الأحد، 15 أكتوبر 2017

ت

تلخيص رواية 

عصابة الأربعة:آرثر كونان 

إعداد وإشراف: رجاء حمدان







كان شرلوك هولمز يحقن ذاته إبرة كوكائين وأنا اراه يعمل هذا ثلاث مرات في اليوم لشهورعدة كثيرة ، وبدأتُ اتضايق جدا منها وكنت ألوم نفسي لأنني لا أملك الشجاعة لكي أفصح له بما يجوش في قلبي بسبب صفاته العديدة والرائعة التي تجعلني أخجل وأتردد عن قوله ، حتى وصلتُ لدرجة أنني فقدت السيطرة على ذاتي ربما بسبب ما تناولته من مشروب ففقدت السيطرة على دماغي و قلت له ذلك، فقال: يا واتسون أنت على حق، إن اثر المخدرات على الجسد سيء لكنني أجدها مثيرة للتعالي ومنقية للعقل لدرجة أن آثارها الجانبية صارت مواضيعا بلا أهمية. قلت: عليك أن تفكر في الموضوع ! إنتبه للخسارة!, قد ينشط دماغك وتستيقظ حواسك كما تحكي لكن هذه العملية مَرَضية و تنتهي إلى تغير متزايد في الأنسجة وتترك في النهاية ضعفاً مستمرا ، فأنا أكلمك ليس كصاحب فقط بل كدكتور وواجب عليّ أن اعتني بصحة الناس. 
لم يبد منزعجا بل على العكس من ذلك رمى نفسه على المقعد كانسان يستمتع بالحديث وقال: إن عقلي لا يريد حالة الركود، أعطني مصاعب أعطني عمل الكتابة بالشيفرة الأكثر غموضاً لاحس أني إعتيادي ، إنني أقرف من الروتين الممل وأتوق إلى النشاط المنطقي، لذلك اخترت مهنتي الغريبة أو بالأحرى أوجدتها لأنني الوحيد الذي أشتغل بها،, حين يصعب أمر في حل لغز ما على غريغسون أو ليسترايد أو أتلني جونز ويقفوا عاجزين عن فهم موضوع ما - وبالمناسبة هذا ما يجري دائماً- أقوم بفحص العمليات كخبير و اقول برأيي كرجل اختصاص، وأنت رأيت طريقة شغلي في قضية جيفرسون هوب. فقلت بصراحة: أجل، بالفعل لم يسبق لموضوع ان صدمني إلى هذا الحد، حتى أنني كتبت كل شيء في كتيب صغير و جعلت له عنواناً "دراسة في اللون القرمزي". كان شرلوك هولمز معتدا بنفسه لأن عمله امتدَّ نهاية إلى القارة الأوروبية فقد طلب منه فرانسوا لوفيلارد المفتش الفرنسي نصيحته، إنه يتمتع بمهارة أجداده السلتيين الذين تميزوا باحساسهم البديهي لكن ينقصه الخوض في مجال العلم، كانت القضية تدور حول وصية من عدة عناصر مهمة جدا .
 شرلوك هولمز: قمت بتأليف دراسات كثيرة تتعلق بامور تقنية تبرز في المحاكمات الجنائية وذات أهمية كبيرة جدا في حل اللغز، ثم قال: لقد اجهدتك يا واتسون بالحديث عن هواياتي. لكنني أجبته بكل امانة : لا على الإطلاق، هذا موضوع في غاية الأهمية بالنسبة لي خاصة بعد أن سنحت لي الفرصة بمتابعة تطبيقك الفعلي لكل ذلك, لكنك أشرت منذ قليل إلى الاستنتاج و المراقبة , لا شك أن كل عمل منهما يتضمن الآخر؟.
 شرلوك هولمز: من النادر جدا ما يكون هذا صحيحاً، إن المراقبة مثلاً تقول لي أنك هذا الصباح كنت في مكتب البريد في طريق ويغمور ، لكن الإستنتاج يوحي إليّ بأنك خلال تواجدك هناك قمت بإرسال برقية. بالطبع لم أكن الاحقك وأسير خلفك، إنما لديك كتلة حمراء صغيرة بباطن حذائك ومقابل مكتب البريد في طريق ويغمور أزيل الرصيف وتم ازالته بتراب أحمر, ولا يوجد تراب أحمر في مكان آخر في الجوار حسب ما أعلم ، وأستنتجت أنك بعثت برقية لأني رأيت على طاولة مكتبك مجموعة بطاقات و ورق طوابع ولم أرك تكتب رسالة منذ أن جلست بقربك, فمن المؤكد أنها كانت برقية.

 كان شرلوك هولمز دقيق الملاحظة وإستنتاجاته قريبة من الحقيقة إن لم تكون هي الحقيقة نفسها , وأنا بالنسبة لي بعد أن حاولت أن اختبر إستنتاجاته بطرق غريبة أصبحت أكثر تأكداً من قبل بأن ما يكتشفه شرلوك هولمز هو الحقيقة. قُرع الباب وكانت هناك سيدة فتية تدعى ماري مورستان، لم يكن شرلوك هولمز قد راها قبل ذلك ، إنها تشتغل لدى السيدة سيسيل فورستر كمربية, و عرفت من السيدة سيسيل أن شرلوك هولمز عاونها في حل لغز ما فجاءت اليوم تطلب منه المعاونة في أمر غريب، طلب مني شرلوك هولمز أن اظل وطلبت المرأة ذلك أيضاً، وعرضتْ على شرلوك هولمز مسالتها فقالت باختصار هذه هي الاحداث: كان ابي ملازماً في كتيبة في الهند وقد بعثني الى انجلترا و انا طفلة صغيرة لا والدتي قد ماتت, فوُضعت في مأوى جيد في أدينبرا حتى صار عمري سبعة عشرة عاماً, وفي عام 1878 رُقي ابي إلى رتبة كابتن وحصل على عطلة لمدة عام عاد فيها إلى الوطن, و ارسل إليَّ ببرقية من لندن يقول لي فيها أنْ أحضر إليه وأعطاني عنوان فندق لانغهام، كانت الرسالة تفيض عطفاً و حباً ، وعند وصولي الى لندن ذهبت الى الفندق فقيل لي: إن الكابتن مورستان خرج مساء الليلة الفائتة و لم يرجع إنتظرتُ طوال اليوم دون أن اسمع اي نبا منه , وفي المساء تكلمت مع الشرطة لكن لم أحصل على نتيجة ولم اعلم اي شيء عن ابي الحزين ، إختفى في الثالث من شهر كانون الأول سنة 1878 وبقيتْ حوائجه بالفندق، لم يكن فيها أي برهان , كانت عبارة عن كتب وثياب وكمية كبيرة من التحف الغريبة التي جلبها معه من جزر أندمان، فقد كان الضابط المسؤول عن حرس الحبس هناك.

