الاثنين، 27 يناير 2020




تلخيص رواية:
 نبض: أدهم الشرقاوي. 
إعداد وإشراف: رجاء حمدان. 



 تسأليني يا نبض: لماذا لا يتقاتلُ الناس بأخلاق؟! 
فأضحك وأجيبكِ: كيف تريدين للحرب أن تخاض بأخلاق إذا كانت بالأساس عملاً منافياً للأخلاق! لطالما كنتُ ضد الحرب، لأني أعرف أن كل من يخوضها خاسر لا محالة، المنتصر والمهزوم على السواء، الذي ينتصر في الحرب هو الذي يخسر أقل! أو هو الأقدر على تحمل الخسارات. إن أسوأ ما في الحرب، أنها تحولنا إما إلى قاتل أو إلى قتيل! 
ولكن بعض الحروب تختارنا ولا نختارها يا نبض، وهذا شأننا مع هذه الحرب، لقد أختارتنا فخضناها! لا يمكن للناس أن يهربوا من أقدارهم ولقد كانت هذه الحرب قدرنا! 

حين تكتظ الذاكرة بالراحلين ننسى لنعيش يا نبض، إنه لأمر مرهق أن تصبح الذاكرة مقبرة فيها من الأموات أكثر مما فيها من الأحياء، هذا هو أقسى ما في الحرب يا نبض، أنها تقتل فينا الإنسان! 
ما زلت أكره الحرب يا نبض، وأقف ضدها بكل ما أوتيت من قدرة على الرفض، أقف ضدها لأني أعرف أننا مهزومون فيها منذ اللحظة التي خضناها، مهزومون ولوا انتصرنا! 
مهزمون في إنسانيتنا على الأقل، أو على الأكثر! فما الذي سنعيش لأجله حين نخسر إنسانيتنا؟! ولكني بالمقابل أعرف أن الحياة المغموسة بالذل كالرغيف المغموس بالدم لا يشتهيه أحد! 
النصر لا يعزّي فاقداً عمن فقد، لو انتصرنا ماذا أفعل بنصرٍ لستِ فيه يا نبض. قلتِ لي وقتها مبتسمة: إذا مِتّ في هذه الحرب، هل سترْثيني؟ فقلتُ لكِ: إن حياتك عندي أغلى من مليون كتاب! أنتِ كلي يا نبض، وحين يأخذوك مني، فهذا يعني أنهم أخذوني مني! تهاتفيني يا نبض: لنلتقِ في هذه الهدنة التي أعلنوها. 
 الهدنة ليست إلا استراحة بين معركتين... ولكن أتعرفين ما الجميل في الهدنة التي يُفسد جمالها انتظار المعركة القادمة؟! الجميل فيها أن القويّ حين يقبل بالهدنة فهذا يعني أنه لم يعد قوياً بما يكفي. وأن الضعيف حين يفرضُ الهدنة فهذا يعني أنه لم يعد ضعيفاً إلى الحد الذي يمكن سحقه! 
 عودنا يشتد يا نبض... يشتد لأن الإرادة لا تكسرها المدافع، ولأن صوت التكبير في مساجدنا أقوى من صوت طائراتهم. 
 وثِقي أن الأرض التي وقفت تتفرج علينا ونحن نُذبح ليست صاحبة القرار النهائي في هذه الحرب. الكلمة الفصل في السماء. والبقاء حسب قانون السماء للأصلح! 
تسأليني: ما بكَ؟ فأجيبك: اشتقتُ إليكِ! ثم تُعزّيني قائلة: وأنا أيضاً اشتقت إليكَ! فأقول لكِ: أن تشتاق لي امرأة بجمالك شيء يجعل هذه الحرب على ضراوتها نزهة، لأن لدي شيء أحارب لأجله. فتقولين: أترك الحرب جانباً، أنت معي الآن، ولست في خندقك! أقول لك: أنتِ خندقي، وأنتِ حربي كلها، وإني حين أكون في الخندق تكونين معي. صورتك في الجيب الأيسر قرب القلب، وحين يحتمون بدروعهم أحتمي بكِ! 
تلقين عليّ سؤالاً بدا لي أنكِ كنتِ طوال الليل تحملينه في عقلك وتنتظرين اللحظة التي تلقينه عنك لكثرة ما أرهقك: هل تؤمن أن بإمكان الإنسان أن يعرف أنه سيموت؟! ابتسمتُ وأنا أقول لكِ: لا أعرف يا نبض، سمعت قصصاً كثيرة عن أشخاصٍ تصرفوا قبل موتهم بفترة، أو لحظات، تصرفات لم يكونوا يتصرفونها في حياتهم العادية، لهذا أنا لا أصدق هذا ولا أكذبه، ولكني لا يمكن لي أن أجزم بأن هذه حقيقة. قلتِ: أما أنا فحزمتُ أمري، وصرت أؤمن بهذا فعلاً. 
 ثم نرجع للحرب التي لا مفر منها! هذه الحرب يا نبض إما أنها تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن في كل إنسان أكثر من إنسان، أو أني مُصاب بانفصام حاد! الحرب تطلق هذا الوحش الكامن في داخلي، وأنت تُروّضينه! في الحرب نغلي من منظر دمنا المسفوح، ولا نبرد إلا بمقدار ما نسفك فيهم من دم! 
تقولين لي: إذا انتصرنا في هذه الحرب، برأيك من سيكون لائقاً بحكم هذا الوطن ؟! أجيبك: لا أحد من الذين تعرفينهم! رجل الحرب ليس بالضرورة أن يكون رجل الدولة! السياسة لها حسابات أخرى، والذين يديرون المعارك باقتدار ليس بالضرورة أن يديروا الدولة باقتدار! 
 كثير من الحروب التي دارت على مر التاريخ كانت سبباً لفشل السياسة! فعندما يفشل الساسة يختلقون الحروب! ويُصدرون أزماتهم إلى الخارج، وليس غير الحروب الخارجية يمنع الثورات الداخلية! إذ يجد الشعب نفسه مرغما أن يلتف حول حكومته! 

