الخميس، 21 مارس 2019


تلخيص رواية: 
 نجع الموتى: حسين السيد. 
إعداد وإشراف: رجاء حمدان.

 


إنفجرت كقنبلة موقوته صرخة مذعورة بغتة في الظلام. كانت مألوفة هب من فراشه علوان متوتراً وهو يدعو ان يجيب ربنا العواقب سليمه ؛ أدرك إلى من تنتمي هذه الصرخة . هرع على الفور، وهو يتمنّى أن يكون مخطئاً في ظنه . انقبض و خفق قلبه في عنف، إنها صرخة طفله الصغير سعدون، هذا الشقي، ذي الستة أعوام ، والذي لا يكف عن الشغب وإثارة المتاعب، والذي اختار أسوأ وقت ممكن ان يكون ؛ ليغادر البيت. أي شيطان رجيم هذا الذي زين له مغادرة البيت في مثل هذا الوقت ؟ نظر في ذعر إلى الضباب الكثيف القابع خلف الباب. سوف يخرج للبحث عن ابنه. تذكر ما يردده الجميع من تحذيرات منذ هبوط الضباب على النجع قبل أسبوع. تذكر كل من أهلكهم الضباب طوال الأسبوع. ابتلع ريقه في صمت ، وهو يتمنى ويدعو أن يعاود الطفل الصراخ مرةً ثانية؛ ليتأكد أنه ما زال حياً. هنا صرخ الطفل مرة أخرى. فخرج علوان من دون تفكير من البيت واتجه نحو الضباب، وهناك رأى: كيف يبدو للمرة الأولى ؟ الآن علم لماذا لقي مصرعه من سبقه في قلب الضباب؟ ثم أدرك أي حماقة قد اقترفها حين غادر البيت في هذا الوقت المجنون والعصيب. لكن هذا الإدراك للأمر كان متأخراً للغاية! 




قبل أسبوع.. لأكثر من ساعتين كان يتوجب عليهم أن يتوغلوا في قلب الجبل؛ كي يصلوا تلك النقطة النائية من الجبل التي لم يبلغها أحد. وفي النهاية أخيراً وصلوا إلى الصخرة التي أمام المغارة. صعد أولاً رجال سليم (المطاريد) الصخرة ثم صعد الحاج حسنين من بعدهم وتبعه الحاج حمد وسليم. قال سليم بفرح : إنها ساعة النصر التي انتظرناها طويلاً. لقد وجدناها أخيراً،ها هي المقبرة أمامنا !! قلبي يحدثني يا رجال أن هذه المرة مختلفة عن غيرها . أكاد أشم رائحة الذهب من مكاني من هنا. 


دخلوا المغارة؛ والتي هي المقبرة. بدت المقبرة إلى الحاج حمد غريبة . لم تكن هذه المرة الأولى التي يرى فيها مقبرة فرعونية ونقوش فوق جدرانها أحس بانها ليست كسابقاتها إنها تختلف . وبعد دقيقتين من المشي وصلوا إلى نهاية المغارة. كان هناك رجلان يشتغلان على حائط. ومن خلفهم الشيخ عثمان، والدجال العجوز الذي قادهم إلى هذا المكان بسحره . توقف رجلا سليم عن العمل، فقد واجها صخرة صلبة لا تستجيب للضرب عليها. نظر سليم إلى الشيخ عثمان. حينها اقترب الشيخ عثمان من الصخرة وتلمسها ، وأشعل البخور، وأخذ صوته بالارتفاع بكلمات غريبة غير مفهومه ، وابتهالات مجنونة. حينها اهتزت الجدران للحظة.. وانشقت الأرض وتكشفت عن هاوية سحيقة ابتلعت رجلا سليم، اللذان كانا يتفحصان ويعملان على الحائط، وتحركت الصخرة التي كانت تعيق تقدمهم، وكشف عن فجوة عميقة من خلفها تقودهم إلى حجرة في المقبرة. دخلوا إلى داخل حجرة المقبرة. وهناك شهق مندهشاً الشيخ حسنين وقال: يا إلهي. إنها مغارة علي بابا؟ وقال الحاج حمد: أنظروا إلى كل هذا الذهب والفضة والماس !! لا بد أنها تتجاوز عشرات الملايين. كان هناك ثلاث جثث غير متحللة في وضع الجلوس ، وكان هناك تابوت حجري . اقتربوا من التابوت الحجري الملقى على الأرض، وقرروا أن يفتحوه. كان الغطاء حجري ثقيلاً. تعاون بعض رجال سليم وساعدهم سليم على فتحه . وفي اللحظة التي بدأ ينفتح فيها غطاء التابوت سقط رجل سليم، وهو الأقرب إلى التابوت، إلى الأرض بلا حراك مرة واحدة. تحسس أحد الرجال الآخرين وريد عنقه ثم قال: لقد مات !! نظر سليم إلى داخل التابوت من خلال شق الفتحة. شعر بفزع وخوف شديد، فقفز للخلف، وقد أدرك وقتها كمية الهول الذي أطلقوه!  


رمقت الحاجة كوثر بنظرها الأفق الغائم القادم من خلف الجبل بقلق وبتوتر، وقد انقبض قلبها توجساً من شئ ما . وفجأة، لاح من خلف الجبل أيمن العبيط، مجذوب القرية! كان يركض وهويصرخ بلا توقف ويقول: إنهم قادمون! الموتى قادمون لقد عادوا، إنهم قادمون!! إزداد قلقها وارتعشت كفيها توتراً، وشعرت بجفافٍ في حلقها. وفجأة سقط غراب أسود من السماء ميتاً. فصرخت في فزع، وأخذت تصيح وتردد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ظهر زوجها الحاج عبدالكريم دياب، عمدة الديابية، من خلف الباب، وأخذ يحاول ان يطمئنها ويهدئها قليلاً. ثم أخذت الطيور تتساقط من السماء ميتة! 

فتح الحاج حمد الخلفاوي عينيه ، لتهاجمه آلام واوجاع الكون بأكملها في تلك اللحظة. حدث نفسه كيف جاء إلى هنا ؟!! وتذكر على الفور كل شيء. تذكر سليم والحاج حسنين والنقوش الغريبة في المقبرة، والذهب االذي لايعد ولا يحصى . لقد كان هناك منذ لحظة، فكيف أصبح الآن في الفراش في غرفته نائماً ؟ نظر إلى زوجته العجوز الراقدة إلى جانبه، تفحها فرآها عارية تماماً !! كان هذا غير معقول. انحنى نحوها ليوقظها في عنف، ولكنه انتبه إلى ذلك النقش الفرعوني الغريب الممتد أعلى جانب صدرها الأيسر. عاد قلبه يخفق بسرعة. فتحتْ زوجته عينيها، ولم يبد عليها الإستعاب والفهم . ونظرت إلى زوجها وقالت: لماذا تنام هكذا، وما هذا الشئ الذي بصدرك ؟ حينها انتبه الحاج حمد الى نفسه وأن حاله كحالها. كان عاري الجسد تماماً مثلها، ويوجد فوق قلبه أعلى صدره رقد النقش اللعين. دق الهاتف، فهرع الحاج حمد إليه ليجيب. كان العمدة الحاج حسنين يصرخ في رعب وتعجب : أنقذني يا حاج حمد. لن تصدق ما يحدث. قال الحاج حمد: وما الذي يحدث؟ فقال العمدة: لقد افاق كل من في بيتي؛ ليجدوا أنفسهم عراة وصدرورهم موسومة! 


