخضر رسالته الغامضة: cerca trova . أخذ يتأمل مشهد الحرب الفوضوي الذي تشير إليه اللوحة لعلها تحرك فيه ذكريات ما! كان يبحث عن معنى الجملة ( لا يمكن لمح الحقيقة إلا عبر عيون الموت). 

فجأة سمعوا صوتاً يقول: سينيوري، ما زالت الصالة مقفلة! التفت لانغدون ليرى موظفة تقترب منه. ولما رأته عن قرب، هتفت وقد بدا عليها الإحراج: بروفيسور لانغدون! لم أعرف أنك هنا. مرحباً بك مرة أخرى! جمد لانغدون في مكانه. كان واثقاً أنه لم ير هذه المرأة في حياته. قالت: لم يذكر إيل دوومينو أنك ستعود اليوم. قالت سيينا: أنا سيينا، شقيقة روبرت. فقالت السيدة: أهلاً، أنا مارتا الفاريز. قال لانغدون: أظن أنك تعرفين لماذا أنا هنا. قالت مارتا: بالطبع أعرف سبب عودتك. بما أنك أمضيت قرابة الساعة الليلة الماضية مع إيل دوومينو هناك، فأنا أظن أنك أتيت لتريه لأختك. فقال لانغدون متوتراً: نعم... بالضبط. أريد أن تراه سيينا. قالت مارتا: إتبعوني إذاً لمشاهدة قناع الموت؛ وهو مجرد قالب من الجص يؤخذ لوجه المرء بعد وفاته. وهذا القناع يعود لوجه الشاعر الإيطالي دانتي أليغييري الذي كتب الكوميديا الإلهية التي تصف رحلة تخيلها خلال الجحيم. 

اصطحبت مارتا لانغدون وسيينا إلى الطابق الثاني حيث يوجد قناع الموت. كانت قد اصطحبته بالأمس مع إغناتسيو بوزوني، المعروف بلقب إيل دوومينو، شخصية مشهورة في عالم فلورنسا الثقافي. كان إغناتسيو مدير متحف موزيو ديل أوبرا ديل دوومو منذ مدة طويلة، ويشرف على مختلف نواحي الموقع التاريخي الأبرز في فلورنسا. فقالت مارتا: دعيني أريك أولاً يا آنسة سيينا قناع الموت الخاص بدانتي فلقد أمضى لانغدون وإيل دوومينو ما يقارب النصف ساعة البارحة وهما يتأملان القناع. دخلوا إلى غرفة القناع. ولكنهم جميعاً كانوا متفاجئين عندما وجدوا أن الخزانة التي بها القناع فارغة. قالت مارتا: لقد اختفى قناع دانتي! يجب أن نرى كاميرات المراقبة. 

ذهب الجميع ليتفقدوا كاميرات المراقبة. وهناك رأى لانغدون نفسه الليلة الماضية وهو يرتدي سروالاً كاكياً، ومنتعلاً حذاءه الخاص. فقال لنفسه: "ها أنا ذا قبل أن أتعرض لإطلاق النار". ولكن لانغدون كان يشعر باضطراب كبير وهو يشاهد نفسه يفعل أشياءً لا يذكرها إطلاقاً. تساءل: "هل كنت هنا في الليلة الماضية... ورأيت قناع الموت؟" قالت مارتا: إن هذا القناع ملك للملياردير السويسري بيرتراند زوبريست، الكيميائي الحيوي الشهير الذي جنى ثروة كبيرة من الإختراعات البيولوجية في سن مبكرة. وهو من دعاة معادلة الإنهيار السكاني، وهو الذي اعتبر الطاعون الذي تفشى في أوروبا في القرن الرابع عشر منفعة اجتماعية. فقد كان الإكتظاظ السكاني والمجاعة والأزمة الإقتصادية هي الصفات التي ميزت عصر الظلمات. ولكن الإنتشار المفاجيء للطاعون كان فعالاً في خفض أعداد السكان، وإيجاد وفرة من الغذاء والفرص. واستناداً إلى الكثير من المؤرخين، شكّل ذلك العامل الأوليّ لمجيء عصر النهضة. 

شاهد لانغدون نفسه، على شريط الفيديو بعد أن ذهبت مارتا إلى الحمام، وهو يُخرج زوجاً من القفازات من جيب سترته، ويرتديهما بينما كان إيل دوومينو خلفه... ثم يقوم بفتح خزانة القناع، ويمسك بقناع دانتي ويخرجه، وينظر إلى الجهة الخلفية للقناع. حينها تذكر لانغدون العبارة: لا يمكن لمح الحقيقة إلا عبر عيون الموت. ثم شاهد لانغدون نفسه يعطي القناع لإيل دوومينو الذي وضعه في حقيبته. ثم غادرا المكان. 