 الحرب يا نبض تتوقف وقد تركتْ خلفها جروحاً نازفة يجب مداواتها. الذين كانوا جزءاً من الحرب في الغالب لا يمكنهم أن يكونوا جزءاً من الحل! فالذي قضى سنوات في المعارك سيحكم بعقلية المحارب، لأنه اعتاد أن يفكر ببندقيتة لا بعقله، والأوطان بعد الحروب تحتاج إلى قلب أولاً ثم إلى عقل، وهي أغنى ما تكون عن البنادق! 

وانظري إلى عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد، كل واحد منهما أبدع في منصبه، فعمر كان رجل دولة بامتياز، وخالد كان رجل حربٍ باقتدار! عمر أصلح من خالد للدولة، وخالد أصلح من عمر للجيش! ولو تولى عمر قيادة الجيش ماكان ليديره بحنكة خالد، ولو تولى خالد مقاليد الدولة ما كان ليديرها بكفاءة عمر! 
تقولين: إن كنتَ ترى أن المحارب لا يصلح لأن يكون رجل دولة، وأن الناجح في الميدان ليس بالضرورة ناجح في السلطة، فإن كنتَ تخشى أن يستأثر المحارب بالسلطة، فأنا أفضّل أن يقع الذي تخشاه أنت، على أن يأتي لصوص الثورات ليقطفوا ثمارها إذا أينعت نصراً! 
أقول: هذا شيء قابلٌ للحدوث لا شك، ولكنّي أتحاشى التفكير فيه، يصعب عليّ أن أتخيل أن كل هذه الجثث التي ارتضتْ أن تكون درجات في سُلم يرقى فيه الوطن، فإذا بها درجات يرقى فيها لصوص الثورات! 
أقول: السلاح في معركة بناء الوطن يا نبض هو الوعيُ لا البنادق، الناس ملت الحرب، وقد خاضتها لأنها وسيلة ولسيت غاية في ذاتها. معركة الوعي يا نبض ليست معركة الجميع، إنها معركة النخبة المثقفة، يستحيل حقن شعب كامل بالوعي، وإن كان هذا غاية مُنيتي، ولكن حتى هذه الدول العظيمة التي ترينها يديرها النخبة. لم يوجد مجتمع بشري إلا وكان فيه شكل من أشكال السلطة، بل يستحيل وجود تجمع بشري دونها. 
 نحن بنينا حضارة عظيمة، والجميع كان لهم الفضل في هذه الحضارة العظيمة، من أصغر جندي إلى أكبر قائد عسكري، ومن صانع الورق، وصانع الحبر، إلى المفكرين والعلماء الذين خلفوا هذه الثورة الفكرية. وتتفيه البسطاء لا يُعلي قدرالنخبة، وإنما النخبة لا تكون نخبة إلا إذا اعترفت بفضل هؤلاء البسطاء. 
تقولين لي: المدنية شيء، والحضارة شيء آخر. ألا يمكن اعتبار الدين جزءاً من الحضارة، لأنه بالأساس جملة أفكار ومعتقدات. فأقول: هذا صحيح يا نبض. تقولين: ألا تعتقد أن كثرة الموت في الحرب سبب يدفع الناس إلى التدين؟ 