اتسعت عينا الحاج عبدالكريم دياب دهشة ، وغير مصدق، وهو يرى أمه العمياء تخرج من حجرتها. فناداها: آمنة ! فقالت له: مكانك يا عبد الكريم، إخلع قدمك الخشبية، ولا ترهق نفسك وتتعبها . نادى على ابنه أحمد ليساند ويساعد جدته. فجاء أحمد وساند جدته، إلا ان الجدة مريم تمكنت لوحدها أن تتوجه إلى الباب الخارجي وتفتحه وبكل اريحية وكأنها مبصرة. تطلعت إلى السماء وقالت: العجب العجيب لم يأت بعد يا ولدي. ثم عادت آمنة إلى حجرتها من دون مساعدة أحد . اتصلت مريم، إبنة الحاج علوان الخلفاوي، بأحمد خطيبها. قالت له: هل تفهم أي شئ مما يدور في النجع. السحاب في السماء يملئ السماء ولا يتحرك. ولقد رأيت شيئاً غريباً. فالفجر لم يكن ككل ليلة مظلماً، كان يعج بأشياء أخرى. كانت توجد هناك كيانات كالظلال، أوالأشباح، والتي بقيت تحوم في الظلام حول البيوت لفترة قبل أن تختفي مع الآذان. أقسم لك أن هذا ما حدث !! 


التقى الحاج حمد بالحاج حسنين بعد الظهيرة. قال الحاج حسنين: ما الذي يجري لنا يا حاج حمد؟ فقال الحاج حمد: ليتني أعلم.. كنت لأرتاح. دخل عليهما خليفة، إبن الحاج حسنين، وقال: أقسم بألف يمين أنهم آل ديابة من فعل بنا ذلك. إنها خدعة ومكيدة دبروها كي يستحوذوا على المقبرة لنفسهم . أم أنك نسيت أن سليم دياب واحد من أبناء تلك العائلة اللعينة. لقد ولد كل فرد من أفراد آل ديابة وهو يرضع كراهيتنا. فقال الأخير: لاأريدك أن تنسى أن سليم قد أصبح شريكاً لنا في أعمالنا. وأنت تعلم أنه هو ورجاله يتولون أعمالنا الخطرة. 


حدق أحمد من خلال النافذة الزجاجية إلى الضباب الكثيف في حيرة. ثم قال لأبيه عبدالكريم وأمه كوثر: ضباب مريب، لا أظن أن النجع قد شهد في يوم من الأيام مثل هذا الضباب ، سوف أذهب للحظيرة كي أطمئن على الحيوانات، ولن أتأخر. خرج أحمد من الباب، فغلفته سحب الضباب على الفور. وحين وصل إلى الحظيرة، شاهد الحيوانات واقفة ومتصلبة في مكانها وأعينها مصوبة إليه. كانت العيون كلها تشع باللون الأصفر الفسفوري. لكن الأمر المريب المخيف أنه كانت تلك الضباع تهاجم الماشية بشراسة دون أن تحاول الماشية، والخراف الدفاع عن أنفسها . كانت الضباع تنهش اللحم والحيوانات صامتة ساكنة. حينها صدر منه شهق بتوتر، فانتبهت الضباع لوجوده والتفتت إليه. قرر حينها أن يعود أدراجه الى البيت . فأسرع مهرولاً ، وبدأت الضباع بملاحقته. تعثرمن شدة هول الموقف وسقط على وجهه. رفع رأسه وإذا به محاطاً بالضباع الشيطانية. انفرجتْ الفكوك، وبانت أنيابها البارزه تريد تقطيعه . 


 في المنزل، غادرت آمنة غرفتها وقالت: احضروا الماء والملح بسرعة. جاءتها كوثر بالماء والملح، فأخذته آمنة واتجهت نحو الباب الخارجي. خرجت من البيت على الفور، وغابت في الضباب، وبعد لحظات وصلت لعند أحمد الذي كان ينتظر موته. حينها نثرت الملح أمام الضباع ورشت الماء في نفس الوقت، وهي تردد الآيات القرآنية : "وجعلنا من بين أيديهم سداً، ومن خلفهم سداً، فأغشيناهم، فهم لا يبصرون". تراجعت على الفور الضباع من حوله؛ واختفت في الضباب. نظر أحمد إلى جدته العمياء وقال: آمنة ! كيف وصلتِ إلى هنا ؟ لقد أنقذتني! جذبته من يده وقالت:هيا دعنا نرجع الآن،قبل أن يعودوا مرة أخرى . 

لم تنقطع الصرخات المنبعثة من جوف الضباب طوال الليل. كانت صرخات قصيرة مبتورة دائماً، لكنها كانت تحمل معها كل الفزع. جاء الفجر وتراجع الضباب نحو الجبل. ومع أول شعاع من أشعة الصباح راح أيمن العبيط يعدو في الشوارع وهو يصيح : الموتى ..الجثث ..الموتى في كل مكان... . 


 حضر الدكتور بهاء الى منزل الحاج حسنين ليفحصه ، كان نبض الحاج حسنين سريعاً للغاية، وكان ضغط دمه مرتفعاً. رأى الدكتور الوسم الذي على صدر الحاج، فقال الدكتور بهاء: من وسمك بهذا الوسم يا حاج حسنين ؟ فقال الحاج حسنين: إنه وشم قديم، لا تشغل بالك به!! كان يكذب. أدرك بهاء هذا، فالنقش لا يبدو قديماً، كما كان متقناً بدقة فائقة بشكل غير آدمي. شعر بهاء برعب خفي من هذا النقش. ولما خرج بهاء من البيت، قال الحاج حسنين لابنه خليفة: هيا استعد لنصعد الجبل، سوف نتحرك فور وصول الحاج حمد. سليم بانتظارنا. سوف نفكر سوياً في ما يحدث لنا. 

 في الجبل التقى الرجال الثلاثة بسليم. فقال الحاج حسنين في قلق بالغ وتوتر: ما الذي يحدث لنا يا سليم ؟ فقال سليم: خطأ جسيم يا عمدة. كان الواجب علينا أن لانفتح عن هذا القبر. اعتقدَ الشيخ عثمان أنه فكّ الرصد، وأزال لعنته. ولكن كما يبدو بقي شيء من اللعنة وقد حلتّ مصيبته علينا. لقد أصبحنا ملعونين. قال الحاج حمد: إذن ماذا سنفعل بالمقبرة؟ قال سليم: لن يقربها أحد بتاتاً، حتى تنتهي اللعنة وتنتهى المتاعب. قال الحاج حسنين: وأعمالنا الأخرى ماذا سنفعل بها ؟ هل سنؤجّلها أيضاً؟ قال سليم: سنقوم بمهامنا وأعمالنا كالمعتاد. ولكن عمل الليل لم يعد آمناً لنا ! لذا سوف ننجز أعمالنا كلها قبل المغيب. هناك صفقة الهيروين بعد غد، وبعدها بستة أيام سيأتي التاجر البريطاني كي يستلم شحنة الآثار. إنها أربعة مليون جنيه، ولن أدعها أتفوت لأي سبب كان . ودعوا سليم وغادروا الجبل.

  إتصلت مريم على أحمد ، قال لها: يوجد هناك سر لعين يدور في النجع. فقالت له: أحس بأن هناك شيئاً مخفياً مرعباً. شعرتُ البارحة، وكأن الضباب يغلف ويخفي بيت أعمامي حسنين وحمد أكثر من البيوت الأخرى. هل تعتقد أن الضباب سوف يُغرق هذه الليلة النجع أيضاً ؟ فقال أحمد : إنه قادم بالفعل! فقالت: رائع جداً ، سوف أذهب الى بيت عمي حسنين لأرى ما يدور فيه مستترة بالضباب. 

تصر أم مريم أن ابنتها مريم لا تشبهها أبداً . وليس هذا فحسب بل ترى أنها لا تشبه أي فتاة أخرى في النجع. ويرى والدها الحاج علوان أنها ورثت عنه كل شيء، وأنها حتماً خُلقت لتكون ذكراً لولا حدوث طارئاً ما ألمّ بأمهاوهي تضعها . كانت مريم فتاة تتميز بالعناد وتشبث بالرأي ، فما أن انهت تعليمها الجامعي وتخرجت من كلية العلوم وعادت للنجع حتى جاء الخطّاب لطرق بابها، وكان في مقدمتهم خليفة إبن عمها ، ولكنها رفضته وفضّلت عليه أحمد إبن الحاج عبدالكريم دياب. 