 رفع الحارسان مسدسيهما في وجه لانغدون. شهقت مارتا وقالت للانغدون: ماذا فعلت؟ لماذا؟ أنت وإغناتسيو سرقتما قناع دانتي؟ فقال لانغدون محاولاً أن يرتجل: لقد أخذنا إذناً من المالك. فقالت سيينا: روبرت... منذ ستة أيام، ألقى بيرتراند زوبريست بنفسه من أعلى برج باديا، على بعد مسافة قصيرة من هذا المكان!! 

ما زال نولتون، منسق الكونسورتيوم، يتذكر الشعار الذي يعلمونه للتقنيين الشباب عندما يبدأون بالعمل في المنظمة. لا تسأل، بل نفذ وحسب. وضع على مضض بطاقة لاصقة حمراء لتذكيره بتلك المهمة في الصباح الباكر، وتساءل عما ستفعله وسائل الإعلان بتلك الرسالة الغريبة. هل ستعرضها أساساً؟ بالطبع ستفعل، فهي من بيرتراند زوبريست. لم يكن زوبريست شخصية ناجحة جداً في عالم الطب البيولوجي فحسب، بل ذاع صيته مؤخراً نتيجة انتحاره الأسبوع الفائت. وهذا الشريط الذي يستغرق عرضه تسع دقائق سيبدو وكأنه رسالة من القبر. ونظراً إلى درجة تشاؤمه، سيستحيل تقريباً على الناس إيقافه. فهذا الشريط سينتشر كالنار في الهشيم بعد دقائق من إطلاقه. 

لم تفهم مارتا لماذا يقوم رجل محترم مثل لانغدون بخداعها على هذا النحو الصارخ، ويسرق تحفة أثرية لا تقدر بثمن. وبمساعدة إغناتسيو بوزوني؟! هذا مستحيل! أرادت أن تسمع رأي إغناتيسو بفعلتهما بصراحة، فاتصلت على سكرتيرته. فقالت السكرتيرة إن إغناتسيو قد أصيب ليلة أمس بذبحة قلبية خطيرة، ومات على أثرها!!! فقالت مارتا للسكرتيرة: أوجينيا، لقد رأيت على تسجيل كاميرات المراقبة إن إغناتسيو ولانغدون قاموا بسرقة قناع الموت، ولانغدون محتجز عندي الآن. فقالت أوجينيا: أريد أن أتحدث إليه. أعطت مارتا الهاتف إلى لانغدون. قالت أوجينيا: أنا أوجينيا، سكرتيرة إغناتسيو. لقد التقينا ليلة أمس في مكتبه. أنا آسفة لإخبارك إن إغناتسيو قد مات ليلة أمس إثر ذبحة صدرية. وقبل أن يموت ترك لي رسالة وطلب مني أن أسمعك إياها، سأشغلها الآن. سمع لانغدون بعدها تسجيل صوتي ضعيف لإغناتسيو. قال: أوجينيا، أنا في ورطة، ولا أظن أني سأتمكن من العودة للمكتب. روبرت، أتمنى ان تكون قد فررت. ما زالوا يلاحقونني... وأنا لست بخير. روبرت، ما تبحث عنه بأمان. الأبواب مفتوحة أمامك، ولكن عليك أن تسرع. الجنة خمس وعشرون. بالتوفيق. عندها قال لانغدون لأوجينيا: أريد منك أن تحذفي الرسالة ولا تذكري للشرطة أنك تحدثت إلي. ثم أغلق روبرت الخط. قال لمارتا: القناع بأمان، فقد خبأه إغناتسيو قبل أن يموت. وأظن أنه ترك لي فكرة عن مكانه. يمكنني أن أعيد إليك القناع، ولكن عليك أن تتركيني فوراً. فقالت مارتا: لن أفعل شيئاً كهذا! فالشرطة على وشك الوصول إلى هنا. فقالت سيينا: مارتا، نحن آسفان، لم نكن صادقين معك. أولاً، أنا لست شقيقة لانغدون. ثم أخبرت سيينا مارتا بأنها تعمل في مستشفى في فلورنسا، وأن لانغدون قد وصل الليلة الماضية مصاباً بطلق ناري في رأسه، وشرحت لها أن لانغدون لا يذكر أي شيء، وتفاجأ بالشريط المسجل هذا تماماً. سمعوا صوت أزيز طائرة يقترب من النافذة. قالت سيينا: انبطحوا أرضاً، سيطلقون النار علينا. انبطحت مارتا والحارس على الأرض، فأمسكت سيينا بيد لانغدون وهربا من الغرفة. 