 كان لديه صاحب وحيد هو الرائد شولتو وكان في الكتيبة ذاتها كتيبة المشاة الرابعة والثلاثين في بومباي, كان متقاعداً و يعيش في نوروود لكن عندما تكلمنا معه لم يكن يعلم بأن صاحبه رجع إلى إنكلترا، ومنذ حوالي ست اعوام في الرابع من ايار 1882 قرأت إعلاناً في صحيفة التايمز يطلب موقع الآنسة ماري مورستان وأن ذلك لمصلحتها, ولم يكن في الإعلان أي عنوان أو إسم ، فنشرت عنواني في ذات الجريدة ومن يومها أستلم كل سنة في نفس الوقت علبة كرتونية بقلبها لؤلؤة كبيرة براقة دون أي رسالة أو علامة الى ذلك. واليوم جاءتني رسالة التاريخ 7 تموز تقول: هذه الليلة عند الساعة السابعة اذهبي عند العامود الثالث من الجهة اليسرى خارج مسرح ليسيوم ، إذا كنت في ريبة أحضري معك صاحبين، أنت فتاة مظلومة, لا تجلبي معك الشرطة إذا فعلت ذلك يضيع كل شيء، صاحبك المجهول.
 فقال شرلوك هولمز: اذا رغبت فسنخرج معك أنا والدكتور واتسون، فذهبت وسألت بتوسل إن كنت سارضى؟, فقلت: سأكون سعيداً إذا قدرت ان اعاونك ، شكرتنا وغادرت المكان, وخرج صاحبي شرلوك هولمز لأمر هام وبقيت قاعدا لأكمل قراءة الكتاب الذي بدأت فيه لكن شكل الآنسة ماري لم يفارق عقلي, فبقيت أفكر وأحلم حتى توصلت إلى قرار أنني مجرد دكتور في الجيش وراتبي القليل لا يسمح لي بهذه الأحلام، وبعدها غرقت في قراءة الكتاب بجدية. 

عاد هولمز في الخامسة والنصف و قال لي أنه تصفح جرائد التايمز القديمة وعلم وقرأ نبا وفاة الرائد شولتو في الثامن والعشرين من نيسان 1882، وكانت ملاحظاته من ذلك ومن حديث الآنسة ماري مورستان كالتالي: إذاً الكابتن مورستان يختفي والإحتمال بأن الانسان الوحيد الذي قد يكون قام بمقابلته هو الرائد شولتو، والرائد شولتو ينكر أنه على عرف بوجوده بلندن, وبعد أربع اعوام يموت شولتو ثم بعد أسبوع من وفاته تصل هدية قيِّمة لأبنة مورستان, و استمرت الهدايا وبلغت ذروتها بالرسالة الأخيرة التي تقول بأنها إمرأة مظلومة، أي ظلم تشير إليه الرسالة سوى حرمانها من ابوها؟, ولماذا تبدأ الهدايا مباشرة بعد موت شولتو إلا إذا كان وريثه يعلم شيئاً عن هذا اللغز و رغب في تعويضها؟.

 رجعت الآنسة ماري مورستان في السادسة ثم خرجنا سوية الى المكان , ولاحظتُ أن شرلوك هولمز اخذ سلاحا ووضعه في معطفه قبل نزولنا تحسباً لأي خطر، وأثناء الطريق أخرجت الآنسة ماري ورقة و مدتها لصديقي وقالت: هذه الورقة عُثر عليها في مكتب ابي ولم يُفهَم معناها لكنني رغبت في أن تراها بنفسك، تفحصَّها هولمز بدقة شديدة ، كانت عبارة عن خريطة لجزء من مكان ضخم فيه قاعات عديدة وممرات بين الاجزاء المختلفة, وفي نقطة مميزة رسمٌ لصليب صغير بالحبر الأحمر كتب اعلاه (3,37 من جهة اليسار), والكتابة رديئة ودُونت بالرصاص, وفي الجهة الثانية توجد أربعة صلبان شكلها هيروغليفي عجيب وهي مرسومة على خط مستقيم , وذراع كلٌ منها يلامس الثاني والى جانبها مدون بخط عريض وحاد (عصابة الأربعة: جوناثان سمول، عبد الله خان محمد سنج، ، دوست أكبر), قال شرلوك هولمز: إنها وثيقة مهمة بالتأكيد لكني لا اعتقد أن لها علاقة بقضية الليلة, أحفظيها بحذر يا آنسة ماري. وعندما وصلنا إلى العامود الثالث من الناحية اليسار تقدم إلينا شخص قصير القامة وبعد أن تأكد أن لا أحد منا من البوليس اخذنا الى منزل مظلم يتسرب منه ضوء خافت وقال لنا: إن صاحب البيت في انتظارنا، وفتح لنا خادم هندي ودخلنا إلى حجرة فيها رجل صغير القامة قسم من رأسه أصلع ويلتف الشعر الأحمر الخشن حول المنطقة الصلعاء، أخبرنا عن إسمه وهو تاديوس شولتو ثم قال للآنسة ماري: لو كان ابوك بقلب شجاع و لم يتعب ذاته لبقي حيا ، جلستْ ماري وهي شاحبة الوجه وتقول: كنت متأكدة من أنه توفي . 
وبعد أن تأكد هو أيضاً أنه لا أحد منا سيقول شيئاً مما سيقوله ولا أحد منا من رجال البوليس قال لنا الحكاية كلها فقال تاديوس: لقد كان الرائد جون شولتو والدي وهو من أفراد الجيش الهندي, تقاعد من إحدى عشرة عاما و رجع ليحيا في بونديتشري لودج في نوروود العليا, وكان قد جمع ثروة في الهند وعاد باموال لا بأس بها بالإضافة الى مجموعة ضخمة من التحف الثمينة ومجموعة من الخدم المحليين، إشترى لذاته منزلا و عاش مرفها , ولم يكن لديه ابناء إلا أنا و شقيقي التوأم برتلوميو، كان ابي يخاف كثيراً حتى ظننا أنا وأخي أن هذا طبيعي بسبب تقدمه بالعمر, لكن خوفه كان فوق الحد الطبيعي حتى أنه كان يخاف من الخروج ويصر على ان يظل في البيت ، وكان يستخدم إثنين من أمهر الملاكمين كحراس له وكان يكره كثيراً أصحاب الأرجل الخشبية.  