 في الليل تحركت مريم من غرفتها. كانت تريد التستر بالضباب، والذهاب إلى بيت عمها لترى السر المخفي. عقلها يحدثها بأن هناك شيئاً ما يدور في الخفاء، فمنذ الأمس لم يظهر أحد في البيت ، ولاحتى الحيوانات التي غادرت حظائرها، ولا خفر يحومون حول البيت كالمعتاد . وصلت إلى بيت عمها حسنين. كان الباب الخلفي مفتوحاً فدخلت منه . كان السكون تاماً يلف أرجاء البيت وكأنما هي في قلب قبر. ولكن أين أهل البيت أين ذهب الحاج حسنين، وأين الزوجة، والخدم، والخفر، وخليفة ؟ لماذا لا تسمع لأحدهم صوتاً ؟ كانت أبواب الغرف كلها مشرعة مفتوحة، ولكن لا أحد بداخلها. فقررت الخروج من البيت. وعندما وصلت منتصف الدرج، رأت شخصاً يقف في منتصف الرواق. وكان الواقف هو خليفة، ولكنه بدا مختلفاً عيناه كانتا مضيئتان وكأنه شيطان غير آدمي. ذعرت وهربت الى أحد أبواب غرف القصر واغلقت الباب عليها. وفجأة، بدأ خليفة يخترق باب الغرفة المغلق وكأنه شبح. كان هذا الرعب فوق احتمالها، فسقطت مغشياً عليها على الأرض. شعر خليفة بسعادة لا توصف، وقرر أن يستغل الموقف والفرصة التي سنحت له . سوف يغتصبها !!!! 

 وما أن خلع ملابسه حتى أبصر نصفه السفلي لاشئ ،كله كالدخان. لا أقدام، أو ساق، ولا أي شيء آخر. فخرج من الغرفة مسرعاً. وبعدها بدقيقتين استيقظتْ مريم على صوت أيمن العبيط، فقال لها: هيا اهربي الآن بسرعة هيا اهربي . إن الموتى قادمون، وسوف يقتلونك لو عثروا عليكِ. قادها أيمن إلى بيتها. دخلت البيت ، وأغلقت الباب خلفها بإحكام . 

بعد صلاة الفجربقليل ، قدِم سليم إلى بيت أخيه عبدالكريم. قال سليم لأخيه : الرجال كلهم مرعوبون ومذعورون، وبالكاد أستطيع السيطرة على خوفهم. فقال عبدالكريم: هذا أمر طبيعي يا سليم، وأنا في الواقع لا ألومهم ، فالنجع على بكرة ابيها خائفة. حينها قال سليم: أريد التحدث إلى آمنة. دخل سليم إلى غرفة أمه آمنة، وقبل أن يقوم بتحيتها قالت آمنه: لماذا جلبت للنجع الخراب يا سليم؟ قال: لم أكن أعلم أن هذا سيحدث . قالت: لقد أخبرتك أن تتوقف عن مسعاك، وحذرتك مرارا. فقال: لم أكن أصدق. ظننت أنها ومزاعم العجائز وخرافات ، ولكنني الآن صدّقت. ولو كانت الروايات القديمة دقيقة في قولها ، فسوف يهبّ الموتى من قبورهم مع الغروب يا آمنة، وستكون نهاية الأحياء في النجع. فقالت: الوقت قد حان كي يسترد النجع إسمه القديم، نجع الموتى !!

 في اليوم التالي اتصلت مريم بأحمد وقالت: أنا خائفة ومرعوبة يا أحمد. تعال إليّ حالاً أرجوك. لقد رأيتهم!!! إنهم شياطين !!. جاء على الفور أحمد إلى بيت مريم. كانت ترتجف وهي متقوقعة في فراشها حول نفسها في وضع جنيني مضطرب. قالت له: ربما كنت حمقاء بذهابي الى بيت عمي لأبحث عن الحقيقة، إنهم شياطين يا أحمد. ثم أخبرته بما حدث لها في الليلة السابقة. كان كل ما تقوله أبعد من أن يتقبله عقله. قال: هل أنتِ متأكدة مما حدث؟ قالت: لقد توقعت ألا تصدقني. لم أشعر في حياتي بالرعب والخوف مثلما شعرت في حينها ، كان أمراً بشعاً ! 


  بدت اللحظات الأخيرة من النهار منقبضة كئيبة تثير التوجس والحذر من أي شئ . بقيت السماء ملبدة بالسحب والغيوم كما كانت منذ يومين. وكانت الشوارع خاوية وفارغة تماماً من البشر، وقد قبع الجميع خلف الجدران بعدما تعلموا ووعوا الدرس. فكل من كان يخرج ليلاً واخترق الضباب مات موتة شنيعة. 

 بالكاد تمكنت مريم من إبقاء عينيها مفتوحتين بسبب هذا الصداع الذي يطرق رأسها بلا هوادة. أغمضت عينيها، دارت في الغرفة بلا هدف عدة لفات ، شعرت بالضيق وبالحنق لانقطاع الإتصالات مع الليل. رمقت من بعيد النافذة بخواء، وأحست برغبة ملحة في الإقتراب منها. تحركت بحذر وبطء نحوها ، وراحت تنظر من خلالها إلى الضباب ، فجاة ظهر خليفة من خلف الزجاج وهو يرمقها مبتسماً، وقد التصقت يديه بالزجاج، و كان هناك ثلاث أصابع في كل كف . وكان جسده معلقاً في الهواء ، وكأنما يطير، وحوله كانت هناك الكثير من الأجساد المريعة. تجمدت في مكانها وبدا قلبها وكأنه توقف عن الخفقان،وبعد وهلة إنطلق لسانها وراحت تصرخ في جنون. على الفور كان وأمها وابوها في الحجرة . احتضنتها أمها، ولكنها ظلت تصيح وتصرخ وتقول: إنهم هناك. الشياطين إنهم هناك ، كانوا ينظرون إليّ عبر النافذة. حينها اتجه الحاج علوان إلى النافذة ونظرللخارج ، فلم ير خلفها إلا الضباب. نظر علوان بحيرة وإشفاق إلى ابنته، ثم عاد ونظر مرة أخرى إلى النافذة، فلاحظ على الزجاج وجود آثار كفين مطبوعتين، كفين لا تملكان إلا أصابع ثلاث في كل يد. حينها اقتنع أن ابنته أنها لاتهلوس ولا تهذي. فقرر ليلتها أن يبقى مع ابنته في غرفتها ، وأن لا يتركها طوال الليل. امتلأ الضباب فجأة بمئات الأشياء والأشياء التي ما كان لها أن تتواجد في عالمنا ثانية. وحول كل بيت،أو كوخ ، أو عشة، ، هناك كان بعضهم. 


حامت تلك الكائنات الغريبة حول كل بقعة ذهبت إليها. دارت حول النوافذ، وارتقى بعضها إلى الأسطح. وحين حل منتصف الليل، ترددت أصداء نداءات تشبه الصرخات شقّت سكون الليل، وراحت تلك الكائنات تطرق الأبواب بإلحاح . كانوا هؤلاء الموتى!!!!، لقد قاموا من قبورهم وعادوا من موتهم ورغبوا بالعودة إلى حيواتهم. 

 في تمام الساعة الثامنة صباحاً كان الرائد فؤاد يجلس الى مكتبه يستعد للخطوة التي قرر أن يقوم بها. سوف يزور اليوم النجع ، البلدة التي عين عليها منذ أيام قليلة . أراد أن يستطلع أحوالها ويتعرف على اهلها ويعرف أهل البلدة على الضابط الجدد على البلدة. انطلق فؤاد مع ضباطه إلى النجع. ومنذ الوهلة الأولى التى دخل فيها البلدة أدرك فؤاد أن القوم هنا متحفظون جداً، و أنهم لا يثقون بالأغراب. مرّ بجنازة كانت بجوار الجامع. قرر أن يقصد بيت الكبير في هذه البلدة، فدلّه الناس على بيت الحاج حسنين عمدة الخلفاوية. وصل البيت، فاستقبله بالترحاب الحاج حسنين والحاج حمد. قال الحاج حسنين: مرحباً يا حضرة الضابط. أنا الحاج حسنين الخلفاوي عمدة النجع، وكبيره. قال فؤاد: أنا الرائد فؤاد قائد المركز البوليسي الجديد هنا ، لقد رأيت جنازة، وأنا في طريقي إلى هنا. قال الحاج حمد: إنه إبن عمي علوان. لقد توفي بالأمس. قال فؤاد: سمعت أن المكان هنا يعج بالمقابر الفرعونية المجهولة، وانه يوجد هناك من ينقّب في تلك المقابر ليستولي على كنوزها ؟ فقال الحاج حمد: هذا الكلام لا نعلم عنه شيئاً. النجع هنا لا أسرار فيه، والجميع يشتغل في الزراعة أو الرعي أو التجارة. حينها خرج الرائد فؤاد من بيت الحاج حسنين وهو يشعر بعدم الإرتياح وبالقلق تجاههم. وأثناء خروجه، قابل شاباً قال له: أريد أن أخبرك بأمر ما ! إن هذه الجنازة للحاج علوان ! ولا أعلم كيف مات، ولكني أعلم أن الحاج حسنين وحمد متورطون في قتله. إبحث كيف مات، وستصل للحقيقة حتماً !! 