 هرب لانغدون وسيينا إلى أعلى قاعة الخمسمائة. وهناك اجتازا العوارض الخشبية التي تحمل اللوحات السقفية للقاعة إلى الجهة الأخرى حيث يوجد ممر سري يؤدي إلى خارج القصر. تبعتهم فايينثا، ولكنها سقطت من على العوارض الخشبية إلى أرضية قاعة الخمسمائة، ممزقة إحدى اللوحات السقفية. وهكذا تلاشى عالم فايينثا. 

 خرج لانغدون وسيينا بعدها من ذلك الممر السري إلى شوارع فلورنسا. كان هناك رجل كهل يراقبهما. كان الرجل مصاباً بطفح جلدي، وبدا أن وضعه يتفاقم مع ظهور بثور صغيرة على كل جسده. أخذ الرجل يتبعهما، محافظاً على مسافة آمنة بينهما. قالت سيينا: إني أفكر في بزوبريست. لقد أطلق رسالة قبل سنوات وقال فيها إن الجنس البشري على شفير الإنقراض، وما لم تقع كارثة تخفض بشكل كبير النمو السكاني في العالم، فإن جنسنا لن يعيش مائة عام أخرى. وأعلن أنه يجب على الأطباء التوقف عن ممارسة الطب لأن تمديد فترة حياة الإنسان لا يؤدي سوى إلى تفاقم المشكلة السكانية. وقد تعرض بها للإنتقاد من قبل السياسيين، ورجال الدين، ومنظمة الصحة العالمية. وبعدها أعلن زوبريست أنه استخدم الهندسة الوراثية لإنشاء الأمراض للحد من النمو السكاني. فقد قال زوبريست إن التكنولوجيا التي ابتكرها يجب أن تستعمل للحد من النمو السكاني من خلال إنتاج سلالات هجينة من المرض يعجز الطب المعاصر عن إيجاد حل لها. شعر لانغدون بالذعر وهو يستحضر صوراً لفيروسات هجينة ما إن يتم إطلاقها حتى يستحيل إيقافها. راح العميد يسير في مكتبه مقاوماً إغراءً يحثه على صب كأس أخرى من الشراب. قبل عام، جاء إليه العالم الوراثي بيرتراند زوبريست وطلب مكاناً آمناً ليعمل فيه. وهذه ليست المرة الأولى التي تتم فيها الإستعانة بالكونسورتيوم من قبل علماء ومهندسين مصابين بجنون العظمة، يفضلون العمل في عزلة شديدة لكي لا تتم سرقة أفكارهم. فقبل العميد تقديم خدماته للزبون، ولم يتفاجأ العميد عندما علم أن أعضاء منظمة الصحة العالمية ومديرتهم، إليزابيث سينسكي، جعلت من تحديد موقع زوبريست مهمة شخصية. ولقد تمكنت إليزابيث من إيجاد زوبريست في فلورنسا، قبل انتهاء العقد ما بين الكونسورتيوم وزوبريست بإسبوع. وراحت تلاحقه إلى أن أقدم على الإنتحار. وهكذا، فشل العميد للمرة الأولى في حياته المهنية في توفير الحماية للزبون. بعد وفاته، قامت سينسكي بمصادرة شيء من خزنة زوبريست. وبعدها أصبح الكونسورتيوم في مواجهة سينسكي في فلورنسا، من أجل أسترجاع ما أخذته سينسكي من خزنة زوبريست. أخذ العميد يفكر فيما قاله له المنسق نولتون: أظن أنك قد ترغب في رؤيته قبل التحميل... المضمون مقلق للغاية. كان على العميد أن يتخذ قراراً بالغ الصعوبة وبسرعة. 

في متحف منزل دانتي، عثر لانغدون على نسخة إلكترونية من الكوميديا الإلهية التي تحتوي على النشيد 25 ، وتمنى أن يجد في النص إشارة إلى المكان الذي خبأ فيه إغناتسيو قناع دانتي. كان النشيد يقول: إن كان سيحدث... إن كانت هذه القصيدة المبجلة، هذا العمل المتقاسم بين السماء والأرض، الذي جعلني أنحني مع مرور السنوات الطويلة..... عندئذ بصوت آخر وبصوف آخر، سأعود كشاعر وأضع، عند جرن معموديتي، إكليل الغار؛ لأنني هناك اعتنقت ذلك الإيمان الذي يجعل النفوس ترحب بالله، ويومها، بسبب ذلك الإيمان، كلل بيتر جبيني. قرأ لانغدون هذه السطور وقال: عرفت ماذا حاول إغناتسيو أن يقول لي. إنه يدلني إلى المكان الذي تعمّد فيه دانتي. 