صحيح، في الحرب يكتشف الإنسان مدى ضعفه، ومدى هشاشة الحياة على هذه الأرض، وأنه من الممكن أن تضع رصاصة طائشة حدّاً لحياته. حين يشعر كل إنسان أنه في تهديد دائم، وأنه من المحتمل أن يخسر حياته بأية لحظة، يحتكم إلى فطرته، اللجوء إلى القوي القادر، ويحاول أن يكسب حياته الآخرة. 
 تقولين: إذاً الدين مخدر يتعاطاه الناس كلما أوجعتهم الحياة، وأنهم يُعزّون أنفسهم به عما حل بهم؟! 
 أقول: أبداً يا نبض، الأمر ليس كذلك، ولكن هذا هو طبع الإنسان... ينسى في الرخاء ويتذكر في الشدة، يطغى في الصحة ويستكين في المرض، يتغطرس في النجاح ويتواضع في الفشل. الدين في الأساس جاء ليفسر كل شيء، ويميط اللثام عن كل غموض، وما كان ليقف ضدك إذا تساءلت تساؤل الساعي للمعرفة،على العكس تماماً أنتِ تثابين في هذا. 
 وأنظر في عينيك... أعرف هذا اللون الأسود جيداً عندما يقتنع بفكرة محدثه، وأنتشي فرحاً أني قد أقنعتك، وأنتشي أكثر أن امرأة جميلة تجلس على الطاولة أمامي، يدها بيدي. أريد أن يتوقف الزمن، ويغمض الوقت عينيه وينساني معك! أقول لكِ: أحبكِ. فتقولين لي: عدني أنني إذا متُّ أنك ستتزوج وتكمل حياتك، وتنجب بنتاً جميلة وتسميها بإسمي، كي تذكرك بي دوماً! أقول لكِ: لا أريد لأحد أن يُذكّرني بكِ. إذا متِّ فأنا ميتٌ معك ولو بقيت حياً! 
أطوي صفحة الحرب، وأعود بك إلى قريتنا...أرجع بكِ إلى الناس. تعرفين جارتنا دعاء، كانت تعيش جحيماً لا زواجاً، وكلنا نعرف أن زوجها سكير، ينفق راتبه على مشروبه وملذاته، ويتركها تتدبر قوتها وقوت أولادها بما يجريه عليها أهلها والجيران. وأكثر من مرة عاد إلى البيت سكراناً، وطردها من بيتها في منتصف الليل، ولا زلت أذكر مرة عندما سمعنا صراخاً في الطريق، فخرجنا نستطلع الأمر، فإذا الدم يسيل من أنفها، وآثار الضرب على وجهها ، وهو يدفعها خارج البيت! 
كل الذين قالوا أن دعاء مظلومة، وأن زوجها وحش لا يُساكن، هم أنفسهم الذين قالوا أن دعاء مكيودة لأنها طلبت الطلاق! 

لا أعرف ماذا يريدون منها، أن تبقى تُضرب إلى ما لانهاية، أو تموت من الضرب ذات سكرة شديدة. حتى الذين كانوا أكثر تحضراً قالوا كان يجب عليها أن تصبر لأجل أولادها! أريد أن أعرف من الذي أقنع الناس أن عيش الأولاد في جو موبوء بالمشاكل والعنف وقلة الاحترام، أفضل من عيشهم مع أحد الأبوين في جو من الهدوء والطمأنينة! 

