الأربعاء، 13 سبتمبر 2017

                                                                                                                                                                                     



تلخيص  رواية 
 شرفة العار- براهيم نصر الله 
إعداد وإشراف - رجاء حمدان


بفرح شديد كانت منار تبكي و تبتسم وهي تراه يتقدم فوق كرسيه المتحرك صوب الحجرة الضيقة , وصل العتبة وأوقف الكرسي المتحرك واتكأ على حلق الباب محاولاً ان يقف .. في ذلك اليوم رقص مقابل عينيها كفتى صغير غير مصدق أي هبة تلك التي اعطاه إياها الله بعد هذا العمر الطويل , وكلما أراد أن يتوقف عن الرقص استجابة لاصرار زوجته أم الأمين وزوجة إبنه نبيلة إندفع في الرقص اكثر من ذي قبل . . بفستان عرس أبيض جلستْ على اللوج و والدتها كانت تتطاير في فضاء الحجرة الصغير كفراشة ولم يعد البيت سوى حقل نور , ثم شرع والدها أبو الأمين يردد كلمات الأغنية كأنه المرة الاولى التي يسمعها في حياته : ما لقيت فرحان في الدنيا زي الفرحان بنجاحه . 

 أبو الأمين كان على حق حين رفض بكل اصرار ان يزوجها لأول طالب قُرب حتى كرهه اشقائه الخمسة الذين كانوا يرون في منار اجمل فتاة في العائلة والأكثر أدباً و التي تليق اكثر ما يكون باولادهم , ولكن أبو الأمين أصر على أن هذه البنت ستتعلم وستنجح و سيفتخر وسيرفع رأسه بها . 


 تقلب أبو الأمين في سريره و كانت زوجته تصرخ من وجعها بعدما داهمها مرض حصى المرارة .. المرارة ؟؟ هذه الكلمة التي تسكن في حلق أبو الأمين منذ مدة كبيرة جدا بعدما وجد إبنه عاطلاً عن العمل راميا نفسه في المنزل مثل كيس طحين فارغ بعدما طرده رب العمل بسبب الغش .. خرج أمين من العمل بعدما طرده رب العمل والتصق بالحائط وطرق على باب جارته التي فتحت الباب خطفا و على وجه السرعة وكأنها تنتظره , جرّته من يده وأدخلته الى البيت , كانت تمام المرأة المطلقة الجريئة الجميلة إحدى أكبر مشكلات الحي . لم يكن أمين قد أنهى الصف الثالث الإعدادي حين قرر أن يترك المدرسة وقام بأسوء السلوكيات كي لا يفكر مدير المدرسة بالرجوع عن قرار فصله .

 إلى بوابة الجامعة كان يصر أبو الأمين على أن ياخذها الى هناك برفقته وأن يراها تدخل البوابة الكبيرة الواسعة , يتابعها وهي تبتعد وسط موجة الشباب و الفتيات , وكانت منار تودعه بصمت دون أن تفكر كيف ينطر اليها زملائها و زميلاتها وهم يحدقون كل صباح بإبنة سائق سيارة الاجرة . وفي نهاية العام الثالث من الجامعة تغير كل شيء إذ لم يعد أبو الأمين قادراً على ان يوصل منار إلى الجامعة بسبب الاوجاع التي تتزايد في ظهره , ولكن أبو الأمين كان قد أعد العدة لذلك اليوم وطلب من أمين أن يبدأ باخذ دروساً في تعليم قيادة السيارات حتى يحل مكانه . 

 لا ينكر أبو الأمين أن مولد منار كان أجمل يوم من أيام عمره , إذ كان يشعر ان المنزل الذي لا توجد فيه فتاة هو منزل خالي لا يمكن أن تنبت فيه شتلة نعناع او شجرة ريحان , فجاء قبل منار ولدان الأمين وعبد الرؤوف ثم جاءت منار و جاء أنور اخيرا . =كان الحرم الجامعي جنتها وإن كانت لم تشاهد شجرة تفاح واحدة فيه إلا أنها قدرت أن ترى آدمها , فلم تره مصادفة بل تقاطع تخصصاهما فكانت تدرس علم الإجتماع و كان يدرس علم النفس , حين رأته اول مرة في الجامعة ارتبكت , أحست أنها المرة الأولى التي ترى فيها شاباً وسيماً ينظر إليها باستحياء كبير , وحين وصَل اليها حياها وقال مرحباً وردت عليه بخجل و ابتعدت عنه .. عصام أضخم طالب في الجامعة كلها , لاول وهلة تراه فيها يبدو كحارس شخصي , متجهم على الدوام , إبن عائلة متوسطة الحال لم تبذل الكثير من الجهد حتى يدخل الى الجامعة , حين تمشي منار إلى جانبه تلاحظ أن كثيراً من الناس يستغربون ذلك الفرق الكبير في حجميهما سواء تصورا أنهما إخوان أو عاشقان أو زوجان . 

 قال أبو الأمين : منار ليست صغيرة و سابتاع لها هاتفاً نقالاً !, حينها شهق كل من في البيت فكان الهاتف النقال يعتبر بذخاً أكبر من أن تفكر فيه عائلة مثل عائلة أبو الأمين , وفي حسابات أمين كان يرى أن كل أمر يمكن أن يُحتمل باستثناء ان تنفرد فتاة بعمر الشباب بعمر اخته بهاتف نقال !!. 