وفي بداية 1882 إستلم ابي رسالة من الهند سببت له دهشة كبيرة وكاد يغمى عليه، ومنذ ذلك اليوم وصحته تسوء يوما بعد يوم حتى توفي, لم نكن نعلم محتوى الرسالة لكنني لاحظت وهي بيده أنها مكتوبة بخط مخربش وقصيرة ، وعند وفاته جمَعَنا أنا و شقيقي وصرّح أمامنا بمواضيع ملفتة للإنتباه ومهمة, وبصوت منفعل وبشعور من الوجع قال: (شيء واحد فقط يشغل راسي في هذه الدقيقة الحاسمة وهو الأسلوب الذي عاملتُ به إبنة مورستان اليتيمة، الطمع الخبيث الذي كان خطيئتي المزعجة خلال عمري جعلني أحرمها من الكنز الذي تستحق على الأقل نصفه ، ومع ذلك لم استعمله أنا أيضاً، بسبب الجشع خفت من اقتسام الكنز مع أحد آخر، هل تريان تلك السبحة اللامعة, إنتقيتها لأعطيها لها لكنني لم اقدر, لكن أنتما يا ولديَّ سوف توهبانها حصة عادلة من كنز كبيرا, لكن لا ترسلا لها شيئاً قبل موتي ). 
ثم قال لنا كيف توفي مورستان فقال: (كان يعاني منذ اعوام من ضعفٍ في القلب لكنه أخفى الموضوع عن الكل, وفي أثناء تواجدنا في الهند وخلال احوال إستثنائية تمكنّا من الحصول على كنز كبير و رجعت إلى إنكلترا وحملت معي الكنز ، وفي اليوم الذي وصل فيه مورستان إلى لندن جاء ليأخذ حصته، إختلفت معه حول كيفية اقتسام الكنز وتبادلنا الكلمات القاسية، إنتفض منتصبا في قسوة وفجأة وضع يده على جبينه وصار وجهه بلونٍ غامق ثم وقع إلى الخلف فسقط رأسه على حافة صندوق الكنز وتملكني الخوف , عندما اقتربت منه لاقيته مات , أتى خادمي فورا وقال لي: لا تخف يا سيدي سنتخلص منه ولا أحد سيعرف بذلك، حاولت أن أشرح له أنني لم يكن لي شأن بقتله لكنه بالطبع لم يصدقني، إذا خادمي لم يكن بمقدوري أن أقنعه فكيف سأقنع هيئة المحكمة بذلك, لذا وخوفاً من أن أتهم بأنني ذبحته وافقت على أن نخفيه, وفي تلك الليلة ت قمت أنا وخادمي من التخلص من الجثة ، كان من الخطأ أن أخفي حصة مورستان معي وأتمسك بها بعد ما جرى له، لذلك أتمنى منكما أن تصلحا الموضوع ). 
 وفي اللحظة التي كان سيقول فيها عن مكان الكنز تغيرت ملامحه بسرعة وحدقت عيناه في الفضاء وأرتخى فمه وقال: أخرجا بسرعة أخرجا بسرعة من أجل الله ، إلتفتنا إلى الخلف فرأينا كأن وجه شخص ملتصقاً بالشباك , كان شخصاً ذو لحية وعيناه تنمان عن حقد و شراسة , أسرعنا إلى الشباك لكنه تمكن من الهرب, وعندما عدنا إلى ابي كان رأسه قد تنحى جانباً وتوقف نبضه. بحثنا في الحديقة فلم نجد أثراً للرجل الذي تسلل إلى بيتنا ولكن في حوض الزهور الذي يوجد تحت الشباك وجدنا أثر قدم واحدة مما أكد لنا أن الذي شاهدناه حقيقة وليس مجرد تصور، وفي الصباح لاقينا شباك الحجرة مفتوح وأغراض أبي مبعثرة لكن لم يُسرق منها شيء, ثم لاقينا ورقة ملصقة على صدره مكتوب عليها عصابة الأربعة ولم ندرك معنى العبارة. 

وبعد ذلك انقضت أياما ً وأسابيع وشهور ونحن نحفر في الحديقة لنبحث عن الكنز لكننا لم نجد اي شيء، ولأنني لم اقدر أن أقنع أخي برتلوميو بأن نبعث السبحة للآنسة ماري أقنعته أن نبحث عن موقعها ونرسل لها لؤلؤة في فترات مستمرة كي لا نثير الشبهات حولنا وعلى الأقل حتى لا تحس أنها بعوزة. 
واحتدّت المحادثات بيني وبين أخي فقررت أن اعيش وحدي، ثم علمت مساء البارحة أن حدثاً هاماً قد جرى ، لقد تم العثور على الكنز, كان موضوعا في علية صغيرة محكمة الاقفال في سطح الحجرة و لا يعلم عنها اي شخص ، وكانت قيمة المجوهرات تضاهي نص مليون جنيه إسترليني، وقد بعثت إلى الآنسة ماري وطلبت منها أن تحضر صاحبين كي يكونا شهود وكي ترتاح بوجودهما حتى نذهب إلى منزل شقيقي ونطالب بحقها، فلن تكون بحاجة للشغل فهي سوف تصبح ثرية، ثم قال: يجب أن لا نتأخر, وهممنا بالخروج متجهين إلى منزل شقيقه.

 توقفنا مقابل البيت في الساعة الحادية عشرة، طبعاً الخادم الذي فتح لنا الباب لم لم يسمح لنا بالدخول فقد كانت لديه التعليمات أن لا يُدخل سوى الأشخاص الذين يعلمهم ويعرفهم ، وعندما ذكّره شرلوك هولمز أنه لعب معه معركة ملاكمة وخسر مقابله فيها حينها ضحك وقال: نعم بالطبع إنني أتذكر الآن ادخلوا. كان تاديوس خجلاً من تعليمات أخيه لكن شرلوك أنقذ الأمر. دخلنا البيت وكان المكان مرعبا لدرجة أنني والآنسة ماري أمسكنا بأيدي بعضنا دون أن نعرف, وذهب تاديوس للتكلم مع المسؤولة عن البيت السيدة برنستون فأخبرته: أن شقيقه برتلوميو لم يخرج البتة هذا اليوم من حجرته وهو مُقفل على نفسه الباب ولم يرد عندما دققت عليه الباب, ونظرتُ من خلال فتحة القفل فلاقيته بحالة تدعو إلى الرعب ولم أره بهذه الحالة من قبل البتة .