هناك عظماء كثر كانت أمهاتهم أرامل منذ صغرهم، ولم يمنعهم هذا من أن يكونوا عظماء، وهناك عظماء رباهم أباؤهم أيضاً، السر لا يكمن في وجود الأبوين وإنما في طريقة تعاملهما!
 لا أعرف لماذا يريدون أن يقنعوني أن دعاء إذا أخذت أولادها وربتهم وحدها في بيئة صحية نفسياً وأخلاقياً بعيداً عن بيئة بيتها الموتور كأنها ترتكب جريمة. لماذا إذا قامت الأرملة بتربية أولادها وحدها كان هذا عملاً عظيماً يستحق الإشادة، وإذا فعلته المطلقة تختلف المعايير! 
يا نبض: 
المرأة قادرة أن تربي، سواء مطلقة، أو أرملة، أو إذا كان حضور زوجها صفراً، وجود الزوج ليس شرطاً لممارسة الأمومة. التربية إرادة قبل أن تكون رجلاً أو امرأة، بإمكان امرأة أن تقوم بها وحدها، وبإمكان رجل أن يقوم بها وحده، إذا أرادوا ذلك! والناسُ في هذا سواء، شرقهم وغربهم. 
جورج واشنطن، أول رئيس للجمهورية في أمريكا، ربته أمه لأنه كان يتيماً، وهو حتى اليوم أعظم رؤساء القوم! 
المهاتما غاندي أيضاً ربته أمه لأنه كان يتيماً. وكانت تقول له كل صباح، قل معي: أنا حر، أنا شجاع، سأقول الحقيقة دائماً! فخرج من تحت يديها العظيم الذي تعرفينه! 

تقول العرب يا نبض: إن لم يكن وفاق ففراق! 
ودعاء لم تفعل أكثر من أنها نفّذتْ ما خلصت إليه العرب في تجاربها، لم يكن من وفاق أبدأ، فأرادته فراقاً. ليس سهلاً أن تتحول المرأة من كائن أنثوي إلى كائن قط! وهي حين اختارت أن تتوقف عن ممارسة أنوثتها في سبيل أولادها وجب أن تُقدر لا أن يُنهش لحمها في المجالس! 
دعكِ الآن من دعاء... أحسب أني أسهبت، وكل ما يجول في خاطري قد قلته، قد توافقيني وقد تخالفيني، وهذا حقك!
 لك أن تقاربي الأمر من زاوية مختلفة، فيأتي حكمكِ مغايراً تماماً لحكمي، فأحكامنا عادة تأتي تبعاً للزاوية التي نرى من خلالها أية قضية. 
 وما دامتْ نافذة القرية مفتوحة، أطل منها وأخبركِ بما أرى! 
أتذكر السّاعة أم أحمد... كانت عقيماً لا تلد. كانت أم أحمد تحب أولاد القرية بجنون، وتستميت في الدفاع عنهم حتى عندما كانوا يخطئون. كان يؤلمها أن يضرب أبٌ ابنه، أو توبخ أمٌ ابنتها. 
 كانت أم أحمد تجد في عطفها على الصغار تعويضاً عن أمومتها المفقودة، فالأمومة في النساء غريزة، على عكس الأبوة في الرجال فإنها بالتجربة! 
نقص الأمومة في النساء عجز قاتل، تشعر المرأة فيه أنها مصابة بكيانها، والحالة الطبيعة لكل فاقد أن يسعى لتعويض ما فقده بالطرق المتاحة، وطريقة أم أحمد كانت أن تُقنع نفسها عبر الإهتمام بالصغار ومحبتهم أنها وإن كانت عاجزة عن الإنجاب، فليستْ عاجزةً عن الأمومة! 
كنا نرى في أم أحمد شخصاً نبيلاً لأنها كانت تُشبع غريزة نبيلة، والأمومة لا تُشبع إلا بالعطاء، والإشباع يكون نبيلاً أو قبيحاً وفقاً للحاجة المفقودة! 
الإشباع يا نبض أناني في تصرفه، لأنه مغول في الذاتية، وغارق في الشخصانية، فأم أحمد حين أشبعت غريزة الأمومة في أولاد الآخرين، كانت تفعل هذا لأجلها لا لأجلهم، ولكننا نحكم على أنانيتها هذه بالقبول لأنها تدغدغ فينا قيمة عظيمة هي الأمومة! 