انتقل لانغدون إلى معمودية سان جوفاني الواقعة في مجمع كاتدرائية فلورنسا. كان الباب الرئيس للمعمودية مصنوعاً من البرونز المذهب، ويطلق عليه أبواب الجنة. تبين للانغدون وسيينا أن أبواب الجنة غير مغلقة. دخلا إلى داخل المعمودية وأغلقا الباب خلفهما. كانت فارغة في هذا الوقت. اتجه لانغدون إلى منصة مرتفعة وراء بوابة مزخرفة. كان ثمة قاعدة سداسية من الرخام المنحوت، وفوقها غطاء خشبي. أزال لانغدون الغطاء الخشبي، ونظر إلى تجويف القاعدة. كان قناع دانتي داخل التجويف. أمسك لانغدون بالقناع وأخذ يتأمل ظاهره وباطنه. وجد أنه مكتوب على باطن جبين دانتي الحرفp سبع مرات. فقال لانغدون: هذا يعني الخطايا السبع المميتة. من الواضح أن زوبريست، مالك هذا القناع، كان مولعاً بدانتي، ويعرف عن الأحرف p السبعة وعملية إزالتها عن الجبين كوسيلة للتقدم نحو الجنة. دعينا نمسح هذه الأحرف. وعندما مسح لانغدون الأحرف p السبعة ظهر نص مكون من مائة كلمة يبدأ بالجملة "يا أيها المسكون بالحكمة". فقال لانغدون: إنها مأخوذة من أحد أشهر مقاطع دانتي. أخذ لانغدون يقرأ النص وقال: إن النص يتكلم عن قطع رؤوس الخيل... واقتلاع عظام عمياء... كما يذكر مياهاً حمراء كالدم... مياه البحيرة التي لا تعكس النجوم... ويقول النص: إركع في المزيون الذهبي للحكمة المقدسة، وضَعْ أذناً صاغية على الأرض، لتسمع خرير المياه. إهبط إلى أعماق القصر الغارق... فهناك ينتظر الوحش القابع في العالم السفلي، مغموراً بمياه حمراء كالدم... مياه البحيرة التي لا تعكس النجوم. كان ثمة ذكر لواحدة من أكثر المدن إثارة وفرادة في العالم. اعتقد لانغدون أنها البندقية. وكان النص يطلب من قارئه أن يُنفّذ توجيهاته. 

 وفجأة دخل رجل إلى القاعة. كان هذا الرجل هو المصاب بطفح جلدي والذي كان يتبعهما. قال الرجل: لانغدون، ماذا تفعل هنا؟ فقال لانغدون: من أنت؟ فقال الرجل: أنا جوناثان فيريس من منظمة الصحة العالمية، وأنا من أحضرك إلى هنا من جامعة هارفرد. لماذا لم تتصل؟ قالت سيينا: لقد أصيب لانغدون بعيار ناري في رأسه، وهو يعاني من فقدان الذاكرة الإنتكاسي. لقد استيقظ الليلة الماضية في المستشفى الذي أعمل فيه، وصادف أشخاصاً يحاولون قتله. كما أن هناك رؤى تراوده؛ فيها جثث، وضحايا طاعون، وامرأة ذات شعر فضي وتميمة على شكل ثعبان. فقال الرجل: هذه اليزابيث سينسكي! إنها المرأة التي جندتك لمساعدتنا. قال لانغدون: كيف وجدتنا هنا؟ فقال الرجل: لقد اتصلت بي يا روبرت الليلة الفائتة لتخبرني أنك حددت موعداً مع إغناتسيو، ثم اختفيت بعد ذلك. ولما سمعت أن إغناتسيو مات اليوم شعرت بالقلق، وبدأتُ في البحث عنك. وقد رأيتك تخرج من باب صغير من قصر فيكيو فتبعتك. 