 انتقل بعدها فؤاد إلى الوحدة الصحية، والتي تقع خارج حدود النجع. وهناك قابل الدكتور بهاء طبيب البلدة . قال الدكتور بهاء: أعتقد أنك أتيت لزيارتي من أجل التحقيق في قتلى النجع؟ يبدو أن الأمر أكبر من أن يكون بفعل حيوانات مفترسة. قال الرائد فؤاد: هلا وضحت لى ما تقصده. فقال الدكتور بهاء: بدأ الأمر منذ أسبوع تقريباً. ظهر الضباب فجأة وبغتة حول النجع. وعلى أثر ذلك توفي العديد من أهالي النجع بمجرد خروجهم وسط الضباب. كان الموتى ممزقين ومشوهين بوحشية، وعيونهم محترقة. حاولوا إقناعي بأنها من فعل الذئاب، ولكنني لم أقتنع بذلك . فقال الرائد فؤاد: ولماذا لم تبلّغ الشرطة عن الأمر ؟ فقال بهاء: وما شأني بما يحدث؟ هذا الشئ من واجب أهالي الضحايا، وعمدتهم. فقال الرائد: حسب رأيك الشخصي؛ ما الذي يحدث في النجع ؟ فقال بهاء: هناك شيء خارق خارج القدرات وشرير يدور في النجع. كان هناك شيء غريب رأيته على صدر كل الضحايا، كان هناك نقش غريب الشكل وكأنه منحوت في جلدهم بطريقة غريبة غير آدمية . إنه نقش عجيب. ولقد رأيت نفس النقش أيضاً على صدور آخرين وكانوا أحياء، مثل الحاج حسنين وابنه خليفة والحاج حمد. لقد رأيت هذا النقش على صدورهم. 

دخل الرائد فؤاد إلى مكتبه ونادى على مساعديه خميس وفوزي وقال لهم : توجد هناك جرائم قتل وحشية تدور منذ حوالي أسبوع في النجع.. هيا اعترفا بأنكم قد تواطأتم مع أهل النجع لإخفاء جرائمهم؟ فقال خميس: ما نعلمه هو أن الذئاب المفترسة تهاجم النجع، وأنها هي من قتلت كل هؤلاء الناس . فأكمل على الفورفوزي وقال : طالما لم يشتكِ أحد من أهالي الضحايا، فلا يوجد قضية هناك. تلك كلها فى مجملها حوادث عرضية. مجرد قضاء وقدر. فقال فؤاد: وهل هذا ما إستطعت ان تتعلمه يا سيد فوزي طوال عملك في الشرطة. أنه لا تحقيق بغير تقديم شكوى واتهام ؟ ..لا خصوصية لأحد أمام القانون. فالقانون واحد، وسيطبق على الجميع . هناك من ماتوا في النجع بأسباب خارجه عن المألوف ، وسنفتح تحقيقاً ! 

 كان اليوم هو يوم أسود بائس عاشته مريم في حياتها. كل شيء فيه اكتسى بالسواد. وجوهٌ سوداء لنساء تتشح بالسواد. غيبوبة قاتمة تلف عقلها كلما تخيلت الأب الذي لن يضمها حضنه ثانية. تمنت أن ينتهي هذا المهرجان الكئيب اللعين، وأن تبتعد وتفارقها تلك الوجوه التي تأتي من العدم في كل لحظة. تمنت لو لزمت بمفردها حجرتها ؛ لتعيد ذكرياتها مع الأب الذي قتلوه غدراً. وجدت مريم أن جميع إتهاماتها و شكوكها تتجه نحو حسنين وخليفة. هم الذين أصبحوا وحوشاً، وهم بلا شك من جلب اللعنة للبلدة؛ لذا هم من يتحملون ذنب موت أبيها. أنها سوف تنتقم، ولو كان في هذا هلاكها. 


دعا أحمد أيمن العبيط إلى بيته لتناول طعام الإفطار. وبعد تناول الإفطار ، قال أحمد لأيمن: أرغب أن أسألك عن شيء ما، هل تعلم لماذا جاء الموتى الى هنا للنجع ؟ حينها أبصر أحمد الفزع في عيني أيمن، ثم قال بعبط أيمن: أيمن لا يعرف شيئاً ! فقال أحمد: أذا أخبرتني بكل شئ فسوف أقسم لك أن الحاج حسنين والحاج حمد وخليفة لن يعلموا شيئاً. فقال أيمن بكلام متقطع من هول خوفه : سوف.. يقتلني.. سليم ..لو أخبرت.. أحداً بما رأيته ! فقال أحمد: أوعدك أن سليم أيضاً لن يعرف بما دار بيننا. ارتعشت يدا أيمن وقال: لقد وجدوا القبر. لقد رأيتهم ،كنت هناك، ورأيتهم. فقال أحمد: هل تعرف مكان هذا القبر؟ نظرأيمن نحو الجبل وأشار بيده. قال أحمد: هل تأخذني الآن إلى ذلك القبر ؟ خاف أيمن ورفض ذلك ، ولكن أحمد ضغط عليه وهدده بأنه سيخبر سليم بما دار بينهما إن لم يأخذه إلى المقبرة. فأذعن ووافق أيمن لذلك. 

تحرك أحمد على فوره إلى الجبل برفقة أيمن . احتاج الأمر لأكثر من الساعة ونصف ليبلغوا طريقاً صخرياً ضيقاً يشرف على هاوية مخيفة فتوقف هناك أيمن، وأشار إلى صخرة ضخمة تسد نهاية الطريق وقال: القبر هناك فوق الصخرة.. ولكن رجال سليم يحرسون القبر جيداً . حينها صعد أحمد نحو الصخرة، وأطل برأسه من فوقها فشاهد رجلين متأهبان يحرسان المكان. تراجع، وعاد الى مكانه وقد اتضحت الرؤية أمامه. لقد وجد سليم والحاج حمد والحاج حسنين مقبرة جلبت اللعنة بالكامل للنجع. عندما عاد أحمد إلى البيت وجد والده يتحدث مع إمام المسجد الشيخ حمدي وشيخ آخر إسمه عبدالرحمن. وقد اتفقوا على أن يقوموا بوضع مكبرات للصوت فوق البيوت ويجعلوها مرتبطة بالجامع، ويبدؤوا بقراءة القرآن بعد صلاة المغرب عند حلول الضباب، لطرد الشياطين. ظهر فجأة رجل وقال لأبيه عبد الكريم: هجمت الشرطة هناك على بيت العمدة الحاج حسنين، والبلدة كلها هناك !! 