ركبت منار لأول مرة الحافلة لتعود الى المنزل , وسار أمامها عصام واشترى تذكرتين , ودون أن يلاحظ أحد اعطاها واحدة بيدها ومضى نحو أول كرسي وجلس بينما جلست منار بالقرب من الشباك . كانت تحدق في الصباح , نظرت في الإتجاه الثاني حيث يجلس عصام ومن فوق كتفه رأته هناك واقفاً ينطر بشكل مطوّل الى الحافلة .. شقيقها أمين . كان أمين يتبعها محاذراً أن تراه , لم يكن يعلم إن كان يريد أن يطمئن عليها أو كان يريد شيئاً آخراً هو لا يعلمه أو لا يجرؤ على التفكير به .. 

  بعد أيام .. توقفتْ قليلاً ثم نظرت حولها ثم رجعت تمشي مرة اخرى من جديد دون أن تترك البسطة الكبيرة لبوابة المكتبة لكنه تأخر , لم يحدث أن يتأخر عصام هكذا فقد قال لها في اليوم الفائت إنه سيأتي ويصطحبها معه إلى ذلك المول الكبير و سيخرجان للسينما , وأخيراً جاء وذهبوا إلى المول . رن هاتفها مرتين برقم غريب لم تراه من قبل ولكنها لم تجب , ثم دخلا إلى قاعة السينما التي كانت تعرض فيلم (There will be blood سيكون هنالك دم ). بدأت منار تبكي بهدوء حينها امتدت يده واعتصرت يداها لكنها لم تكن هناك . =بجانب الحائط بالقرب من منزل صديقته تمام كان أمين يمشي بحذر حينما رأى ذلك الفراغ الكبير الذي احتل مكان سيارتهم السوبارو , فجأة غادر مثل المجنون الى منزله وسأل زوجته نبيلة : أين السيارة ؟ فقالت : أبوك سلم السيارة لرجل ليشتغل عليها , وقال إنه شاب محترم ومكتب سيارات الاجرة أوصى به , حينها أخذ أمين يصيح فقالت نبيلة : لعلها لم تنم بعد إذهب إليها !!, فقال أمين : ماذا تعنين بذلك فقالت : لا شيء ولكن إياك أن تظن أن ستائر الشبابيك تقدر أن تحجب النظر ! ...  

قدم يونس في اليوم الذي يليه حتى يعطي نصيب أبو الأمين من أجرة السيارة اليومي كما اتففوا من البداية , حينها أحس أبو الأمين أنه يستلطف هذا الشاب , والشيء الذي خطر بباله هو أن يقوم هذا الشاب اللطيف بتوصيل منار إلى الجامعة و يرجع بها .. وما حدث بعد ذلك أشرع باب النهاية على مصراعيه . 

 قبل وصول يونس واستلامه المركبة كانت فكرة أن يترك أنور المدرسة محتلة المنزل حتى يعاون العائلة في مصاريفها ولكن منار قالت لأنور : إياك أن تفعل هذا , لقد حاولوا معي هذا و لم اقبل بهذا حين كنت في عمرك , حتى لو تشاهدنا نموت لا تترك المدرسة وأنا أعدك أن كل شيء سيتغير , بعد سنة سأتخرج وأعمل ولن أتركك تحتاج شيئاً و ساتكفل بتعليمك .. إذا قالت منار أنها لن تتخلى عنك فهي تعني ذلك بكل قلبها , المهم ألا تتخلى عن ذاتك . 

 كان يونس يراقب سكوت و هدوء منار مخلفاً غيمة حزن على ملامح وجهها و عينيها , وفي يوم تجرأ وقال : كنت مستعداً لأن أدفع نصف عمري ثمناً كي أكون طالباً في الجامعة و لو لمدة اسبوع واحد فقالت منار: إلى هذا الحد ؟. ومنذ تلك الدقيقة انفرطت مسبحة الكلام بينهما وبدا لها أنه الكائن الوحيد الذي يمكن أن يقول كل ما في قلبه دون اي حواجز .

 من طرف الشارع وعلى بعد أربعة منازل لا غير فتح باب تمام وخرجت بثوبها الأبيض بينما أوقف أمين السوبارو أمام الباب بعد أن حصل على الرخصة العمومية وزينها بالورود الاصطناعية وأشرع باب السيارة لتدخل تمام بالقرب منه , وطاف بها أمين في شوارع المدينة لمدة طويلة في ذلك الموكب المكون من سيارة واحدة ثم بعدها رجعوا الى المنزل حيث كان العرس حزينا كالأغاني المجروحة التي تتردد فيه , حيث أغلق أبو الأمين الباب على ذاته في حين لم تقدر نبيلة إلا أن ترقص أمام العروسين مثل أي طائر ذبيح , أما أم الأمين فقد انسحبت بعد ان دخلوا بعشر دقائق في الوقت الذي كانت ثرثرات و تمتمات الجارات تفوق كثيراً بحجمها عدد كلمات الأغاني , وفي الدقيقة التي كان يمسك فيها أمين بيد العروس التقى بمنار وجهاً لوجه ولم يكن يلزمه الكثير من الذكاء حتى يفهم انها كانت تبكي , لكن ما لم يفهمه هو ذلك الشق الكبير في ثوبها من عند الرقبة !!. 