شعرت إليزابيث سينسكي بالغثيان يتفاقم وهي تهتز في المقعد الخلفي للفان. أخذت تفكر في زوبريست. أين سيطلق زوبريست وباءه! ولكن ماذا سيفعل لانغدون حيال ذلك. لم تتعرف سينسكي على لانغدون سوى منذ بضعة أيام، لكنها تجيد عادة الحكم على الأشخاص، وترفض تصديق أن رجلاً مثل لانغدون يمكنه أن يضعف أمام المال. لكننا فقدنا الإتصال به منذ ليل أمس. هل تم إقناعه أن أفعال زوبريست منطقية؟ تذكرت اليزابيث لمّا عرضت على لانغدون الإسطوانة التي صادرتها من خزنة زوبريست. هزت الإسطوانة، وقامت بتسليط الضوء الصادر من الإسطوانة على الجدار لتظهر لوحة خارطة الجحيم لبوتيتشيلي. أخبرت لانغدون بما تريده فقالت له: إنني آمل أن تشرح لي الرمزية المخبأة في هذه اللوحة. فقال لانغدون: إنها لوحة معدّلة للوحة خارطة الجحيم. ثم توقف لانغدون عند الأحرف العشرة التي تكون الكلمة CATROVACER ... ومن ثم قناع الطاعون...وعند الجملة "عيون الموت" المكتوبة عند طرف اللوحة. وبعد فترة قصيرة، أخبرها لانغدون أن الأحرف العشرة تعني cerca… trova ومعناها "من يبحث يجد". وأن المكان الذي يجب أن تبدأ البحث منه هو فلورنسا، حيث أن الكلمتين cerca… trova موجودة على لوحة جدارية لفاساري في قصر فيكيو. فقالت إليزابيث: أريدك أن ترافقني إلى فلورنسا لمساعدتي على إيجاد شيء، فالوقت ينفذ. 

استقر كل من لانغدون وسيينا ود. فيريس في القطار المتوجه إلى البندقية. قالت سيينا وهي تتطلع إلى القناع: إنه أملنا الوحيد للحؤول دون انتشار وباء زوبريست. قرأ لانغدون بعض النصوص المكتوبة على القناع: إبحث عن دوق البندقية الخائن، الذي قطع رؤوس الخيل، واقتلع عظام العمياء. قال لانغدون: يبدو أنه علينا أن نبحث عن متحف (مزيون) فيه دوق معين ارتكب خيانة وقطع رؤوس الخيل. إنها بازيليك سان مارك، أكبر كنيسة في البندقية. سنذهب إلى هناك، وسنعثر على تمثال أو قبر ذلك الدوق الخائن، ثم سنركع، وسندعو من أعماق قلوبنا لكي نسمع خرير الماء... ولكي يقودنا إلى القصر الذي اختاره زوبريست لنشر الوباء منه. 

فتح العميد للمرة الثانية الفيديو الخاص بزوبريست. كان الفيديو يعرض كهفاً تحت الأرض مائلاً للإحمرار. ثم تظهر الكاميرا سطح بحيرة، قبل أن تغوص عدة أقدام تحت الماء، لتكشف عن لوحة التيتانيوم المثبتة بالأرض والمكتوب عليها الجملة: في هذا المكان، وفي هذا التاريخ، تغير العالم إلى الأبد. ثم مالت الكاميرا لتعرض كيساً مغموراً بالمياه، ويحتوي على سائل بني مائل إلى الإصفرار. ثم ظهر ظل أنف معقوف وقال بلغة غامضة: أنا الظل... بعدما أصبحت تحت التراب، عليّ أن أتحدث إلى العالم من أعماق الأرض، منفياًّ في هذا الكهف المعتم الذي تتجمع فيه مياه حمراء بلون الدم في بحيرة لا تعكس النجوم. ولكن، هذه جنتي... الرحم المثالي لطفلي الضعيف. الجحيم. ثم أخذ ذو الأنف المعقوف يواصل حديثه عن الأوبئة، وحاجة السكان إلى التطهير، ومعركته ضد أرواح جاهلة كانت تحاول إيقافه. لقد صنعتُ تحفة للخلاص، والآن يقترب الموعد. قال العميد: هل نعرف أين يكون هذا المكان؟ فهز نولتون رأسه نافياً. قال العميد: سأتصل بالشخص الذي أحال لنا زوبريست، وهذا الشخص هو د.سيينا بروكس! اتصل العميد بالدكتور فيريس. وبعد أن أتم الإتصال قال لنولتون: علينا مشاركة هذا الفيديو مع د. اليزابيث سينسكي. 