في حدود الساعة العاشرة صباحاً، كانت سيارتان من الشرطة.إحداهما سيارة الرائد فؤاد تسير المقدمة توقفتا عند بيت الحاج حسنين. تملك الغضب الهائل نفس الحاج حسنين وراح ينتفض جسده ويزبد ويرعد حين رأى الشرطة تداهم البيت. قال الحاج حسنين: ما هذا الذي تفعله أيها الضابط؟ كُفّ عن تباهيك الصبياني هذا . قال فؤاد: إن هذا ليس تباهياً بالسلطة وبالقوة، نحن هنا نقوم بعملنا. قال الحاج حسنين: ماذا تريد يا فؤاد بك ؟ فقال فؤاد: أريد أن أعرف كيف مات علوان؟ الرجل الذي دفنتموه بالأمس. فلدي معلومات تؤكد أن الرجل قد يكون مات مقتولاً. فقال الحاج حسنين: مصدر معلوماتك خاطئ ويضللك يا فؤاد بك. فقال فؤاد: أريد أن أتأكد بنفسي أنه يضللني، وأعدك أن أبدله بعد ذلك . أريد أن أتحدث مع أهل علوان، وأن أستجوبهم بنفسي. فقال الحاج حسنين: لا مشكلة ، سوف أنادي لك إمرأته ! ثم أمر الخدم بإحضار زوجة علوان. حينها جاء الحاج عبدالكريم وابنه أحمد، وكذلك الحاج حمد. قال حسنين لفؤاد: هذا هو الحاج عبدالكريم دياب. كبير عائلة الديابية في النجع، وهذا ابنه أحمد .. 

 قدمت امرأة علوان. فقال لها فؤاد: في بداية الأمر ؛ أقدم لك تعازيّ في المرحوم زوجك . أن الأمر لا يعدو سوى مجرد سؤال واحد، وهو كيف مات الحاج علوان ؟ فقالت: وماذا يفيد الحديث الآن بهذا الشأن ؟ لقد مات الرجل، ولن يعود. فصاح الحاج حسنين وقال: تحدثي يا ابنة العم، وأخبريه؛ هل فعلاً مات علوان مقتولاً ؟ فقالت: لا. لم يمت علوان مقتولاً. وفي تلك اللحظة؛ ظهرت من بعيد فتاة مسرعة الخطى نحوهم. فصرخت بها زوجة علوان: ما الذي جاء بك إلى هنا يا مريم ؟ فوقفت مريم تشتاط غضباً أمام فؤاد وصرخت: لقد قتلوا أبي. الشياطين فعلوها. خرج من البيت في الضباب فقتلوه. فهبت أم مريم من مكانها وصفعتها قائلة: أبوك لم يقتله أحد. هل ترغبين أن يجلل العارفوق رؤوسنا؟ حينها اندفع أحمد تجاه مريم وأمسك بيدها ليبعدها عن أمها. فقال خليفة: إنها تهذي ما زالت تحت تأثير الصدمة. قالت أم مريم لأحمد: إبعد عنها فليس من حقك أن تلمسها. فقال أحمد في دهشة: ولكنها خطيبتي. فقالت: كانت كذلك، لكن، وقد مات أبوها، فقد تغير كل شئ.وأصبح الآن الأمر في يد أعمامها. اتسعت ابتسامة خليفة وقال: ابتعد عنها،فأنت لم تعد خطيبها. فقال أحمد: بل هي خطيبتي، وأنت مهما حلمت لن تنالها ، حتى لو اضطررت إلى قتلك. حينها تدخل الحاج عبد الكريم، وأمر ابنه بالإبتعاد، وأمر الحاج حسنين أم مريم بأخذ مريم والإنصراف. حينها قال فؤاد: الفتاة تؤمن بأن أباها قد قتل. سوف أخرج الجثة ليعاينها الطبيب الشرعي، وبعدها سوف يكون بيننا حديث آخر. فقال الحاج حمد: حذار مما تفكر فيه. للموتى حرماتهم، ولن يقبل أحد أن تنتهك. ثم أخرج خليفة المسدس ورفعه نحو فؤاد يهدده ، وقال:إعلم أنك لو اقتربت من المقابر، فلن تخرج منها على قدميك. أعدك بهذا ! حينها قال فؤاد: لن أنسى هذا الوعيد ولا هذا السلاح المصوب ناحيتي، وقريباً جداً سوف تفهم ما أعنيه. ثم غادر فؤاد المكان هو وجنوده. 

 إنطلق رنين الهاتف الأرضى لحظة وصول فؤاد إلى مكتبه، وكأنما كان بانتظاره. وعندما رفع السماعه فؤاد جاءه صوت مدير أمن المحافظة صارخاً فيه: ما هذا الذي تفعله أيها الرائد. لقد أرسلناك للبلدة لتقوم برعاية الأمن لا لتشعل النيران. فقال فؤاد: يا فندم، هناك جريمة قتل، و... فقال مدير الأمن في ثورة: إن ما تقوم به أيها الرائد هو الجريمة الحقيقية . هل تهددهم بنبش القبور؟ ما هذا التهور و الغباء ر؟ لقد أخبروك أن الرجل لم يُقتل، وانتهى الأمر. اسمعني جيداً، سوف تنسى ما حدث، وصدقني حقاً أنك لن ترغب في اختبار غضبي لو خالفت ما أقوله. هل تعي ما أقوله ؟ 

بعد صلاة العصر؛ طلب الحاج عبدالكريم من إمرأته أن تذهب بالطعام إلى غرفة أمه. لقد شعر برغبة ملحة في أن يجلس بجانبها ويتحدث إليها، وأن يتناول الطعام معها. وعندما دخل إلى الغرفة رآها تنتحب على فراشها. فقال لها: ما الذي تخفيه ياآمنة في عقلك هذه المرة ؟ لم ترد عليه. فقال: هل سيذهب أحمد؟ هل سيموت أحمد ؟ ولكنها لم ترد، فغادر الغرفة . 

 راح أيمن العبيط يعدو بشوارع النجع وهو يصرخ: قتلوا الحاج سعيد الرشيدي، ضحية من ضحايا النجع. تجمع الناس حول جثة الحاج سعيد وجثث حراسه الخمسة، كان من بين الناس المجتمين أحمد. حينها برقت عينا أحمد في ظفرٍ، فقد حان الوقت الآن كي يبدأ بإستثمار الغضب المشتعل في النفوس. فقال: انظروا إلى عيون هؤلاء الرجال . ألا ترون أنها احترقت ، ليست الذئاب هى من فعلت ذلك وقتلت الرجال . وهل تفعل الذئاب ذلك؟ لقد أصبح النجع ملعوناً، وأنتم تتحدثون عن الذئاب. إن اللعنة جاءت بسبب الحاج حسنين وأعوانه، والكل منكم يعلم هذا، ولكنكم تخافون من جبروتهم وبطشهم. هيا إذهبوا واسألوه ماذا فعل في النجع ؟ وأي لعنة شيطانية جاء بها لنا ، هيا قبل أن نهلك جميعاً. حينها أخذت صيحات الرجال تتعالى ، وهتف أحد الشباب: هيا بنا إلى بيت العمدة يا رجال. 

 وفي بيت حسنين، وقف أحمد مقابل الحاج حمد وقال : لقد قمت بعمل ملعون وعثرتم على المقبرة الملعونة التي أهلكت قبل قرون النجع . لقد فتشتم عنها رغم كل تحذيرات الأجداد، والآن جاء لنا الغيوم والضباب ، وماتت الحيوانات والبشر، وظهر الموتى من كل مكان . أليست هذه نفس العلامات القديمة؟ فقال الحاج حمد: هذا كلام تافه لا دليل عليه، لقد أشعلتَ الفتنة بأوهامك تلك في النجع يا فتى! وفي لحظتها ؛ نزل وابل من الرصاص على الأرض أسفل قدمي أحد الشباب. وحين رفع الرجال رؤوسهم نحو مطلق الرصاص، رأوا زعيم المطاريد سليم دياب. وقف سليم مقابل أحمد ، وتبادل أحمد النظرات المتحدية مع سليم قبل أن يعود من حيث أتى. وتفرق الجميع. 

في اليوم التالي ذهب فؤاد إلى مكتبه قبل أن تدق الساعة معلنة الثامنة صباحاً. وقريب الظهيرة، غادرمركز الشرطة وسار نحو الوحدة الصحية على قدميه. أراد أن يعلم المزيد من الأخبار من الطبيب الشاب. قال بهاء لفؤاد: كنت أنوى الذهاب إليك هذا اليوم لو لم تأتِ. أحد أصدقائي يريد التحدث إليك. نظر فؤاد إلى الشاب القادم وكان أحمد. سلم عليه الضابط، وبدأ أحمد حديثه فقال: يا فؤاد بك إن النجع ملعون . ثم قص أحمد كل ما يعرفه عن اللعنة. حينها قال فؤاد: أريد أن أرى المقبرة بنفسي. 