 أخفى أمين عن يونس موضوع انه حصل على رخصة عمومية فقد كان يشعر ولسبب ما أن يونس قد استغلهم بشكل كبير وسرقهم وأنه لم يدفع ما كان عليه أن يدفعه مقابل ما كان يعمله على السيارة , لذلك تقرَّب منه وطلب منه مبلغاً من النقود بغية اجراء عملية جراحية لزوجته , حينها أعطاه يونس ما طلب بل كان مستعداً ان يعطيه أكثر من ذلك أيضاً ولكن أمين كان يتقن اللعبة , ثم بعد عشرة أيام إتصل يونس حتى يطلب فلم يجد جواباً , وبعدها اتصل من رقم ثاني مختلف فرد أمين الذي قال : نقود ؟ أي نقود أنا لم آخذ منك اي نقود !!, حينها قال يونس : بسيطة ولكن إن كنت تتخيل أنني سوف آتي أطرق باب بيتكم وأطلب المال كشحاذ فأنت تحلم ليس الا , ولكن تأكد أنك حين تنسى تماما أنك أخذتها سأذكرك بشيء لا يمكن أن تنساه طوال حياتك ! ... 

 الشيء الوحيد الذي يبدو مستحيلاً في مدينة كهذه هو أن يلاحظ سائق سيارة اجرة أن هناك سيارة من نوع تويوتا او نيسان تلاحق طريقه , لأن هذه السيارات لا تكف عن الدوران كأسراب النحل في طرقات البلدة .. توقف أمين بعدما اصطحب منار إلى المدرسة التي تشتغل فيها بينما توقف خلفهم تماماً يونس يتابعهم خطوة بخطوة . بعد أيام توقف أمين عن توصيل منار إلى المدرسة و تمكن يونس أن يستغل الفرصة ويصل في الوقت الملائم و يتحجج بانه سيوصلها الى المنزل . كان يونس فرحاً لأن منار لم تشك فيه بكل تلك المصادفات الغريبة المخطط لها التي تجمعه بها , وذات يوم سألها ببراءة مصطنعة : ما أخبار زميلك الجامعي الذي يهتم بك ؟ فقالت : عصام ؟ إنه بحال طيب , ففاجأها بطيبة لم تكن تتوقعها : الله يهنيكم !. 

 اشتغلت منار في إحدى المدارس كمشرفة إجتماعية , وفي يوم طرق عليها الباب إحدى المدرسات حتى تعرفها على إحدى التلميذات , كانت الطالبة جميلة و طويلة وتبدو أكبر بكثير من طالبة في الصف التاسع وإسمها تغريد , قالت تغريد : ليس في استطاعتي ان احكي لك أو لأي أحد في العالم ما يجري لي !, أرجوك اتركيني أذهب أرجوك ! ثم خرجت من المكتب , تابعتها منار دون أن تتوقف من طرح ذلك السؤال على ذاتها : أي مشكلة تلك التي يمكن أن تكسر غصناً أخضراً إلى هذا الحد ؟. 

 وفي صباح اليوم التالي أتت تغريد وشرحت بالتفصيل كل شيء دفعة واحدة كما لو أنها تخشى أن تعدل عن رايها في اي وقت , كما لو أنها تريد أن تتخلص من كل ذلك السم الذي شربته على مدى زمن طويل , حينها قالت منار : ألم يلاحظ أحد من عائلتك ما يجري لك ؟, فقالت تغريد : أبي متوفي وأمي موجودة ولي أخوان ثانيان ,حينها قالت منار : هل يمكنك أن تقولي لوالدتك ما يحدث معك ؟ ولكن إياك أن تهددي أخاك الكبير فانسان مثله يمكن أن يفعل أي شيء !, ولكن تغريد فوجئت بشقيقها يلقي بأمه أرضاً وعندها لم تجد في فمها غير تلك الكلمة : سأفضحك !!. 

إلتقت منار بعصام و انتقلا سويا حتى يزورا معرضاً للفنون اليابانية , فلم تكن منار قادرة على ان تعود الى البيت فاليوم هو عرس شقيقها , وبعدما انتهيا من زيارة المعرض فكر عصام بشكل جدي و اعتزم على الزواج من منار ولكنه لهذه اللحظة لم يكن يعمل . كانا ينحدران نحو قاع المدينة والقاعة الفنية من وراءهما حين تحركت سيارة نيسان كانت تقف على بعد مئة متر باتجاههما وأطل منها يونس وأشار لمنار حتى تصعد معه , حينها صعدت منار ولم يركب عصام لأن طريقه معاكس لطريق بيت منار , ولم يمهل يونس منار اي وقت حتى تقنع عصام بأن يصعد وقال يونس : دعيه على راحته !. راقب عصام المركبة و هي تبتعد وقد أحس بأنه أكبر غبي في العالم فقد دعاها تذهب مع ذلك الشخص بمفردها , وبعد ساعة اتصل بها عصام ولم ترد على مكالماته , وأعاد الكرّة ثلاث مرات لكنها لم ترد البتة , وبعد مرور ساعة ثانية إتصل وكان هاتفها مغلقاً , عند ذلك بدأ شعور غريب ما يداهمه كان أكبر من الندم . 