 أخذت سيينا تتذكر المرة الأولى التي قابلت فيها زوبريست. ذهبتْ لحضور إحدى محاضراته في يوم بارد. لم يتواجد في القاعة سوى عشرة من المعجبين به. فأخذنا إلى الفندق الذي ينزل فيه. أخذ يتحدث عن أبحاثه وعن مستقبل الهندسة الجينية. وأشعلت فيّ عيناه الخضراوان إحساساً غير متوقع. قضيت عنده تلك الليلة، وأصبحنا أكثر من عاشقين. 

انطلقت الطائرة التي تحمل د. إليزابيث سينسكي باتجاه البندقية. كانوا قد توقفوا عن إعطائها الحقن، وبدأت تشعر أن تفكيرها أصبح أكثر وضوحاً. بجانبها جلس العميل برودر. أخذت تتذكر المكالمة التليفونية التي أتتها من شخص مجهول. كان المتصل يقول: أنا شخص يريد تقديم المساعدة قبل فوات الأوان. لدي رسالة فيديو صورها زوبريست، وطلب مني أن أنشرها غداً. وأعتقد أن عليك رؤيتها حالاً. قالت إليزابيث: كيف أثق بك؟ قال المتصل: إن منظمتي هي المسؤولة عن إخفاء زوبريست عنك طوال العام الفائت. ثم أخذ يشرح لها عن مكان تواجد لانغدون، ولماذا يتصرف على هذا النحو الغريب. وأنه يتنقل عن غير قصد مع شخص خطير، من المقربين لزوبريست. تذكرت اليزابيث عندما قامت بتجنيد لانغدون قبل يومين، وعن مواجهتها لزوبريست في مجلس العلاقات الخارجية، وعن شغفه بمعادلة الإنهيار السكاني، وأنه يريد أن يخفض أعداد البشر، ويعتقد أن هذا سيكون عملاً بطولياً لبقاء الجنس البشري. ثم أعطت إليزابيث لانغدون الأنبوب الذي يحتوي على الإسطوانة التي تعرض لوحة خارطة الجحيم المعدّلة. قالت له: إعتبره خزنة محمولة. 

 ذهبت إليزابيث لملاقاة العميد في المينداسيوم والتي كانت متواجدة مقابل ساحة سان مارك. رحب بها العميد وأراها الفيديو الذي أعطاه إياه زوبريست وطلب منه نشره. واتفقا على التعاون فيما بينهما. 

عندما وصلوا إلى البندقية، وضع لانغدون القناع في خزانة شخصية في محطة القطارات. استقلوا مركباً مائياً إلى سان مارك. أخذ لانغدون ينظر إلى بازيليك سان مارك. على سطح الكنيسة ارتفع تمثال سان مارك. وهناك أحصنة سان مارك الأربعة النحاسية. كانت هذه الأحصنة منهوبة من القسطنطينية شأنها شأن الكثير من كنوز البندقية. وقد تم قطع رؤوسها لتسهيل نقلها، ثم أعيدت الرؤوس لها. شعر لانغدون أن الصور تتزاحم في عقله، أحصنة سان مارك، والكنوز المنهوبة من القسطنطينية. فهمس: يا إلهي، هذه هي! فالقصيدة التي تتكلم عن دوق خائن قطع رؤوس الخيل لا تشير إلى أحصنة حية، بل تشير إلى هذه الخيول. فقال لسيينا: إننا في البلد الخاطيء. وفجأة سمعوا صوت جلبة ورأوا جنوداً يدخلو ن إلى الكنيسة، وفي نفس الوقت سقط د. فيريس على الأرض مغشياً عليه. قامت سيينا بفحصه فتبين أنه مصاب بنزيف داخلي. أخذت سيينا محفظة فيريس وتليفونه وأمسكت بيد لانغدون تجره لمغادرة المكان. كان هناك جنود على مدخل الكنيسة، فنزلا إلى القبو. وصلا إلى غرفة صغيرة يوجد بها مَنْور يطل على ساحة سان مارك، عليه شبك حديدي. استطاعا أن يفتحا الشبك الحديدي بمساعدة إحدى البائعات في الساحه. خرجت سيينا من المنور إلى الساحة بمساعدة لانغدون. ولما أراد لانغدون الخروج أمسكت به ذراعان قويتان. فقال لسيينا: أهربي فوراً! فقالت سيينا: أنا آسفة لانغدون. ثم أخذت بالركض. 