أثناء عودته من الوحدة الصحية نحو مركز الشرطة، تذكر فؤاد صديقاً قديماً طارق سرحان قد يكون ذا فائدة في الأمر، إنه عالم الآثار وصديق الدراسة القديم. على الفور اتصل به وقال له بعد تبادلا التحيات والذكريات : هناك مقبرة فرعونية تدور حولها الأقاويل حيث أعمل. هناك نجع كامل يقع تحت لعنة غريبة مرعبة لذا أريدك منك أن تأتي معي إلى نجع الذئاب لنرى المقبرة. فقال طارق: أعرف هذا المكان. إنه أحد المناطق السوداء التي تتاجر في الآثار. 

تسللت خيوط الليل لتبتلع ضوء النهار شيئاً فشيئاً ، حتى حجبته. لقد عاد الظلام، وهرعت جيوش الضباب المستعرة نحو النجع لتبدأ ليلة جديدة من الرعب. ...خرج الملعونون من ديارهم.. وقد فارقوا أجسادهم وكياناتهم المادية، وأشباح الموتى غادرت قبورها لتلبي النداء. في النجع، كان الجميع يترقب بتوجس ما ستسفر عليه محاولة الليلة من قراءة القرآن لطرد الملعونين والشياطين. أما خارج النجع خلف أشجار الغابة الكثيفة ، فقد قبع الرائد فؤاد وبرفقتة الدكتور بهاء في الظلام. رغب الرائدة فؤاد في أن يرى الضباب عن قرب. تعلقت عيونهما بستائر الضباب الكثيفة التي غلفت وأخفت النجع تماماً، وبعد حين،سمعوا هناك أصوات تقترب منهم، ومن ثم بدأت حدة الضباب تخف بالتدريج ، وهناك اتضح الأمر. 

 كان هناك موكب فرعوني يسير و يتقدمه أحد الأشخاص يرتدي زياً فرعونياً يتكون من قطعة واحدة، ويغطي رأسه ووجهه بقناع حيواني، ومن خلفه كان يتحرك حشد شبحي ضخم من كائنات من المستحيل أن تصدق أنها حية. إنهم موتى بلا شك، أو هم أشباح من ظلال. كانت حركتهم بطيئة آلية. ونظرات عيونهم بارده وكانهم لايهتمون ان ينظرو بها ، حينها لم يعد في صدر فؤاد ذرة شك في أن هذا النجع ملعوناً فعلاً . ولكن السؤال المهم : هو كيف يمكن التغلب على شيء كهذا ؟! 

في المسجد، كان الشيخ عبدالرحيم منهمكاً في ترتيل آيات معينة من القرآن ثم اتبعها بأوراد، وأذكار.وأدعية . ومن خلال المكبرات الصوتية ترددت الآيات التى أخذ يتلوها الشيخ عبد الرحيم في كل مكان وفي كل بقعة من بقاع النجع. وراحت تغسل النجع من شروره، وآثامه، وراح الضباب الكثيف بالإنحدار والتراجع، وتبدد الحشود الملعونه من الموتى، والأحياء، وإختل انتظامهم واختفوا. ولكن فجأة وعلى حين بغتة انقطعت الكهرباء، وانقطعت معها التلاوات القرآنية، وصمتت كل الأصوات. وكما تلاشى الضباب فجأة عاد ثانية فجأة وبسرعة . انعقد حينها لسان الشيخ حمدي في ثورة وغضب حقيقي، إن الأمر كان سينجح لولا انقطاع الكهرباء. إندفع الشيخ حمدي يسير وهو يقرأ القرآن إلى بيت الحاج حسنين. سمع خطوات خلفه، وحين استدار أدرك ؛ كم كان متأخراً في ردة فعله، فقد شعر بعامود النار يخترق ضلوعه ويصيب قلبه.. لقد طعنه أحدهم بسكين حاد، وحين رفع نظره كان هناك آخركائن بشري يمكن أن يتوقع رؤيته في تلك اللحظة. قال: أنت ؟! فقال البشري: أهلاً بك في عالمي. 

انطلق فؤاد وبهاء إلى خارج النجع. وبعد نصف ساعة من السير على الطريق الرملي المظلم وصلا إلى مقابر النجع. طرقا باب غرفة اللحاد، ففتح لهم اللحاد الباب. فقال فؤاد: نريد أن نرى القبور الجديدة. مشى معهم اللحاد إلى الصفوف الأمامية من المقبرة. ثم قام اللحاد وفتح أحد القبور الحديثة. بدا الكفن غريباً، وشعر فؤاد أن هناك شيئاً ما مريباً وغير صحيح، فلم يكن هناك أي جثة !! سأل فؤاد اللحاد: هل أنت متأكد أنه هو نفس القبر؟ فصاح اللحاد: طبعاً فأنا من قام بدفنه بالأمس !!! قال فؤاد للحاد: أريد أن أرى قبوراً أخرى ؟ ومرة أخرى لم يعثر في الأكفان على أي جثث. فقال فؤاد: أين ذهبت الجثث ؟! أشار اللحاد ناحية النجع وقال: إنهم مع الموتى هناك ! 

في صباح اليوم التالي، اتصل عبد الكريم بسليم وطلب منه القدوم إليه . وعندما وصل سليم إلى بيت عبدالكريم. قال له عبدالكريم: لقد أمرتْ آمنة أن نبحث عن الشيخ عايد. فقال سليم: الشيخ عايد؟ ومن يعرف مكانه ؟ لقد بلغ الرجل عامه المئة قبل أن نولد حتى. فقال عبد الكريم: نعلم كلنا إنه متصل بالجان، وكانوا يخدمونه. وسوف نقوم بالبحث عنه أنا وأنت فقط. 

وصل عبدالكريم وسليم إلى المغارة التي تعوّد الشيخ عايد أن يعيش فيها. وفعلاً وجداه هناك . وأول ما شاهدهما الشيخ عايد قال: كنت بانتظاركما؟ لقد جئتما من أجل لعنة نجع الموتى، ثم أشار الشيخ عايد إلى سليم وقال: لقد أصبح من الملعونين ، وقريباً جداً سيلحق بهم. فقال عبدالكريم: والحل يا شيخنا ؟ فقال الشيخ وهو يشير لسليم: لقد أعماكم الطمع. المقبرة القديمة بقيت طوال الدهر ملعونة، ولا تجلب إلا اللعنة والموت لمن يفتش عنها . والشيخ الأحمق الذي فك رصدها كان يعلم سرها هذا . لقد خدعكم. سأل الشيخ عايد سليم: كم مضى من الوقت على فتحكم المقبرة؟ فقال سليم: نحو السادسة والعشرون يوماً. قال عايد: هذا يعني أنه لم يبقى أمامنا سوى يومان فقط. لو انقضى شهر قمري، ولم تغلق المقبرة ثانية، سيعود حينها سيد الموتى ولن يكون هناك سبيل لدحره. وهذا يعني أن لا وقت لدينا أمامنا لنضيّعه. والآن وبسرعة أحضروا ذلك الدجال اللعين الذي فك رصد المقبرة، وحذار أن يهرب منكم. وقبل أن ينصرفا، سأل عايد سليم: من كان أول من وقع بصره على جثة ذلك الملعون داخل التابوت. قال سليم: إنه أنا. =ابتسم طارق سرحان وهو ينزل من سيارة الشرطة التي أتت به إلى النجع قبل أن يحتضنه صديقه فؤاد الذي كان بانتظاره. أخذه فؤاد إلى مكتبه وصار يحدثه بعمق وجدية أكثر عن موضوع مقبرة الفراعنة. فقال طارق: هناك أسطورة قديمة تقول إن هناك ساحراً كانت لديه القدرة على إحياء الموتى. قال فؤاد: لقد تمكنا من العثور على مقبرة، وسوف نزورها سوياً في الصباح الباكر مع أحد شباب النجع.