 قبل انتصاف النهار تقدم سالم (أخ أبو أمين) من بعيد و نظرات عينيه مملوءة بالدم وفي يده راية سوداء , راية العار التي لا يتمنى اي انسان ان يشاهدها تخفق في أي مكان , ظل يمشي و هو غاضب إلى أن وصل إلى البيت وقال : أرجو الله أن يكون في هذا المنزل رجال يقومون بحماية و غسل شرفهم , سأنتظر للمساء وإن لم تتحركوا فمنزلي متروس بأبناء عمها الرجال !, ثم ألقى نظرة احتقار على أمين وبصق على ارضية البيت , فخرج أمين من المنزل في مركبته وانطلق كالمجنون !. 

 حين انعطفت السيارة في شارع جانبي قالت منار : ليس هذا طريقنا ؟, حينها نزل يونس إلى باب قريب من باب السيارة وأحضر سكينة وقال : سأذبحك إذا تنفست !. شلّتها المفاجأة فنزلت فكانت هناك حجرة ضيقة بضوء أحمر وبدأ يعريها من ثوبها ثم خلع ما كان يرتديه . صرخت لكن حلقها الجاف أغلق طريق صيحتها فبدت مثل فتاة خرساء لا تقدر الكلمات حتى من الوصول إلى شفتيها . تلوت تحت جسده محاولة إيجاد منفذ حتى تخرج منه وبعد أن فرغ رمى عليها ملابسها وقال : قولي لشقيقك امين أن ما فعلته هو هديتي له بمناسبة عرسه , وإن كان رجلاً فليحاول الوصول إليّ !, حينها رجعت الى منزلها تحاول أن لا يراها أحد بثوبها المشقوق !. 

 في الصباح جاءت والدتها و زوجة شقيقها نببلة ليطمئنوا عليها ولكنها لم تفتح الباب وسط تساؤلات أبو الأمين , وبعد مضي ساعتين فتحت منار الباب حتى تدخل الى الحمام , وكانت بحاجة إلى بحر كي تغسل ما علق بها من انكسار و الم وهذا ما أحسته , بعدها ألقت بالثوب الثقيل نحو منتصف الحائط فتطاير منه الدم ليملئ الجدران و جسدها , كممت فمها بيدها كي تسكت صيحتها وأغمضت عينيها , إلتصقت بالحائط ثم سقطت فوق ثوبها , كل محاولات والدتها حتى تعرف ما تعانيه ذهبت هباء مع الرياح. وبعد ثلاثة أيام خرجت من منزلها الى عملها في المدرسة بكل انكسار , وبهدوء شقت طريقها نحو المبنى وألقت تحية الصباح فقالت المديرة : كلنا تأثرنا بالخبر المحزن ! فانتفضت منار : أي خبر؟, فقالت : خبر مقتل تغريد !! حيث جاء في الخبر : تغريد الفتاة الصغيرة تلقت تسع طعنات على عتبة باب منزلها وهي تستغيث , حيث أقدم اخوها الكبير على قتلها وبعد ذلك سلم ذاته لرجال الشرطة حيث أفاد أنه قام بقتلها بسبب تفريطها في شرفها حين تبين له أنها رمت ذاتها لأحد الشباب !. وجرى تحويل المجني عليها الطفلة تغريد إلى الطبيب الشرعي حيث تبين أنها حامل في شهرها الثاني , وبعد إجراء الفحوصات المخبرية المعتادة تبين أن القاتل هو والد الجنين , و عندما تمت مواجهته بالحقيقة إعترف بأنه قتلها لأنها هددته بانها ستخبر والدتها و اشقائها إذا ما واصل الإعتداء عليها , وتم تحويل المتهم للمحكمة القضائية ليأخذ العدل مجراه . كانت منار تعتصر رأسها بكل ما تستطيع من قوة حينها رات المديرة بقع دم على جبين منار , و ليس هناك في جبهتها اي نوع من الجروح ولكن رؤوس أصابعها كانت مجروحة بقوة !. وذات صباح وصل أحد المحضرين وسأل عن منار وقال إنها مطلوبة في المحكمة حتى تشهد في قضية تغريد . كانت منار تخاف من الشرطة و المحاكم وتخشى الهواء الذي يهب في الشارع ويرفع طرف ثوبها رغم ذلك كانت ترتديه لأنه يستر ذلك التكور الصغير الذي بدأت تشعر به في داخلها قبل أن ترى أثره بطناً منتفخاً .

 ذهبت المديرة مع منار إلى المحكمة ووقفت أمام ذلك الانسان القاسي الذي ينظر إليها بغضب كما لو أنه اختارها ضحيته القادمة , وبمجرد أن سمعت السؤال من القاضي قالت له كل شيء مرة واحدة وكأنها شريط تسجيل إحتفظ بكل تنهيدة تنهدتها تغريد و بكل كلمة قالتها قالتها تغريد , وبعد أسئلة أخرى أذن لها القاضي بان تغادر ودون أن تدري وجدت عيونها تنظر إلى القاتل بصورة لاإرادية , وكم اخافها أن ترى وجه أمين يعود ويحتل وجهه , محطمة قامت وعندما وصلت إلى الباب رجعت وتوقفت فسألها القاضي : هل تذكرت شيئاً ثانيا ترغبين في ان تقولينه ؟ لا تخافي فأنت ستكونين في حماية القانون ! ردت : إنني حامل !!!!. 