 ذهبت أنا وهولمز وتاديوس إلى حجرة شقيقه و ابقينا ماري مع مسؤولة البيت كي تهديء من روعها وتطمئنها، وعند وصولنا إلى الحجرة قرعنا الباب لكن دون جدوى فقررنا ان نكسره , وعندما انكسر القفل وفتحنا الباب وجدنا برتلوميو الذي يشبه تاديوس دون أي اختلاف ميتاً وعلى وجهه علامة ابتسامة و تكشيرة معاً, كانت هذه العلامة مدهشة ، بدت الحجرة وكأنها مختبر كيميائي وكان السيد برتلوميو قاعدا على المقعد وجميع عضلاته مشدودة زيادة عن التيبس العادي الذي يحدث بعد الموت, وكان رأسه متجها إلى اليسار وفي رقبته شوكة مسمومة. كان يوجد سلم في مركز الحجرة و اعلاه ثقب في السقف تتسع لرجل واحد، كان الهواء مملوءاً برائحة تشبه القطران، وكان هناك حبل طويل ملفوف بغير اعتناء وعليه آثار جلد و أثار بقع دم صغيرة ، وكان على الطاولة ورقة صغيرة دوَن عليها بخط خربشة عصابة الأربعة. تفحص شرلوك هولمز المكان بدقة و خرج الى العلية ليتفحصها و شاهد آثار أقدام صغيرة لانسان حافي القدمين، قلت: يا إلهي إن القاتل غير كبير في السن فقال: لا إنهما شخصان, ومن المرجح أن الشخص الصغير قام بالمعاونة في إنزال الحبل حتى يصعد عليه الشخص الاخر وبعد العملية أعاد الحبل وأغلق الشباك ، وعندما تفحصنا الحوض الذي أسفل الشباك وجدنا آثار أقدام أحدها خشبية. وحينها قلت أن كل هذا لغز رهيب لا يوجد له حل، قال شرلوك هولمز: على العكس إنه كل لحظة يتوضح اكثر ، هناك مجرد بضعة حلقات مفقودة حتى نحل الموضوع، ثم قال لهم تاديوس أن الكنز مفقود حيث أنه قد عاون أخاه في إنزاله إلى أرض الغرفة وخرج وأغلق أخوه الباب على ذاته خلفه وذلك في الساعة العاشرة. كان تاديوس خائفا من ان يجيء البوليس وتتهمه بقتل أخيه وسرقة الكنز، لكن شرلوك هولمز أقنعه أن يخبر البوليس وأنه لن تتم إدانته، وحين جاءت الشرطة وبحثت في المكان وتفحصته ألقت الذنب على تاديوس بصفته أنه آخر انسان رأى أخاه ومنذ ذلك الحين و شقيقه في حجرته والباب مغلق عليه .

 إرتعد تاديوس رعبا لكن شرلوك هولمز هدأه طمأنه و قال له انه يقدر ان يثبت براءته مع تقديم هدية، ثم طلب مني أن أوصّل الآنسة ماري مورستان إلى بيتها وأن أذهب إلى لامبيث حيث يوجد هناك منزل يقع على ضفة النهر لتحنيط الحيوانات, وأن أطرق الباب كي أوقظ الرجل الكبير شيرمان وأبلغه كامل تحياتي ثم أطلب منه أن يمنحني الكلب طوبي وأعود به في الحال إلى هنا. قمت بالمهمة و خرجت لأوصّل الآنسة ماري, وفي الطريق قالت لي: لقد تعاملتَ معي بقسوة هذه الليلة فقلت: لا بالطبع, وإنني مشتاق كاشتياقي لاول مرة عندما طلبت يدك في الحديقة ولكن ما جرى الليلة جعلني خائفا قليلاً، شعرتُ بارتياح عندما أوصلتها و لاقيت أن السيدة التي تشتغل عندها تنتظرها حتى هذا الوقت المتأخر, وفهمت من طريقة معاملتها لها بأنها صاحبة طيبة وليست مجرد مربية أطفال، وبعد أن ارتحت خرجت لإحضار طوبي و رجعت إلى شرلوك هولمز، ورأيت أن البوليس قبضت على كل من كان في البيت. كان شرلوك هولمز قد لاحظ آثار قدم قد غمست في سائل الكرييوسوت المرمي على الأرض في حجرة المتوفي ، فأخذ منديلاً وغمسه بالسائل ووضعه تحت أنف الكلب ثم ذهبنا إلى الخارج ورمى المنديل وأنطلق الكلب يجري و ركضنا ورائه بسرعة ، ثم توقف عند منزل مربع ضخم جدرانه باهتة ونوافذه سوداء عالية وفارغة, بدأ يعوي بإصرار, تسلقنا وأخذنا طوبي إلى داخل السور, كان على الاحجار آثار دم من يد صاحب الرجل الخشبية.
 ثم بدأ شرلوك هولمز يقول لي كيف جرت الحكاية من اولها حسب ما اكتشفه : ضابطان مسؤولان في كتيبة لحراسة الحبس يكتشفان سراً بشان كنز مدفون، يرسم خريطة الموقع لهما رجل إنكليزي اسمه جوناثان سمول، تذكر أننا راينا إسمه على الخارطة التي لاقيناها بمكتب الكابتن مورستان وقد وقعها بإسمه وبإسم شركائه عصابة الأربعة، و من خلال هذه الخارطة تمكن الضابطان أو واحد منهما من العثور على الكنز الذي تم اخذه إلى إنكلترا، لم يأخذ جوناثان سمول الكنز بذاته لأنه كان موقوفاً مع شركائه الأربعة. بقي الرائد شولتو مرتاحاً والكنز في يده ، حتى بُعثت اليه رسالة من الهند تسببت له بخوف كبير، ترى ماذا كان فيها ؟، لقد كان بداخلها أن الرجال الذين خدعتهم تم تحريرهم أو أنهم هربوا، فقرر حماية ذاته ضد صاحب رجل خشبية وهو شخص أبيض البشرة تذكّر أنه شك في أحد التجار البيض و رماه بسلاحه ، وهناك إسم رجل واحد أبيض على الخارطة والثلاثة الآخرين من المسلمين أو الهندوس.
 دعنا نضع ذواتنا مكان جوناثان سمول لنشاهد الامر من وجهة نظره: لقد وصل إلى إنكلترا وهو ينوي استعادة ما يعتبره حقاً له و للثار من الرجل الذي لم يحسن اليه ، عرف مكان إقامة الرائد شولتو و من الممكن أنه اتصل بشخص يشتغل داخل البيت، هناك كبير الخدم لال راو, تذكّرْ أننا لم نراه وأن المسؤولة عن البيت لا تطلق عليه الصفات الجيدة. ولأنه لم يكن يعرف موقع الكنز بقي يراقب الرائد شولتو, وعندما احس أن الرائد على وشك الموت تجاوز الحارسين عند الباب ووصل إلى شباك حجرته لكن الذي منعه من الدخول هو وجود ابناءه معه، لكن مات الرائد وأخذ سر مكان الكنز معه وفي نوبة غضب دخل جوناثان إلى الحجرة وفتش المكان ثم خرج دون أن يجد شيئاً.