 النوم هو أكثر ما تتحشاه ، وتخشاه،. كانوا هناك دوماً بانتظارها أن تغمض عينيها لتنام، ولو للحظات. أبوها وخليفة وغيرهم من الشياطين والموتى . حاولتْ أن تُبقي عيناها مفتوحتان ومستيقظة . استعانت بالمنبهات. احمرت عيناها كالجمر ، وانتفخت الجفون واسودت. كانت تتوق للحديث مع أحمد ولكن شيئاً غامضاً كان يمنعها، وكأن هناك يوجد شئ ما يتحكم بها من داخلها. ولكن أخيراً لم تتمكن من المقاومه واستسلمت للنوم. وحين استيقظت، كان يملأها الفزع ، فقد وجدت نفسها عارية الجذع تماماً، والدماء تملئ صدرها وفراشها وألم رهيب كأنه لايريد ان ينتهي. قفزت من فراشها إلى المرآة، فشاهدت وسماً ملعوناً على صدرها. 

كان هو نفس الوسم الملعون الذي حفره سليم على صدرها في الحلم. حينها اتصلت بأحمد وهي منهارة وقالت له: أنقذني! وبعد أقل من ربع ساعة وجدت أحمد أمامها . كشفت له عن معظم صدرها وقالت له: خليفة من فعل بي هذا !! حينها أخرج أحمد المسدس من جيبه، واندفع مسرعاً إلى الخارج، وهويصرخ : سوف أقتله. وهناك في بيت حسنين، أخذ أحمد يصيح : خليفة، هيا أخرج لي إن كنت رجلاً.وحينها أحاط رجال العمدة بأحمد ومنعوه من الدخول. كما أحاط الرجال بخليفة. دفع الرجال أحمد الى الخارج واصطحبه الحاج حمد إلى بيته، وهو يصرخ ويتوعد : سوف أقتلك يا خليفة. فقال خليفة: بل أنت من حان أجله أيها اللعين. وعلى شفتي الحاج حمد ارتسمت ابتسامة غامضة غريبة . 

في صباح اليوم التالي، انطلق كل من فؤاد وبهاء وطارق وأحمد إلى الجبل للوصول إلى المقبرة. لم يكن هناك أحد من الحراس عند مدخل المغارة. وبدا مدخل المغارة مرعباً مخيفاً، وأشعة الشمس الصباحية لا تخترقه. دخل فؤاد في البداية إلى داخل المغارة، ثم تبعه الباقون. راحوا يتأملون النقوش التي تملأ المكان. اقترب طارق من أحد النقوش التي على الجدران وتفحصها ثم قال: إن هذه النقوش كلها تحتوى على تحذيرات وتعاويذ حماية. ثم إن هناك تحذيرات مكتوبة باللغة العربية (شقي من دفعه الطمع نحو هذا المكان. ملعون من أحيا الشر القديم، وأعاد بعثه). تعمقوا أكثر في الدخول. لم يكن هناك حراس على باب حجرة المقبرة. عبروا من خلال الممر الصخري بجانب الهاوية ودخلوا إلى داخل حجرة المقبرة. كان الذهب يملئ المكان. رأوا التابوت الحجري الذي أزيح غطاؤه قليلاً. حينها قال طارق: إنها ليست مقبرة معتادة، إنها مقبرة بحق مخيفةومرعبة . وفجأة سمعوا صوتاً من الخلف يقول: لقد كنا بانتظاركم !! كان هذا سليم مع رجاله. بسرعة رفع سلاحه فؤاد نحوهم، فقال سليم: لا داعي للمقاومة يا حضرة الضابط. 

ما زال خليفة يتساءل عن سر المكالمة الغريبة التي جاءته في الصباح الباكر، وما هو الأمر الملح الذي لا يمكن تأجيله. لماذا الإصرار على اللقاء في تلك البقعة من الغابة ؟ كان لذكر أحمد في الحديث أثراً كالسحر في نفسه، وخاصة حين أخبره من على الهاتف أنه قد وجد حلاً للخلاص من أحمد. وقف خليفة على مشارف الغابة مكان اللقاء. وحين شعر بوجود حركة خلفه التفت ليرى . وإذ برصاصة نارية انطلقت لتصيب عينيه وتشق طريقها إلى مؤخرة جمجمته.وككل مرة كان أيمن العبيط هو أول من عثر على الجثة ، فانطلق في يصرخ في النجع: قُتل خليفة! 

ارتمى حسنين وهوينتحب على الجثة وقال: إبني خليفة. أخبرني بالجبان الذي فعلها! عندها قال الحاج حمد: فعلها إبن الحاج عبد الكريم، فعلها أحمد !! سوف أذهب إلى هناك، ولا أريد أحدكم أن يُقدم أعلى حماقة حتى أعود. وفي بيت الحاج عبدالكريم قال الحاج حمد للحاج عبدالكريم: يبدو أن ابنك أحمد هو من قام بقتل خليفة إبن الحاج حسنين. لقد نفّذ تهديده. لماذا لم توقفه يا حاج ؟ 