 لم يتوقف عصام عن الإتصال بها و على الدوام كان ينتظرها أمام المدرسة و امام منزلها , أكثر من شهر مر على اخر لقاء لهما وأخيراً ظهرت ولكنها لم تتكلم معه على الاطلاق , حينها قرر أن يعمل مع والده في محل الأقمشة ويذهب حتى يخطبها , وبالفعل ذهبت اسرة عصام إلى بيت منار, وعندما ذهب أبوها حتى يسالها عن رايها في الزواج قالت : لا أريد أن أتزوج فقال أبو الأمين : ولكن ألا تريدين أن تتعرفي على الذي تقدم لخطبتك , يقول إنه واحد من زملائك في الجامعة يدعى عصام حينها صاحت منار : لا أريد أن أتزوج !!. أعدت منار ذاتها بشكل كبير لرفض كل من يتقدم لخطبتها وكانت على ثقة من أنها بتلك الطريقة ستكون قادرة على دفن سرها في داخلها إلى نهاية عمرها , أما أن يبدأ بطنها بالإنتفاخ فهذا ما لن تقدر اخفاؤه البتة . 

 تلبدت السماء بالغيوم فجأة وهطل المطر , وقفت منار في حجرتها امام الشباك تنظر إلى المطر الذي حمل لها هبة غامضة من الحياة , للحظات أحست أنها خارج جسمها وأنها تمشي إلى مالانهاية تحت ذلك السيل الساقط من السماء بانهمار و بغزارة لم تر مثلها , وبالفعل تركت المنزل ومشيت إلى منزل نبيلة , عانقتها ثم قالت : عليك أن تستبدلي ملابسك وإلا ستمرضين وأمرض معك , لكن منار التصقت بنبيلة قبل أن تبوح منار بسرها وتقول بصوت خائف يرتعش : أنا حامل يا نبيلة . هوى قلب نبيلة , كانت نبيلة تحب منار فلم تكن تكبرها الا باربع اعوام فقط , وكانتا صديقتين رغم فارق السن الذي يبدو كبيرا في عمر الصبا فقالت نبيلة : منذ متى ؟ ردت : منذ ثلاثة شهور, فقالت : سيذبحونك ألا ترين الصحف ثم التفتت إليها وقالت : سأذهب حتى انادي على والدتك وانطلقت صوب بيت حماتها . وقفت النساء الثلاث مقابل بعضهن البعض مبتلات بماء فضيحة لا يجف و ساكتات كأنهن متن واقفات , ثم تمتمت أمها هاذية وهي تنظر إلى نبيلة : سيقتلونها !!. 

 ذهبت كل من نبيلة و ام الامين و منار إلى الطبيب الأول ولكنه قال وبكل صرامة إنه لا يقدر ان يعاونها في عملية إسقاط الجنين , حينها نزلا من البناية حيث كان أنور ينتظرهما , خطا بالقرب منهم , كان يحس بجسده يبتعد , إنتابه شعور غريب تحول بعد لحظات إلى ايمان وقد استقر نظره على جسد شقيقته , ثم نظر إلى بطنها وقال : لقد فعلتها ! حينها قالت أم الأمين : طلبت منك أن تأتي معنا لأنك الوحيد الذي يمكن أن يكون له عقل في هذه الأسرة , لقد فهمت ما جرى لشقيقتك والآن أريدك أن تمضي معنا وإياك أن تقول شيئاً لاي انسان , إنها شقيقتك وقد آن الأوان لتقف إلى جانبها أم تريد أن يقتلوها مثل شاة وأنت تتفرج عليهم ؟, حينها طفر الدمع من عينيه . بعدها ذهبن إلى دكتور اخر الذي ما أن قال المبلغ الذي يريذه حتى يجري تلك تلك العملية حتى كادت نبيلة تتهاوى على الأرض , وبعد مده باعت نبيلة قرطين و اسوراة ذهبية وباعت أم الأمين إسورة أخرى و رجعوا الى الطبيب الذي قال : قلت لكم إنني اقدر أن اقوم بالعملية قبل ثلاثة أسابيع و في هذا الوقت أصبح الوضع خطيراً ومن الصعب ان نقوم بالعملية !. خرجن ومعهن أنور وكانت الفضيحة تكبر مثل كومة ناشفة من قش ولم يكن ينقصها أكثر من عود ثقاب , وإذا بعودين يشتعلان !. 