 وبقي يراقب بالخفاء حتى تم العثور على الكنز، ولأنه لن يقدر من ان يصعد الى الحجرة العلية برجله الخشبية كان ياخذ معه شريكاً غريباً، وشريكه هو الذي قام بالقتل وسبب ذلك ازعاجا لجوناثان، ويظهر ذلك من الآثار التي خلفها بالحجرة ، أما الشريك الآخر فإننا من المؤكد سنعلمه عما قريب حيث أنه لا يوجد بجانبه الكثير من الغموض, وبالطبع إنه ليس طفلاً وربما هو رجل من مكان ثاني غير هذه البلاد, فهناك بلاد فيها الناس صغيرة الحجم أكثر من العادي . 
كنت أستمع لصاحبي بصدمة كيف وصف الموضوع بهذه الدقة؟، إن له حدساً دقيقاً، تحدثنا قليلاً ثم سألني: هل معك سلاحا ؟ فقلت: إن معي عصاي, فقال: سنحتاج إليها حين نصل إليهما، سأترك لك جوناثان أما الآخر فإنني سارميه بالنار إذا كان مؤذياً، ثم أكملنا نتتبع طوبي و مشينا دربا طويلا حتى وصلنا إلى نهاية طريق برود ستريت, وقادنا طوبي إلى الضفة حيث يوجد طريق من الخشب , توقف في آخر الرصيف ونظر إلى المياه الغامقة وكان يعوي، فقال شرلوك هولمز لم يسعفنا الحظ لقد استقلا مركباً. وبالقرب من رصيف الميناء شاهدنا منزلا صغير الحجم موضوع عليه لوحة كتب عليها موردكاي سميث وتحتها كُتب قوارب للإيجار بالساعة او باليوم ، تقدمنا نحو المنزل بينما خرج طفل مسرعاً ووالدته خلفه , كانت تنادي عليه كي تجعله يغتسل فأعطاه صاحبي شلنان مقابل أن يسمع كلام امه , وحينها كانت امه تحدثنا عن زوجها الذي هاجر في مركب ومعه شخص بقدم خشبية وكانت تخاف أن ينفذ الفحم لديه لأنه لم يأخذ كفايته من الفحم، صدمنا انا و صاحبي وبعد أن أخبرناها أننا نريد إستئجار المركب البخاري قالت لنا كل ما نرغب في ان نعلمه من تفاصيل دون أن نطلب منها ذلك، فقالت لنا أن الفحم الموجود على القارب لن يوصلهما أبعد من وولويتش وأنه لن يبتاع الفحم من مكان ثاني في طريقه لأنه لن يجذبه السعر, و قالت لنا أيضاً أن صاحب القدم الخشبية كان على وفاق معه من قبل وجاء إليه في الصباح وخرجا مسرعين وأخذ معه إبنه الكبير، وأعطتنا أوصاف المركب التي انتقلا بها وإسمها، وكل ذلك بشطارة صاحبي شرلوك هولمز الذي كان يحسسها أنه لا يوجد سبب لخوفها و ان حديثها لا يهم .

 رجعت انا و صاحبي الى البيت ومعنا هذه المعلومات المهمة بعد أن بعث صديقي برقية إلى الملازم ويغنز مدير فرقة بايكر ستريت غير القانونية ، وفي صباح اليوم التالي اكلنا الفطور وأثناء ذلك كنا نقرأ انباء الجريمة في الجرائد , فقد قام المحقق جونز وهو المسؤول عن التحقيق أمام المحكمة بنشر ملخص عن المسالة وقد أعطى تصويراً حول كيفية الجريمة من وجهة نظره غير الصحيحة ، وهذا الأمر أضحك هولمز لأنه وأنا نعلم بالضبط ما حصل وبقي أن نقبض على الشخصين الهاربين. بعد الإنتهاء من الفطور جاء الضابط ويغنز مع فرقته غير القانونية وعددهم إثنا عشرة رجلاً، أعطاهم هولمز التعليمات بالبحث عن جوناثان و صاحبه الهاربان على متن باخرة بخارية و اخبرهم ب أوصاف الباخرة وأمرهم بالشروع بالعمل.

 لم يكن موضوع مقتل برتلوميو شولتو يهمني ولكن كان في الموضوع الكنز الذي هو للآنسة ماري جزء فيه، كنت مستعداً لأن اعمل أي شيء حتى ارجع لها حقها بالرغم من أن هذا الكنز سيكون الحاجز بين أن نكون سوياً أنا وهي، لأنني كنت أكره أن يفكر أي أحد أنني أتقرب منها من أجل الكنز الذي ستاخذه ، فأنا كنت لا احبذ الحب الأناني والتافه الذي يوحي بذلك. بعد الظهر من ذلك النهار كنا ما زلنا ننتظر جواباً من الفرقة غير القانونية التي ذهبت للبحث عن مركب الهاربين، وبعد أن تأكدت من هولمز أنه لن يحتاجني لهذا اليوم قلت له أنني سأذهب لملاقاة الآنسة ماري، وفي طريقي اصطحبت طوبي وأعدته إلى صاحبه ثم انتقلت إلى منزل السيدة فوستر التي تشتغل عندها الآنسة ماري, ووجدتهما منتظرتين لتعلما ما استجد من تفاصيل في المسالة فقلت لهما كل ما حصل معنا متجنباً التفاصيل المريعة ، ولكن ما ذكرته لهما كان كافياً ليصدمهما ، وقالت السيدة فوستر: هذه رواية امراة مظلومة وكنز يضاهي نص مليون جنيه ومجرم برجل خشبية، فأضافت الآنسة ماري وهي تتطلع الي بحدة : وفارسان مغرمان يتوليان عمليات الإنقاذ. فقالت لها السيدة فوستر: لكن غناك يا ماري معتمد على نتيجة هذا البحث وأنا لا أراك متحمسة كما اللازم ، تخيلي عندما تصبحين بهذا الغنى والعالم كله تحت قدميك ، فقالت لها ماري:إن شد ما يقلقني هو مصير السيد تاديوس شولتو ولا أهمية لشيء آخر، اظن ان تصرفه كان رقيقاً ومشرفاً ومن واجبنا أن نخلصه من هذه التهمة التي لا أساس لها من الصحة. دق قلبي سعيدا عندما سمعتها تقول ذلك وكأن الكنز لا يعني لها ، وعند المساء عدت إلى المنزل لكن صديقي هولمز لم يكن هناك ولم يترك لي اي اشارة ، سألت صاحبة البيت عنه فأخبرتني أنه خرج الى حجرته وكان متوتراً كثيراً ويسألني كلما قرع الباب: مَنْ هناك، وعندما ذهبت إليه علمت أن الفرقة التي بعثها للبحث عن قارب الهاربين لم تتوصل إلى أي نتيجة بعد ، و قال لي أنه إذا اضطر فسوف يشارك بالبحث عن ذلك المركب .