والأمومة يا نبض نوعان! أمومة بيولوجية، وأمومة نفسية! والأمومة البيولوجية تتحقق بالولادة والإرضاع، والأمومة النفسية تتحقق بالحب والرعاية والإهتمام. لا تكتمل الأمومة إلا بكليهما. أحد الأشخاص الذين لا أنساهم ما حييت، الشيخ علي، إمام مسجدنا القديم، رحمةُ الله تغشاه في قبره ما أطيبه، وما أنقاه، ما زلت أذكره يا نبض. البعض لا نعرف قيمتهم إلا حين نفقدهم، والشيخ علي أحد الذين عرفتُ قيمتهم بعد أن فقدتهم. عندما مات الشيخ علي، وجاء إمام جديد، عرفتُ تماماً ماذا فقدت! 

كان الشيخ علي مصحفاً يمشي بين الناس، أو هكذا بدا لي! كان يحفظ القرآن كجري الماء، ويشرحه لنا عمليّاً! ما مرِض أحدٌ فلم يزره، وما مات أحدٌ فلم يُشيّعه، ما تخاصم اثنان إلا كان أوّل المصلحين، وما تشاجر زوجان إلا كان أول المقربين. يزور الفقير فيسعده، ويزور الغني فيتعفف عما عنده. بينما شيخنا الجديد كان أكاديمياً صرفاً، يحفظ الأحاديث بالسند، والنص بالصفحة، ولكن علمه كان ميتاً لا يجاوز منبره، ولا يبرح محرابه، موظف يُحصّل رزقه بعلمه، والمسجد عنده ورشة، يخطبنا، ويؤمنا، ويتلقّى راتبه، والسلام! صديق الأغنياء وخصيم الفقراء، تعرفه بيوت المسؤولين وتجهله بيوت المساكين. 
كان الشيخ علي يخبرنا أن الجزاء من جنس العمل، وأن من قام لله في الظلمة أخلفه نوراً في وجهه، ووالله ما نظرتُ في وجهه إلا خال لي أن فيه مصباحاً! 
 كان يحضّنا على طاعة أهلنا، ولم يكن يوبخنا. كان ذكياً يعرف كيف يربي، لا يجرح صغيراً في نصيحة. وحدث مرة أننا كناعائدين من حلقته نركض كما يفعل الصغار في الطرقات، فشتمنا مختار الضيعة رغم أننا لم نتعرض له، وكانت الطريق واسعة، فلما قصصنا عليه القصة، سألنا: وماذا قلتم له. 
قلنا: لا شيء. فقال: ولم؟ 
قلنا: لأنه المختار، وهو كبير... فقال: صاحب الحق كبير مهما صغر، وصاحب الخطأ صغير مهما كبر! 
إن أحد رزايا مؤسسة الدين! تحويله من فكرة حياتية إلى مؤسسة، يتحول فيها الناس من دعاة إلى موظفين. منذ صار الدين مؤسسة، صار فيه من المظاهر أكثر مما فيه من الدين. والتدين الذي لا ينعكس أثراً في السلوك هو تدينٌ أجوف. 
أترككِ الآن يا نبض، وأقفل نافدة القرية عليك وعليّ، تماماً كما أتمنى دوماً أن أقفل بيتنا صغيراً عليك وعليّ، وأنجب البنت التي تشبهكِ، والتي لن أسميها باسمك، لأنك ستكونين أمها. 
الآن يا نبض أرجعُ بك / بي إلى أول الحكاية ...... هذه الحكاية التي لو عدتُ إلى أول الطريق لمشيتها مرة أخرى حتى آخر خطوة فيها رغم تعثر النهاية ..... 

هذه الحكاية التي استحالتْ فاجعة، جديرة بالتكرار رغم فداحة الخطب، وعمق الجرح... لا أريد أن أستبق الفاجعة الآن... فلينتظر بوم صدري فلَهُ وقت ينعى فيه بالخراب! 