 إختفت الغيوم وسطعت الشمس الدافئة وخرجت تمام الى الحوش , ولكن الشيء الذي لم يغب عن تفكيرها و لو للحظة صورة منار وهي تعبر أمامها و صورة الخوف الذي أطل من عينيها ويداها المرتعشتان اللتان كانتا تشيران إلى الفضيحة , فكرت طويلاً غير قادرة أن تعلم إلى أي مدى يمكن أن تكون مجنونة حتى تقول لزوجها بذلك السر القاتل !, حينها تأخر أمين على غير عادته فاستشاطت غضباً وعندما جاء الى البيت قالت : أي عاهرة تلك التي قضيت هذه الليلة معها ؟, فقال : ليس هناك عاهرة في الدنيا ما دمت أنت موجودة في الحياة فقالت : إذهب إلى بيتك لتعرف من هي العاهرة , إذهب إلى شقيقتك الحامل التي فرّطت بشرفها دون أن ترى ذلك أيها الأعمى !!!. حينها ذهب أمين إلى منزل والده وأدركت تمام أنها ستكون السبب في قتل تلك المسكينة التي لم تسئ إليها و لا يوم في حياتها . ذهب أمين إلى حجرة منار وانتزع سكيناً من المطبخ , حينها أفاق كل من في المنزل وقالت أم الأمين : تريد أن تقتلها وأنت السبب في كل ما جرى لها يا امين , ثم سردت كل القصة وكيف أخذها يونس واعتدى عليها , فرجع الامين الى منزله واتصل بيونس الذي قال : هذا الرقم الذي طلبته لم أتخل عنه حتى الآن لسبب واحد وهو الرد على المكالمة التي سوف تاتي منك , أعرف أنك ستقتلني ولكنك لن تقدر ان تعثر عليَّ أبداً , والآن انتهت المكالمة !. 

 حدثت نبيلة أمين عن كل محاولاتهم حتى يخفوا هذا الموضوع فنظر إليها وأحس بالفارق الكبير بينها وبين تمام وقال : لقد اخطات بحقك كثيرا يا نبيلة سامحيني !, ثم رغب في أن يرى منار وحين رأى أمين منار امتدت يديه نحوها و اخذها في حضنه ثم وضع يده على كتفها وسار معها الى داخل الحجرة وأغلق الباب خلفهما وبعد ساعتين خرج من حجرة منار . كلهم كانوا ينتظرون أمسك في معصم والدته وسار بها إلى زاوية بعيدة ووشوشها : سأحضر بقية مبلغ الطبيب ثم خرج . صعدوا أربعتهم إلى الطبيب فقال : اعتذر انا لا اقدر أن أفعل أي شيء لا اقدر أن أجري عملية خطرة كهذه , حينها صاح أمين : أكان لا بد أن تخرجي بصحبته في سيارته أيتها .... ؟ وأكمل : أمامكن ثلاثة أيام حتى تجدوا حلا لهذه المشكلة وإلا ؟؟؟ دون أن يعرف أنه كان يمهد حتى يشعل عود الثقاب الثاني وهو يلقي بهذا العبء على أكتافهن . 

 سرن ثلاثتهن إلى منزل القابلة في الحارة القريبة من حارتهم وهن يتلفتن حولهن مرتعبات , وقفن طويلاً طرقن باب القابلة , ولعل طرقها الطويل هو ما أتى بكل النسوة و تجمعن حتى ينظرن في بطن منار غير مصدقات أعينهن , وكانت من بين تلك النسوة واحدة من حارتهن التي حدقت بعينيها على بطن منار وقالت : اللهم نجنا رحمتك يا إلهي !. تحسست القابلة بطن منار وقالت : مستحيل لا اقدر ان افعل شيء لا يرضي الله كما أن أي محاولة باسقاط الجنين من بطنها سيقتلها !. تركن القابلة وعدن إلى المنزل مرة اخرى , وحين بلغن أول الشارع كانت كل الشبابيك مشرعة ومئات العيون تدقق في بطن منار , وفجأة صاحت النسوة من خلف الشبابيك : إرحمنا يا ربي واستر علينا ! كما لو أن الفضيحة لم تزل سراً . 

 إمتدت يد منار إلى حقيبتها وأخرجت ورقة و مدتها الى ذلك الرجل السبعيني الذي قضت عشرة أيام في حمايته وقالت : إنها رسالة لعائلتي فلا اقدر ان أودعهم أرجوك أن تسلمهم إياها , وفي الدقيقة التي انطلق فيها الرجل أقبل موكب عرس فالتفت عبدالرؤوف إلى منار وقال : عقبالك !. لم تكن منار جميلة كما كانت في تلك اللحظات فقد أصرت إبنة الكفيل على أن تأخذها إلى الصالون , إذ لا يمكن أن تنتقل إلى دبي من دون أن تكون في أجمل مظهر , ثم انطلق من الموكب عدة رصاصات مما جعل منار ترتمي على كرسيها وتخفي رأسها بين يديها !. 