 ومع ظهور صباح اليوم الذي يليه وبِدء النهار لاقيت شرلوك هولمز بالقرب من فراشي وهو يرتدي ملابس بحارة وأخبرني أنه سيخرج للبحث بنفسه, فعرضت عليه أن أذهب معه لكنه أخبرني أنه من الأفضل أن أبقى في البيت تحسباً لوصول أي معلومات وأعطاني صلاحية لفتح أي مغلف أو برقية تصله، وأخبرني أنه لن يتغيب لفترة كبيرة وسيحاول الحصول على التفاصيل قبل عودته. 

خرج صاحبي و ظللت لوحدي وأثناء الفطور قرأت بالجريدة نبا جديداً عن التحقيق في الجريمة وكان كالتالي: لقد تبين لدى المتحري أن السيد تاديوس ليس له علاقة بالموضوع وتم إطلاق سراحه هو و المسؤولة عن البيت ، لكن الخادم لم يتم إطلاق سراحه وقد يتم القبض على أشخاص ثانيين في الأيام المقبلة حيث يتم تتبعهم من قبل آتلناي جونز من سكوتلانديارد بسبب تمتعه بالذكاء والنشاط، فقلت في نفسي هذه نتيجة مرضية حتى الآن فالسيد شولتو لم يعد في خطر هذه اللحظات . 
وقرأت أيضاً إعلاناً يقول: (مفقود: المراكبي موردكاي سميث وولده جيم انتقلا من رصيف سميث تقريبا الساعة الثالثة صباح الثلاثاء الفائت في الزورق البخاري أورورا، له مدخنة سوداء وهو أسود اللون وعليه خطان باللون الأحمر و للمدخنة إطار أبيض، وسيدفع مبلغ خمس جنيهات لمن يقدم تفاصيل إلى السيدة سميث في رصيف سميث أو في 221 ب بايكر ستريت حول موقع وجود موردكاي سميث المذكور والزورق أورورا), وبدا لي هذا العمل ممتعا لأن الهاربين إذا قرأوه لن يبدو لهم أكثر من زوجة خائفة على غياب زوجها. مر اليوم بطريقة بطئية و صاحبي هولمز لم يعد بعد ولم تصل أي انباء منه أو عن الإعلان، وفي الساعة الثالثة من اليوم جاء الى البيت السيد آتلناي جونز، ألقى عليّ التحية وقال: أنا اعرف أن شرلوك هولمز ليس موجوداً فقلت: نعم ولا اعلم متى سيرجع ولكن يمكن انتظاره إذا أردت، شكرني و قال لي أنه أتى ليحصل على المساعدة بعد أن اعترف بأن صاحبي هولمز رجل رائع ولا يرضى ب الفشل وأنه لم يعلم قضية عجز هولمز عن حلها، وأنه سريع في التوصل إلى النتائج . ثم قال لي أنه استلم برقية من هولمز و سلمني اياها كي أقرأها فقرأت التالي: إذهب إلى بايكر ستريت على الفور وفي حال تأخري إنتظرني هناك, أكاد أحكِم الوثاق حول عصابة شولتو، تقدر مصاحبتنا الليلة إذا أردت أن تكون حاضراً في المرحلة الأخيرة. قلت في ذاتي هذه الرسالة تبشر بالخير، إنه تمكّن أخيراً من التقاط الرائحة مرة اخرى ، ثم قال جونز بارتياح واضح : إنه كان واقعاً بالخطأ, حتى الاحسن من بيننا قد يقع بالخطأ وقد يكون إعلانه غير صحيح ، لكن واجبي كرجل قانون يُحتم عليّ ألا اخسر أي فرصة متاحة لي. 

وبعد قليل سمعنا خطوات رجل على الدرج , كان يتنفس بطريقة غريبة كما لو أنه مصاب بالربو, كان يلبس زي بحارة وركبتاه ترتعشان وألقى على رقبته شالاً ملوناً, ولم أتبين و اعلم كل شيء عن وجهه سوى عينين سوداوين ينمان عن فطنة وحاجبين كبيرين لونهما أبيض, وبدا لي أنه بحار عظيم أوقعه الفقر في الشيخوخة. قلت له: ماذا اقدر ان اعمل لصالحك ؟, نظر حوله وسأل عن صاحبي هولمز إن كان موجوداً؟, فقلت له إنني أحل مكانه وسألته إن كان جاء بعد رؤيته الإعلان عن القارب والرجل المفقود؟, فقال: نعم جئت و انا اعلم موقع المركب وأعرف أين الرجلين اللذان يبحث عنهما و اعلم مكان الكنز. لكنه رفض أن يقول ل أي أحد منا بالمعلومات التي في يده وقال: إن كان شرلوك هولمز غير موجود فلن أقول اي شيء لشخص ثاني وعليه أن يكتشف ذلك بنفسه، فقلت له سوف نعوض لك وقتك المهدر ولكن عليك الإنتظار حتى يرجع ، وجلسنا نكمل تدخيننا و تكلمنا بعض الوقت وفجأة سمعنا صوت هولمز صاحبي وهو سعيد, وجلس الى جانبنا وأختفى الرجل الكهل بلحظة، كان الرجل الكهل هو صاحبي هولمز المتنكر !، لقد خفنا لحظة أظهر ذاته . سأل هولمز السيد جونز عن اخر انباء المسالة فقال: لا شيء, لقد أطلقت سراح شخصين بسبب ظهور براءتهما وليس لدي شخصين ثانيين أضعهما مكانهما، فقال له شرلوك: ضع ذاتك تحت تصرفي وقدم لي ما أطلبه و من بعدها ستحصل على الثناء, فقَبِل على أن يحصل على المعاونة في القبض على المجرمين الهاربين.
 طلب منه هولمز مركبا بخارياً سريعاً للبوليس وأن يكون متوقفاً عند ويست مينستر في السابعة مساءاً وأن يكون عليه رجلان شجاعان في حال حدثت اي مشكلة ، وعند القبض على المجرمين سآخذ الكنز إلى الفتاة الشابة التي تمتلك نصف ما فيه فهي ستكون أول من يفتحه, أليس كذلك يا واتسون؟, فقلت سأكون فرحة جدا إن حصل ذلك، فقبل الضابط مقابل أن يعطي إلى السلطات حتى نهاية التحقيقات.