 تحرك كل من فؤاد و أحمد وبهاء وطارق معصوبي الأعين، لا يعرفون أين هم يتجهون. وبعد وقت من المشي، سمعوا أحدهم يقول: يمكنكم خلع العصابات عن عيونكم ، ولكن إياكم والتفكير في الهرب. فخلع كل منهم عصابته ليروا سجنهم، فجوة في قلب المغارة ، وقد أغلقت فتحتها بقضبان من الحديد طويلة وسميكة . قال طارق: إن النقوش، التي قرأتها، كانت تتحدث عن عودة ساحر بعد دورة قمر كاملة. وأنها سوف تحل روحه في داخل جسد أول بشري وقع بصره على جثمانه في التابوت؛ كي يستعيد بذلك قواه الكاملة، ويبدأ قيادة أعوانه ليهلك العالم. فقال أحمد: يا إلهي، هذا يعني أنه لم يعد أمامنا شئ من الوقت . فاليوم هو اليوم الأخير من شهر ربيع الأول، وهذا يعني أن دورة قمرية كاملة توشك على الإنتهاء اليوم . مما يعني عودة ذلك الساحر اللعين. عليّ أن أخبر أبي بهذا يجب أن يعلم أبي !! وأخذ أحمد يصيح: يا سليم. أريد أبي الحاج عبدالكريم. حينها اقترب سليم منهم وإلى جانبه الحاج عبدالكريم. فقال عبد الكريم: أنا هنا بالفعل يا أحمد! أطبق الصمت والوجوم على الجميع. وبعد ان أفاق أحمد من الصدمة قال أحمد: هل رأيت ما فعله سليم ؟ لقد حبسني ! فقال عبدالكريم: لم يفعل سليم إلا ما أمرته به يا أحمد! ما كان عليك التدخل في ما يدور، لقد عقّدت الأمور بما فعلته. حينها قال فؤاد: لقد قمتم باختطاف رجل شرطة، إنها جريمة لا تعلمون نتيجة عواقبها. قال الحاج عبد الكريم: أنتم هنا من أجل حمايتكم من لعنة المقبرة، وسوف نطلق سراحكم بعد غد حين ننتهي من المقبرة. قال أحمد: وهل سأبقى أنا أيضاً محبوساً؟ قال عبد الكريم: أجل وأخشى أن حبسك سيطول. قال سليم: لقد قُتل خليفة، وهناك من يتهمك بقتله، ويطالب بالثأر له منك. فقال أحمد وهو يوجه الكلام لأبيه: وما شأنك بالمطاريد؟ فنطق سليم ، بمفاجأة كالقنبلة : إنه زعيم المطاريد! أتى المساء في تلك الليلة على غير كل مرة، فقد راحت عشرات ألسنة اللهب المستعرة تضرب صفحة السماء المكفهرة فوق النجع على وتيرة واحدة ودون انقطاع، واهتزت الأرض أكثر من مرة. وبدا أن هناك أمراً خطيراً على وشك الحدوث. ظهر الشرطي فوزي فجأة أمام كهف المسجونين. قال له فؤاد: هل أنت مع المطاريد؟ فتبسم فوزي وقال: بل أنا آخر من يعمل مع المطاريد. أخرج مسدسه من جيبه ، وأطلق النار على قفل الباب، وأطلق سراحهم. ثم انطلقوا مسرعين إلى المقبرة. كان المطر يهطل غزيراً على المقبرة الملعونة. دخلها أولاً رجلان من رجال سليم، ثم تبعه الحاج حمد والحاج حسنين، ثم الحاج عبد الكريم، وتبعهم الشيخ عايد وسليم. قال عايد لسليم: هل كنت أنت أول من نظر إلى داخل التابوت؟ فقال سليم: نعم. قال عايد: وهل تعلم وتدرك ما عليك القيام به. عليك أن تموت لنتغلب على الشروندحره . قال سليم:إنني مدرك للأمر ، ولا أبالي لشئ . سأفعلها بيدي، لن يمس عنقي سوى خنجري. بدأ الشيخ عايد بمراسم وطقوس طرد اللعنة. أمسك بصولجانه وأغمض عينيه وبدأ يتفوه بكلمات غريبة وغير مفهومة. كان الشيخ عثمان يجلس أرضاً ومقيداً أمامه. حينها وصل كل من وطارق وفؤاد وبهاء وأحمد إلى باب المغارة. كانت مريم موجودة تقف عند باب المغارة! ذُهل أحمد حين رآها. ودخلوا جميعاً الى الداخل. رأوا الشيخ عايد وهو يجز بخنجره عنق الشيخ عثمان فيذبحه، ثم ركله نحو الهاوية، وهو يصرخ: الآن يا سليم! اندفع سليم نحو التابوت، أخرج خنجره من جيبه ودون تردد مرره على عنقه، ثم وقع جوار التابوت بدون حراك. لم يحدث أي شيءمما كان متوقع ، لم يختفى باب حجرة المقبرة.،ولم تختف الهوة قال عبد الكريم: ماذا يحدث يا شيخ عايد. قال عايد: لم يكن سليم هو أول من نظر على التابوت. قال عبد الكريم: إذاً من؟ حينها جاء الجواب من فم الحاج حمد الذي أخرج مسدسه، وصوبه نحو الجميع وقال: انتهى الآن وقت العبث. لن أسمح لكم بإغلاق حجرة المقبرة، لن أدع كل هذا الذهب هنا وأخرج خاوى الكفين . صرخ فيه الحاج عبد الكريم قائلاً: أفق يا رجل، هناك ساحر سيقتلنا جميعاً. اقترب أحمد من الحاج حمد، فأطلق رجال حمد النار عند أقدامه، وقال الحاج حمد:أحذرك لا تقترب من هنا.على ما يبدو أن كل شباب هذه الأيام أغبياء وحمقى، لقد كان خليفة أيضاً متهوراً وغبياً أحمقاً ووقد نال ثمن حماقاته. قال فوزي: انت من قتلته، أليس كذلك؟ قال الحاج حمد: لقد كان خليفة مجرد طفل أحمق يستعد ليصير العمدة ويقود النجع من بعد أبيه. وأنا لسنوات طويلة عدة احتملت دور الرجل الثاني، أما والآن فلن أعد الرجل الثاني ،سأكون العمده . وبينما كان الحاج حمد منهمكاً بالحديث والشرح ، فلم يكن يرى شفتا الشيخ عايد وهما تتمتمان بشيء ما، ثم فجأة حرك الشيخ عايد صولجانه إلى ناحية الشيخ حمد، فإذا بسلاحه يطير من يده بالهواء ، ويهوي في الهاوية. ثم برز من صولجان الشيخ عايد ذئاب شيطانية هاجمت حمد ورجاله وفتكت بهم جميعاً. وفجأة اقتربت مريم من خلف الشيخ عايد وهوت بخنجر معها على ظهر الشيخ الذي التفت إليها مذهولاً قبل أن يسمع الحاج حسنين وهو يقول: لقد انتهت رحلتك الطويلة أيها الكاهن.. انتهت بهزيمتك ! 

كان الذهول لا حد له، وأطبق على المكان صمت عجيب، وراحت العيون تتطلع في حيرة وعدم فهم إلى الحاج حسنين ومريم والشيخ عايد. صاح أحمد: أنتِ يا مريم؟! قال الحاج حسنين: لقد أصبحت منا يا أحمد، ألم ترى الوسم على صدرها، لقد اختارها سيد الموتى زوجة له حين يعود. قال الشيخ عايد في وهن: إذاً لقد كنتَ أنتَ !!! فقال الحاج حسنين: لم يكن سليم أول من نظر إلى داخل التابوت، بل كنتُ أنا من نظر النظرة الأولى. ونحن نعرف أنه من ينظر أول نظرة إلى التابوت الملعون يكون سيد الموتى بعد دورة قمرية واحدة. ثم تمتم حسنين بكلمات فظهرت أشباح الموتى. أمسك حسنين بيد مريم وقال: هيا بنا يا أميرتي، لقد حان الوقت. ودخلا إلى حجرة المقبرة. 

بدأت الأشباح تهاجمهم وتفتك بهم ، واستطاعت أن تقضي على طارق وبهاء. وفجأة بدأت الجدران تهتز وترتج بغتة، ووسط ذهول الجميع رأوا الشيخ عايد وهو يسبح في الفضاء رغم آلامه، وصولجانه يومض بقوة، وهو يصرخ: تراجعوا يا كائنات الظلال. وبدأت الأشباح رويدأ رويداً تختفي. ثم قال الشيخ عايد: الوقت قد داهمنا ، ليلحقه أحدكم ويقتله قبل أن تعود إليه كل قواه. اندفعت مريم بقوة جنونية نحوهم، حاملة خنجرها، إلا أن أحمد وبمساعدة فؤاد تمكنا من السيطرة عليها. انطلق الحاج عبد الكريم إلى داخل حجرة المقبرة، وتبعه فوزي. أمسك فوزي بالحاج حسنين وقام عبد الكريم بطعن حسنين في رقبته من الخلف. إلا أن يد المومياء داخل التابوت تمكنت من أن تمسك برقبة فوزي وتحطمها. صرخ الحاج حسنين وأطلقت المومياء صرخة شنيعة قبل أن تضرب الحاج عبد الكريم في صدره فتحطمه. 

أخذ المكان يرتج بغتة ويتزلزل، وراحت الأحجار من كل مكان تتهاوى ، وفي خارج حجرة المقبرة هتف الشيخ عايد في الجميع ليخرجوا. حمل أحمد مريم، التي فقدت وعيها، وخرج من المغارة وكذلك فؤاد. أما الشيخ عايد فقد هوى في الهاوية. ظل المكان يرتج ويتزلزل لبعض الوقت، ثم همد كل شيءوهدأ. اختفى باب حجرة المقبرة، واختفت الهاوية. ثم عاد للمكان سكونه القديم. راح فؤاد يبكيفي ألم ، تذكر بهاء وصديقه طارق اللذان هلكا من دقائق أمام عينه . وراح أحمد يبكي على أباه وعلى سليم وفوزي الذين قضوا نحبهم في المقبرة أيضاً.أما مريم فقد بدت مذهولة تنظر للجميع في فزع وكأنها تتساءل: كيف جئت إلى هنا؟! 

على الفراش رقدت آمنة.. أغمضت عينيها وراحت أنفاسها تتلاحق في وهن. ثم ابتسمت فرأت ابنها. وهناك رأى أمه. ابتسم ومد لها كفه. قالت: أنا معك يا ولدي فلا تخاف. لن نفترق ثانية بعد اليوم. فسمعت ابنها يقول: لم يكن أحمد إذاً يا آمنة. فقالت آمنة: لقد كان أنت منذ البداية، شعرتُ بهذا. فاحتضن عبدالكريم كفّ آمنة في وهن قبل أن يغلق عينيه للأبد. في حجرتها، انطبعت ابتسامة فرحة في وجه الرأس الميت لآمنة. وقد بدا على وجهها الرضا بالنهايات السعيدة. هنا صرخت كوثر في لوعة: ماتت آمنة !ماتت آمنة ..                                     

                                         النهاية.