 محدقاً في باب حجرة منار جلس أبو الأمين , أم الأمين تبكي في الداخل ونبيلة تشاركها النواح , رآها أبوها تدخل المطبخ وتخرج والسكين في يدها تلمع و من ثم دخلت الى الحجرة , رفعت السكين حاولت أن تسددها لبطنها ولكنها لم تستطع ان تفعل هذا . من بعيد جاء أنور إلى المنزل و هو يحمل بيده سكين من بيت نبيلة وأسرع باتجاه حجرة منار وألصق ظهره بالباب وصاح كوحش : سأقتل كل من يحاول ان يقترب منها !. في الساعة الخامسة بعد الظهر توقفت سيارة أمين مقابل منزل تمام و ولج الى المنزل بعد أن جمع كل النقود واشترى بها سلاحا , تماسكت تمام في اللحظة الأخيرة وبهدوء خرجت وركضت الى خارج المنزل وبيدين مرتجفتين أخرجت هاتفها النقال و رنت على رجال الشرطة بينما اندفع أمين إلى حجرة منار , وشاهد أنور على الباب وبيده السكين فحسب أنه شقيقه سبقه وقتلها ولكن أنور استمر بالقول : سأقتل كل من يقترب منها , حينها صوب أمين المسدس نحو أنور لكن أصوات أبواق مركبات رجال الشرطة كانت تتعالى أكثر فأكثر , حينها هرب أمين وبدأت الشرطة بالعمل على القضية الأساسية وهي الاعتداء على منار . وبقيت منار تحت حماية الشرطة و عادوا الى منزلهم بينما كان سالم عم منار أمام الباب وقال : كان يمكن أن تضعوا حداً لهذا العار لو أنكم تعاملتم مع هذا الموضوع كرجال , ولكن فلتعلموا أنني لن أدعوكم أهلي أو آكل طعامكم أو أشرب ماءكم قبل أن تغسلوا عاركم بأيديكم وابتعد !. 

 أوقف عصام مركبته أمام باب أبو الأمين ونظر إلى والده ووجده يحدق فيه بجبين مقطب و ملامح عابسة , طرق عصام الباب مرتين وثلاثاً ثم فتحت أم الأمين بعينين دامعتين , فقد اعتادت على بابها مقفلا طوال الوقت منذ تلك اللحظة التي وصلت فيها الشرطة و اخذوا منار برفقتهم , كان أبو عصام قد قال لهم أنهما قادمان لرؤية أبو الأمين , ودخلا وألقى عصام نظرة خجولة على أمل أن يشاهد منار ولكنه لم يرها ثم ظهر أبو الأمين , ومرت فترة صمت طويلة وقلب أبو الأمين يتمزق وروحه ترف على وشك ان تطير من الحياة فقال أبو عصام : نحن لم نيأس ولذا رجعنا على امل أن نسمع منكم كلاماً غير ذلك الذي سمعناه في اول مرة اتينا فيها الى هنا , فقال أبو الأمين : تأخرتم كثيراً فمنار قد ماتت !!. دقائق طويلة مرت قبل أن يستوعب أبو عصام وإبنه ما جرى قبل أن يجدا كلمات العزاء الفقيرة تلك : البقية في حياتك . 

 بعينيها المنهكتين الجميلتين تابعت منار حركة شامة التي بدت كوحش طليق , وعندما هدأت علمت منار أن شامة كانت قد امضت مدة من الزمن في سجن إنفرادي لأنها قامت بتهشيم رأس سجينة تطاولت عليها في الساحة الخارجية , فقد بدت منار أكثر حياة و قوة بجانب تلك العملاقة التي اعتادت أن تناديها كلما تكلمت معها : يا ابنتي !. 

 في أيام الزيارة كان جنون عاصفة منار يشتد لما تشاهد السجينات يغادرن واحدة بعد الثانية بعد سماع أسمائهن , ولكن لا أحد حتى أنور الذي كانت تتوقع أن يحضر لم ياتي اليها هو الاخر , فقالت لها شامة : سواء كلهم سواء, تُضحي بعمرك من أجلهم ولكنهم لا ياتوا اليكي حتى , ويتعاملون معك كما لو أنك الدنس الوحيد في حياتهم البيضاء الشريفة .

 كان مرور أي فرد من أفراد اسرة منار في الشارع بمثابة حفلة جهنمية تعذبهم اينما ذهبوا , ومساحة الفتيات في الحارة تقلصت فلم يعد من السهل عليهن التحرك من منازلهن او ان يغبن لفترة طويلة عن منازلهن , وغدا هبوط الليل قبل رجوعهن جرساً ينذر بفضيحة أخرى . 

 الشيء الوحيد الذي لن يستوعبه الناس على الاطلاق تلك السرعة التي يمر فيها الوقت , صحيح أن هناك لحظات يشعر الانسان بأنها أطول من عمرٍ لكنها ومع ما يجاورها من لحظات تتحول في النهاية إلى نهر من زمن يجري جارفاً كل ما حولهم من أحبة وجارفاً حيواتهم ايضا .. تأملت شامة الزمن وكأنه البارحة وكم حيرها هذا وهي تنظر الى ملامح وجه منار التي باتت محط أنظار كل السجينات في اخر شهر حمل لها . وفي آخر تلك الليلة من شهر أيار أطلقت منار صيحتها التي ضاعت في فضاء المهجع , وبعد أقل من دقيقة صيحة أعلى تجمعت حولها كل من شامة و رفيقتها لبنى والسجينات ثم زغردن بعد أن ولّدتها شامة : إنه ولد !, ثم اختفى صوته بعد اليوم الثاني . كلُّ من في السجن يعرفن أن وصولها لإبنها من جديد يحتاج إلى معجزة وليس أقل من ذلك , فعدد قليل من الفتيات اللواتي ابتسم الحظ لهن فاجتمعن باولادهن بعد أن تم أخذهم لمراكز الرعاية الخاصة . 