 طلب هولمز أيضاً أن يرى المجرم جوناثان سمول كي يستمع منه إلى كل المعلومات و التفاصيل على أن يكون تحت حراسة كافية، ووافق الضابط على كل ذلك، وأخيراً طلب هولمز منه أن يظل على العشاء وقال: لدينا محار ودجاج و الكثير من زجاجات ملئ من النبيذ الأبيض، لم يتسن لك بعد أن تكتشف مواهبي كمسؤول عن المنزل يا واتسون. أطغى هولمز جو المرح أثناء اكلنا ل العشاء بحديثه الممتع ، كان يمتلك عدة مواهب بالإضافة إلى كونه ذكي و فذ وجيد الإستنتاج، وبعد انتهاء العشاء شربنا النبيذ احتفالا بنجاح خطتنا ثم ذهبنا إلى المهمة تقريباً في الساعة السابعة والنصف, وطلب مني هولمز أن آخذ معي سلاحا فقد كان لدي واحداً من أيام الخدمة العسكرية، وطلب من جونز أن ينزع النور الأخضر الموجود على القارب الذي يدل على أنه ملكاً للشرطة.

 بعد إجراء بعض التحويرات على الزورق جلسنا فيه وكان برفقتنا مفتشان قويا البنية ورجلاً كان عند الدفة وآخر على المحركات، وطلب منهم هولمز أن يذهبوا الى البرج و ينتظروا مقابل حوض جاكسون، ثم بدأ هولمز يقول لنا ما جرى معه أثناء بحثه وكيف عثر على الرجلين وكيف وضع خطة للامساك بهما . قال هولمز: منحت تفكيري فترة من الراحة فشغلته بالعديد من التجارب الكيميائية ثم عدت إلى المسالة وفكرت فيها منذ البداية، ثم وضعت ذاتي في مكان جوناثان فخطر لي أنه اختفى في مكان ما لبضعة أيام كي يتسنى له معرفة ما يجري في القضية من خلال الجرائد وبناءاً عليها يتحرك، وربما يقرأ إعلان الرجل المفقود ومواصفات المركب فيخطر له طريقة لابعاد القارب عن العيون ويتسنى له استعماله عندما يريد، فخطر لي أنه ربما حفظه عند أحد صانعي القوارب ليجري بعض التعديلات عليه. بعدما خطرت لي هذه النتائج ذهبت متخفيا و شرعت أسأل عن قارب مفقود في الأحواض الموجودة على جانبي النهر، حتى توصلت بعد خمس عشرة أو ستة عشرة مكانا إلى حوض جاكسون , و علمت هناك أن شخصاً برجل خشبية سلم منذ يومين قارباً بخارياً لهم كي يعملوا عليه بعض التعديلات وأشار لهم أن دفة المركب فيها عطل، و قالوا لي أنهم أصلحوا الدفة وأنها الآن ممتازة تماماً, وفي تلك اللحظة أتى البحار المفقود موردكاي ولم أعرفه بالطبع إلا بعد أن قال اسمه وسأل عن قارب الاورورا, وقال: إنه يجب أن ياخذه في الساعة الثامنة مساءاً وأن معه رجلان, وكان يدقق عليهما بأهمية الوقت وهو الساعة الثامنة مساءاً، فوضعت عند الحوض حارساً متخفياً و قلت له أن يشير إلينا عند انطلاق القارب. قال جونز: قد وضعتَ خطة محكمة لكن سواء كان الرجلان مجرمين أم لا كنت سأضع جزء من الشرطة في الحوض و امسك بهم كلهم عند وصولهم. فقال هولمز: لكنك لن تنجح رغم وضعك فرقة من البوليس , فجوناثان سمول يتمتع بقدر من الفطنة فسيرسل شخصاً مجهولاً لكي ينظر الى المكان وإن وجد ما يثير الريبة فلن يجيء ، حينها قلت لهولمز: كان يمكنك أن تتابع موردكاي إلى المخبأ فقالا لي أنه لن يضيّع وقته وهو لديه احتمال ولو بنسبة واحد بالمئة أن يكون موردكاي لا يعلم بالمكان , فلطالما أن لديه المال فلماذا يكثر من الأسئلة عن المخبأ؟, لقد فكرت بكل الإحتمالات الممكنة وتصرفت بناءاً عليها . بلغنا إلى حوض جاكسون مع غروب الشمس، قال هولمز: إنني اشاهد الحارس جالساً لكنني لا اشاهده يرفع منديله, كان الكل مستعدا مع أنه ليس لديهم سوى فكرة غامضة عما سنفعله ، قال جونز: لماذا لا نتقدم بعض الشيء عنهم فنكون بذلك سابقين حتى إذا خرجوا نتمكن الامساك بهم لكن هولمز أخبره أنه علينا أن نراقب من مكاننا لأننا لا نعرف في أي إتجاه سوف ينطلقوا وأن نمشي خلفهم متخفين وراء قوارب البضائع . 

وبعد قليل أشار لنا الحارس بمنديل أبيض على أن الأورورا قد ذهب فانطلقنا خلفه لكنه كان سريعاً كالشيطان, وكنا نحن مسرعين لكننا بقينا خلفه , ثم انتهت قوارب البضائع وأصبحنا وراءه , وكان زبد البحر حول القارب دليلاً على سرعته الفائقة ، كنا خائفين من أن نفقده وقال هولمز: لن أغفر لذاتي إن أضعناهم. كان هولمز ينظر إلى حجرة الوقود ويقول: إجموا ما بمقدوركم من بخار أسرعوا، لكن لسوء حظنا أن باخرة مرت مقابلنا و ورائها ثلاثة قوارب وكدنا أن نصدم بها لولا أن حولنا الاتجاه ووقمنا باللف من حولها, وبذلك كسب الأورورا مسافة مائتي يارد في الوقت الذي كنا سنقبض به عليهم بعدة دقائق، لكنه كان لا يزال على مرآى عيوننا ، كنا نتابعهم على مياه التايمز حتى بلغنا إلى غرينويتش، وأدار جونز الكشاف على الزورق حتى نرى شكل الأشخاص الذين عليه فرآينا رجلا كان يجلس ويضع بين قدميه شيئاً أسوداً و يرقد عليه ، وشخصاً كان على الدفة وموردكاي عاري الصدر ويضع الوقود في الموقد، ربما شكّوا في البداية أننا نتابعهم لكنهم تأكدوا الآن من ذلك ومن أننا نتعقب خطواتهم , وأصبحنا نقترب منهم ياردة بعد ياردة.
 لقد طاردت مجرمين في بلدان كثيرة بسبب مهنتي لكنه لم يسبق لأي نشاط قمت به أن منحني تلك الرعشة الكبيرة كهذه المطاردة المجنونة و المحمسة على مياه التايمز. وعندما صرنا على بعد مسافة أربعة مراكب منهم صاح عليهم جونز: توقفوا، كان الرجل الذي على الدفة يصيح ويشتم ويسب بصوت أجش و مرتفع ، وما إن اقتربنا منهم قليلاً حتى تبين لي أن الرجل الذي على الدفة قدمه اليمنى من الورك حتى الأسفل مجرد عصاً خشبية, كنا في مساحة منبسطة من النهر, باركنغ ليفل من جهة ومستنقعات بلمستيد المظلمة من الجهة الاخرى، وجرّاء صياحه الحاد إضطرب كل من على القارب ثم خرج رجل أسود صغير, لقد رأيته برأس كبيرة ومشوهة ويغطي رأسه الشعرُ الملبد . 