 عاد لانغدون إلى وعيه. شعر بأنه على متن سفينة ما. وفجأة ظهرت إليزابيث أمام لانغدون وقالت: الحمد لله أنك بخير. لقد عرفت من العميد كل شيء وأنك مصاب بفقدان الذاكرة. أنا اليزابيث سينسكي. أنا مديرة منظمة الصحة العالمية، وقد جندتك لمساعدتي على العثور على وباء صنعه زوبريست. وكنت ستقوم بمساعدتي أنت وصديقك إغناتسيو. هل تذكرت؟ فقال لانغدون: كلا، لقد استيقظت في أحد المستشفيات مع أنبوبة بها اسطوانة، وكانت تجتاحني رؤى غريبة، وجاء جنود لقتلي. فقالت اليزابيث: إن الجنود الذين لحقوك إلى بيت سيينا لم يكونوا يريدون إيذاءك إطلاقاً، وهم ينتمون إلى شعبة المراقبة والدعم، التابعة للمركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها، بقيادة العميل برودر، وأنا من استدعيتهم إلى هنا لمساعدتي. لقد فقدنا الإتصال بك، وظننا أنك انضممت إلى الفريق الآخر، فبدأنا في البحث عنك. ولم نعلم بأنك تعاني من فقدان الذاكرة. والآن، هل لديك أي فكرة عن مكان وجود وباء زوبريست؟ تردد لانغدون. حينها سمعوا صوتاً يقول: هل يستطيع لانغدون الوقوف؟ فقال لانغدون: نعم، أستطيع ذلك. فقال الرجل: إتبعني إذاً. هناك ما أريد أن أريك إياه لتطمئن أننا في الخندق نفسه. 

 وبعد أن شاهد لانغدون فيديو زوبريست، أخبره العميد بأن سيينا وزوبريست عشيقان منذ مدة طويلة. وهي التي أرسلته لنا لإخفائه. قالت سينسكي: ولما شعرتُ بأنني لن أتمكن من فهم الخارطة التي تعرضها الإسطوانة التي صادرتها من خزنة زوبريست في الوقت المناسب، طلبت مساعدتك. قال لانغدون: أخشى أن سيينا تعرف المكان الذي نتوجه إليه... ولن يكون الكيس بعيداً عن متناولها. قال العميد: لن تهزمنا أبداً، سنسبقها. وفي الطائرة، أوضح العميد للانغدون حالة فقدان ذاكرته. فقال: لقد خشينا أن تعرف بمكان ذلك الشيء قبل الوقت المحدد، وأن تصادره أو تدمره. فقمنا بحقنك بمادة كيميائية لإلغاء محتويات ذاكرتك قصيرة الأمد قبل أن تتحول إلى ذكريات طويلة الأمد. لم نتخيل مطلقاً أن زوبريست قد اخترع وباءً حقيقياً. فقال لانغدون: ولكن هناك شخص أطلق النار على رأسي. فقال العميد: لم يطلق أحد عليك النار، ولم تتعرض لأي إصابة في رأسك. ولكنا نحن من صنعنا شقاً صغيراً في فروة رأسك ثم أغلقناه بالقطب لتتوهم أنك تعرضت للإعتداء. أردناك أن تعتقد أن هناك شخصاً يريد قتلك. أما ما حصل في المستشفى فكان عبارة عن تمثيلية، والدكتور ماركوني ما يزال بخير. سأل لانغدون: وماذا عن سيينا؟ قال العميد: كانت تعمل معنا، وكذلك د. فيريس، وكذلك فيينثا الذي لم يحتوِ مسدسها سوى على مفرقعات، وكذلك التاكسي الذي نقلك لشقة سيينا. حتى الإتصال من صديقة سيينا في المستشفى كان زائفاً. وعندما اتصلتَ بالقنصلية، استخدمت رقماً أعطتك إياه سيينا. وقد أوصلك بالمينداسيوم. لقد نجح العميد ومنظمته الغامضة بجعل لانغدون يتوقف عن العمل لحساب سينسكي ويعمل لحسابهم. كانت المسرحية متقنة. 