 في التاسعة وأربعين دقيقة من صباح يوم السبت وصلت طائرة عبد الرؤوف القادمة  من دبي ومعه زوجته و ابنان في الثالثة والثانية من عمريهما , وبعد عبارات التهنئة بالسلامة وأسئلة سطحية عن حياته وحياة أسرته في دبي انتشر الصمت من جديد اثقل من ذي قبل , فعاد عبدالرؤوف يقول : أين منار ؟ فقال أمين : إنها في المنزل , وبعد وصولهم إلى المنزل سأل عبدالرؤوف مرة ثانية عن منار وازدادت حيرته عندما رأى أنور يدخل الى حجرة منار و يقفل الباب على نفسه , ثم انتقلوا إلى منزل العم سالم وفوجيء عبدالرؤوف حين وصل إلى العتبة ورأى كل تلك الأحذية التي خلعها أصحابها مقابل باب البيت , وحين ألقى السلام فوجيء بذلك العدد الكبير من أفراد الأسرة مجتمعين سوية , وتحدث سالم طويلاً في الوقت الذي راح فيه عبدالرؤوف يغوص في الأرض غير قادر على احتمال أن أمراً كهذا يمكن أن يصير مع شقيقته . 

 ثم قال العم سالم : لقد فكرنا لمدة طويلة في هذا الامر ووجدنا أن الحل الذي يريح الجميع في يدك , فكل ما نرغب فيه هو أن تذهب إلى السلطات وتتعهد بأنك ستأخذ منار إلى دبي , وربما تشتغل هناك ويرزقها الله بابن الحلال فنحن يا عم لم يعد في استطاعتنا ان نحتمل كلام الناس ونظراتهم , ولا نريد أن يقول الناس إنها فوق ذلك خرّيجة سجون , وبعد عدة إجراءات سيطلبون إسم شخص من خارج الاسرة حتى يكفلها فلا تقلق من هذا فنحن نعرف شخصاً سيكفلها وبعد أيام سيتركها لك ! ووافق عبدالرؤوف على ذلك .. وبعد اخر لحظات الوداع في المهجع إنطلقت منار إلى شقيقها وعمها الأصغر راشد الذي كان ينظر في الجدار خلف طاولة الضابط بينما كانت منار تبكي و هي تصافح فيه , ثم انطلقوا مع الكفيل الذي قال لها : ستكونين في حمايتي ولن يكون بوسع أحد أن يمسك بسوء , كانت تريد أن تقول شكراً ولكنها لم تقدر ان تنطقها , فنظرت إلى عمها وكم شعرت بالفرح أنه كان ينظر إلى الخارج في تلك الدقيقة . 

 في الطريق اتصل أمين على عبدالرؤوف حتى يقول له : إن أمك تبكي و ترغب في ان تقابل منار ولو للحظة , نظرة واحدة ولو كانت من خلال شباك السيارة ستكفيها الى اخر عمرها ! حينها أخذت منار الهاتف , ولم يصل إلى أذن منار إلا عويل أشبه بالنواح , وعبثاً حاولت منار ان تستدرج والدتها لكي تقول كلمة واحدة ثم قالت منار لعبدالرؤوف : خذني إلى المنزل فان لم اودع امي فلن اسامح نفسي الى اخر حياتي !. وبعد أقل من عشر دقائق دخلوا الحي باتجاه منزلهم , وقبل أن يصلوا سمعوا مركبة تطلق بوقها ثم انضمت إليها مركبة ثانية ولا تريد تجاوز مركبتهم , حينها قالت منار بحزن : عرس في لحظة كهذه ؟, وعندما دخلوا إلى شارعهم الضيق دخلت هذه المركبات ورائهم , السيارات التي لم تتوقف عن إطلاق أبواق الفرح , ثم نزل عبدالرؤوف الى المنزل وكان متعجلاً غير مدرك لما يدور , وقبل أن يطرق الباب وجده يفتح على مصراعيه ووجد نفسه وجهاً لوجه مع عمه سالم وأبناء عمومته الذين أمسكوا به وجروه الى داخل البيت وهو يحاول الإفلات دون جدوى , ثم انطلق سالم إلى السيارة وجر منار من وراءه و رمى مبلغ من النقود الى السائق , وبدل أن يجر سالم منار الى المنزل دفعها بيده إلى منتصف الشارع , حينها علمت منار أن حكم الإعدام عليها قد صدر بينما كان عبدالرؤوف وأنور في الداخل يصيحان ويطرقان الباب دون اي فائدة , بعدها صاح سالم : هي لك ! في اللحظة التي خرج فيها أمين و يمسك في يده سلاحه , نظرت إليه ولكنها لم تتحرك ظلت ساكتة ولم تهرب وهذا ما أربك أمين . كانت عيناها تحدقان في الداخل حيث صراخ والدتها يأتيها مجبولاً برائحة الموت وأبوها فوق كرسيه المتحرك غير قادر على أن يرفع عينيه حتى ينظر اليها نظرة اخيرة . تقدم أمين نحوها وقال : إصرخي !! فلم تصرخ . إمتلأت الشبابيك بالعيون التي تحدق في امين على وجه الخصوص , حينها تراجع خطوتين وأطلق النار , و شعر للحظة أنه لم يصبها فهي لم تسقط , وأطلق النار مرة ثانية وثالثة فسمع صوت ارتطام جسمها بالأرض .

 أما أبو الأمين فنظر إلى الأفق الأعلى يلاحق طيران ابنته .


                                       النهاية.



إرسال تعليق