أخرج هولمز سلاحه وأنا كذلك وقال هولمز أطلق الرصاص عليه إن رفع يده، كنا على مسافة قارب منهم و على وشك ان نلتقطهم في الوقت الذي أخرج القزم المخيف علبة دائرية سوداء و اطلع منها شيئاً يشبه المسطرة الخشبية فاخرجنا مسدساتنا معاً ورفع يديه و ارتمى في الماء, فركض صاحب الرجل الخشبية ولف دفة القارب متوجها إلى الشاطيء، أوقف المركب وقفز إلى الأرض كي يهرب لكن قدمه الخشبية غرقت في الرمال المبللة ، وحاول الإفلات لكن دون اي فائدة ولم يتمكن من أن يخطو خطوة واحدة وأخذ يصيح في غضب عقيم ويضرب الطين باهتياج، وحين وصلنا بمركبنا إلى الشاطيء وجدناه مُحكماً بالطين بثبات, أخرجنا قدمه من الوحل و اخذناه معنا , وكان صاحب الأورورا وإبنه حزينين في المركب ودخلا قاربنا حيث طلب منهما ان يسكتا . ربطنا زورق الأورورا بمركبنا و شاهدنا صندوقاً حديدياً يدل على ابداع الصناعة الهندية, لا بد أنه كنز آل شولتو المشؤوم, كان كبير الحجم فاخذناه الى غرفتنا في الزورق ولم يكن له مفتاح، ووجدنا سهماً مسموماً منغرساً في باب الغرفة التي كنا نقف مقابلها فقال هولمز: لم نوجه اسلحتنا بالسرعة المناسبة, لا بد أن السهم مر بيننا في اللحظة التي أطلقنا فيها الرصاص ، إبتسم وهو يتأمله بدقة لأنه لم يصب أحد فينا واعترف أنه شعر بالخوف من الموت المرعب الذي كان قريباً جداً منا في تلك الليلة، ثم أبحرنا عكس التيار راجعين . 

وعند الوصول ذهب هولمز مع جوناثان بصحبة جونز إلى البيت كي يخبره بكل ما جرى, وكانت أقوال جوناثان تشبه إستنتاجات هولمز كما هي تماما أما أنا فذهبت ومعي صندوق الكنز برفقة رجل من الشرطة إلى بيت السيدة فوستر, تركت الشرطي المتفهم في العربة ودخلت أنا إلى البهو ومعي الصندوق حيث كانت ماري تجلس هناك بفستان أبيض شفاف وبوجهها الرائع الجمال ، وقفتْ بسرعة عندما سمعت صوت ارجلي وتوردت وجنتاها في الحال من المفاجأة و الفرح معاً.

 وضعتُ الصندوق على الطاولة مقابلها وقلت: أحمل لكِ افضل الانباء ، هذا هو كنز آغرا الكبير نصفه لك والنصف الثاني لتاديوس شولتو، نظرت الي وقالت: الفضل في ذلك يرجع لك، أرجوك يا دكتور واتسون إجلس و قل لي ما جرى , أخبرتها بكل ما جرى وكاد يغمى عليها عندما قلت لها حكاية السهم المسموم الذي كاد يصيب أحداً منا فقلت لها: كل شيء انتهى على احسن ما يكون ولم يعد الأمر مُهماً لذا لن أخبرك بامور مزعجة، ثم فتحت لها الصندوق بقضيب النار ورفعتِ الغطاء بأصابعها المرتجفة لكن الصندوق كان فارغاً ولا يوجد به ولا اي قطعة من المجوهرات، فصاحت لقد ضاع الكنز. 

خرجتْ من قلبي صيحة مرتفعة وقلت: الشكر لله، سألتني: لماذا قلت ذلك، فأمسكت بيدها التي لم تتركها وقلت لها: لأنك الى جانبي ولأنني أحبك يا ماري, وكنت اظن أن هذا الكنز سوف يفصل بيننا، أما الآن فبزواله اقدر أن أعبر لك عن مدى حبي, لذلك قلت الشكر لله. قالت هامسة وأنا أقرِّبها مني: وأنا أيضا أقول الشكر لله, وهكذا علمتُ في تلك الليلة أن الكنز لم يُفقد بل أننا حصلنا عليه حينها. وعندما وصلنا إلى البيت و بايدينا الصندوق الفارغ ضحك جوناثان عالياً فقد كان هذا من عمله حيث وضع الكنز في موقع لن نتمكن من العثور عليه، وكان هدفه أن لا أحد يحصل على الكنز إن كان هو أو الثلاثة الآخرون لن يحصلوا عليه . قال آتلناي جونز: حسناً يا هولمز نحن كلنا نعلم أنك خبير في الجريمة وتستحق معاملة خاصة ولذلك فقد ذهبت بعيداً في تنفيذ ما اردته مني، سوف يرتاح بالى بعد أن أتأكد من وضع جوناثان سمول في حبس مقفل، أنا شديد الإمتنان لمعاونتك وسوف تاتي بالتأكيد من أجل الشهادة في المحكمة.

 وبعد أن خرجوا قلت: أخيراً ها قد انتهت حكايتنا و على ما أظن أنها ربما تكون آخر ما يتسنى لي من خلاله أن أتمعن في دراسة طريقتك , فالآنسة مورستان قد شرفتني وأسعدتنى بقبولها على طلبي الزواج منها. 
همس هولمز بكآبة ساخرة وقال: كنت أخاف ذلك, إنني بالفعل لا اقدر أن أهنئك, فاحسست بأنه جرحني بكلامه وقلت: هل لديك سبب يجعل منك مستاءاً من اختياري؟, فأجاب: ابدا فالآنسة مورستان من أجمل الفتيات اللواتي التقيت بهن لكن الحب هو نزعة شاعرية وكل ما هو شاعري يتناقض مع التفكير السليم المنطقي ، فأنا لن أتزوج أبداً إلا إذا تخليت عن استطاعتي على التفكير، قلت ضاحكاً: اظن أن قدرتي على التفكير سوف تتخطى هذه المشكلة . 


                                        النهاية.



إرسال تعليق