 وصلت الطائرة إلى اسطنبول. ذهبوا – لاوغدون وسينسكي والعميل برودر – إلى آيا صوفيا والذي يعني اسمها الحكمة المقدسة. حيث تبين للانغدون أن دوق البندقية الخائن، إنريكو داندولو، قد دفن فيها. كانت آيا صوفيا كنيسة كاثوليكية ثم تحولت إلى مسجد، وهي الآن متحف. والطوابق السفلية منها مغمورة بالماء. أخذهم القيّم على آيا صوفيا إلى قبر داندولو في الطابق العلوي. وهناك سمعوا صوت خرير الماء. سأل لانغدون القيم عن المكان الذي تذهب إليه المياه. فقال إنها تتجمع في خزان المدينة الذي كان يسمى بالقصر الغارق، وهو الآن مَعلمٌ سياحي. كان المكان قريباً من آيا صوفيا، فقادهم القيم إلى المكان.  
نزل لانغدون وبرودر إلى أسفل الخزان. كانت هناك فرقة موسيقية تعزف في المكان الضيق أسفل الخزان، والمئات من المستمعين للفرقة. كان المكان مغموراً بالضوء الأحمر. كانت أرضية الخزان عبارة عن بحيرة بعمق أربعة أقدام، ولكنها لا تعكس النجوم. كان هناك ممرات كثيرة فوق الماء؛ مشكلة متاهة عائمة فوق الماء. أخذا يمشيان في الممرات بعيداً عن صوت الموسيقى. كان هناك لافتة مكتوب عليها: الميدوزا مع سهم يشير إلى مكانها. لقد كانت الميدوزا إحدى الأرواح المخيفة على شكل أفعى. فتذكر لانغدون النص الذي يقول: اهبط إلى أعماق القصر الغارق، فهناك، في الظلام، ينتظر الوحش القابع في العالم السفلي. فقال لانغدون لبرودر: يجب أن نتبع السهم لنصل إلى الميدوزا. ولما وصلوا إليها، نزل برودر إلى الماء للبحث عن كيس الوباء. وفجأة خرج شخص ملفوف بالسواد من الماء. اتجه هذا الشخص نحو لانغدون ودفعه على الأرض، وأخذ يركض على الممشى. كانت سيينا. فلحقها لانغدون سريعاً. 

 في البحيرة، وجد برودر لوحة زوبريست المكتوب عليها: في هذا المكان، وفي هذا التاريخ، تغير العالم إلى الأبد. أخذ يبحث عن الكيس المملوء بالوباء، ولكنه لم يجده. وجد خيطاً مربوطاً به قطعة صغيرة من الكيس القابل للذوبان. تيقن برودر أن الكيس قد تمزق، وأن الوباء قد انتشر. أخبر برودر سينسكي بذلك، فأرسلت سينسكي بعض أفراد فريق الدعم مع أجهزة كشف الفيروس لكشف وجود أي عدوى فيروسية. وقد أظهرت الأجهزة بأن المنطقة كلها مليئة بالفيروس، مما يعني أن الفيروس قد أطلق قبل عدة أيام. 

بعد مطاردة طويلة، توقفت سيينا عن الهرب، وواجهت لانغدون. قالت بعينين دامعتين: أنا واثقة أنك تكرهني، ولكنني كنت أحاول فعل الصواب. قال لانغدون: بنشر الوباء؟! قالت: كلا، أنت لا تفهم. لقد ذهبت إلى هناك للحؤول دون انتشار الفيروس... لسرقته وإخفائه إلى الأبد... لكي لا يتمكن أحد من تحليله، ولكنني لم أجده، فقد تحلل كيس الوباء وانتشر في العالم. قال لانغدون: إن كان الوباء قد انتشر منذ أسبوع، فلماذا لم يمت أحد؟ قالت: لأن الفيروس يسبب العقم. ولكنه يعمل بصورة عشوائية، فهو لن يكون ناشطاً إلا لنسبة معينة من الناس، سيصاب ثلث سكان العالم بالعقم. كنت أنوي إخفاء الوباء لأنه يتيح إمكانية التطهير العرقي على المستوى الجيني! ولكنني فشلت. قال لانغدون: ربما كانت ثمة طريقة لإبطاله. العالم يحتاج إلى معرفة ما تعرفينه. 

 اجتمع لانغدون وسيينا مع سينسكي في القنصلية السويسرية. قامت سيينا بإعلام سينسكي بكل ما تعرفه عن الفيروس الذي نشره زوبريست. قالت سينسكي: سيجتمع قادة الوكالات الصحية في جنيف خلال ساعات لمناقشة هذه الأزمة، وأود أن تحضري الإجتماع يا سيينا. 

 كانت جنازة إغناتسيو قد بدأت للتو عندما دخل لانغدون كاتدارئية سانتا ماريا ديل فيوري في فلورنسا. وأفادت وسائل الإعلام أن إغناتسيو قد توفي وهو يقوم بأكثر شيء يحب القيام به؛ أي التنزه ليلاً حول الدوومو. بعد انتهاء المراسم، توجه نحو قصر فيكيو. وهناك أعاد قناع دانتي إلى مكانه الأصلي. 



                                       النهاية.