أتذكركِ جالسة في مكتبة الجامعة... في يدك اليسرى كتاب، وفي يدك اليمنى قلم تمنيتُ أنه أنا! 
حين جلست في المقعد المقابل لكِ، رفعتِ بصرك تلقائياً عن الكتاب فسألتك إن كان يمكنني الجلوس، اكتفيتِ بهزةٍ من كتفيك وشبه ابتسامة، قلتُ لك بعد دقيقة صمت: هل أستطيع معرفة اسمك؟ قلتِ: نبض. إسم غريب، صحيح؟ غير أني لم أعقّب سوى بابتسامة. قلتُ لكِ: أظنك من محبي القراءة. فقلتِ: يبدو أن الكثير من الناس لا يحب القيام بما عليه. طيلة حواركِ معي كنت محتفظة بابتسامتك التي تجعل جدية الحديث أقرب للفكاهة. 

 قلتِ: وأنتَ، ما علاقتك بالكتب؟ فقلتُ: أحاول جاهداً أن أجعلها وثيقة، أحاول أن أقرأ دائماً، وأن أكتب أحياناً. قلتِ: شاعر؟ فقلتُ: لا، لست شاعراً بالمعنى الدقيق للكلمة، أميل إلى الكتابة الحرة والنثر أكثر من القافية والوزن، التحرك في المساحات الواسعة يناسبني أكثر، الوزن قيد، وأنا لا أحب القيود! 

مع كل لقاء بيننا يا نبض كنت أشعر أني أفتح باباً في دهليزك، وكلما عرفت جزءاً منك ازددتُ عطشاً لمعرفتك أكثر، اللذيذ بك هو أن الصفات المتناقضة حين تجتمع فيك تنسجم بشكل غريب، مظهرك من الخارج يوحي بأنك أكثر الكائنات هدوءاً، ولكن من يقترب منك يعرف أنكِ تحملين في داخلك أجيجاً ضارياً، كما لو كنتِ بركاناً محاطاً بالجليد، في عينيكِ حزنٌ صامت، ربما يوحي به سوادهما، إلا أن وجهك يحمل نضارة الربيع وبهجته، قلبك ناعم كالقطن، لا يمكن لأحد أن يدخله إلا ويرغب في المكوث فيه أبداً، تحبين الحياة، بالأحرى تحبين خلق الحياة في كل شيء، رقتك لا توصف ولكنها لا تضعفك بل تزيدك قوة. صرت أنتظر اليوم التالي لأراكِ، وبداخلي شعور أنك تفعلين. لم أعد أنتظرك في المكتبة، كل مكان أراك فيه هو موعد جديد، وكان كل ما أريد هو أنت. 

 أقول لكِ: هل تتعرفين على الحب إذن إن وجدته؟ تقولين: قد أستغرق وقتاً لأعرف، الحب فخ جميل ولكن ليس كل من ينصبه لنا يريدنا نحن بالضرورة، الكثير ينصب الفخاخ لأجل متعة الصيد لا أكثر، وحين نقع سيبقى الأسر ويرحل الآسر. 

فقلتُ: من يحبك يرغب أن يوقعك في قلبه لا في فخه. قلتِ: إذا وجدته سأقبل أن أقع مُغمضة العينين. 

معكِ يا نبض كانت الحياة تمضي بعُجالة، كنت أشعر أني أريد أن أمسك بها وأطلب منها التريث قليلاً، لا أعرف كيف حدث وأيقظتِ كل ما هو نائم وبعثتِ كل ما هو ميت في أعماقي، صرت مستعداً للحب فقط. كأن الحب يُمثل اكتشاف أبواب جديدة بداخلنا نجد مفاتيحها مدفونة في روح أخرى، وما أن نجده حتى نجد أنفسنا. أتذكر كلماتك حين كنت تقولين لي: التعامل مع الحب يتطلب منك أولاً أن تتخلى عن التفكير في الخطوة القادمة، أن تدرك أن المشاعر لا يمكن لها أبداً أن تقاس بالسنتيميتر، تُعطي دون أن تحسب، أن تتوقف عن محاولة الفهم وتبدأ محاولة الشعور، لأنك لن تفهم الآخر إلا حين تشعر به. سألتك: هل قطع الحب طريقك يا نبض من قبل ؟ قلتِ: لمَ تسأل؟ إذا كنتَ تسأل عن كوني عشت علاقة حب فجوابي هو كلا، أما إن كنت تسأل عن كوني تعرفت على الحب فنعم، أستطيع أن أعرف الحب من أدق تفاصيل الحياة. يكفي لحظة تأمل واحدة في هذا الكون لتكتشف أنه نسيج هائل من الحب: العصافير في أحضان الشجر، الغيم في قلب السماء، الأودية في صدور الجبال. كل شيء هنا يعلمنا أن نحب، الحياة لا ترسم لنا لوحة السعادة الخالصة، ولكن عبقريتها تكمن في دفعنا لاستخلاص لحظات جميلة حتى من أقسى مواقفها. 
=جلبتُ لك هدية. =مددتُ يدي بكتابٍ كُتب على غلافه "ديوان ابن زيدون" . لم يكن الكتاب في الحقيقة سوى ظرفٌ لرسالة كنت قد أمضيت ليلي بأكمله أحاول كتابتها. كنت تنظرين إلى الكتاب ببهجة، قلتِ لي وأنت تمسحين بأطراف أصابعك على اسم الكتاب: هذا شاعري المفضل. =فقلتُ: أعرف. قلتِ: هل أخبرتكَ من قبل؟ فقلتُ: لا، ولكني رأيت الشبه بين رقة شعره ورقة قلبك. نظرتِ إليّ مبتسمةٍ وقلتِ:أحب طريقتك فى التفكير، وأحب طريقتك في التعبير عن أفكارك، تجعل للأشياء العادية معانٍ مدهشة. =ثم احتضنت الكتاب بين يديك ونهضتِ. في مكان آخر كانت ورقة محظوظة تنتظر أن تحظى بأكثر اثنين أحبهما فيك، يديك وعينيك، وتتسرب كلماتها لأكثر اثنين أرغب أن أكون كل سكانهما، قلبك وعقلك، أتخيل تعابير وجهك مع كل كلمة مكتوبة، أتخيلك تنعتينني بالجبان لأني لم أجرؤ على البوح بذلك في وجهك، ولكن أردت التعبير لكِ عما أكنه لكِ بأفضل طريقة أعرفها، وهي الكتابة، لم يكن الأمر سهلا يا نبض. قلتُ لك أحبك بشكل لا يقبل المواربة، كل كلمة كتبتها كنتُ قد احترقتُ بشعورها طويلاً، لم تكن مجرد رسالة، بل قطعة قلب مكتوبة، تخيلتك تقرئين: 
إلى نبض... الوجه الصادق للحياة. الإختلاف الوحيد في هذا العالم المتشابه حد الملل. البقعة الأكثر دهشة وأماناً على هذا الكوكب المتداعي. إليكِ من عاشق كان يحترف الكلام فأخرستِه بنظرةٍ واحدة من تيك العينين المخلوقة خصيصاً لسلبي كل قدراتي. لا أعرف شيئاً آخر غيرك وأنا أقلّب نواقصي التي تبدو الآن واضحة بطريقة فاضحة، وأتردد في الإقتراب من الفراغات كي لا أقع وتتضح هشاشتي... ثمة انسياب مدهش لكِ في داخلي، انسياب منبعه ومصبه عينيك، لا أعرف سحراً أقوى منهما، وتلك ليست مسألة اعتيادية متداولة .. بل حقيقة. أريدك أن تعلمي أني انتظرت طويلاً هذه اللحظة، أن أقول لكِ: أريدك في حياتي كما أنتِ في قلبي، بل أريدك حياتي كما أنتِ قلبي، لأنك لا تجيدين البقاء فيهما بل احتلالهما. أريد أن تمسني الحياة من خلالك أنتِ وحدكِ. خذي هذا المجنون وأصغي السمع إليه، لن تسمعي سوى نبضك. كما تحمل القوقعة صوت البحر، قلبي يحمل صوتك. كنتِ بانتظاري كما كنتُ بانتظارك، قلت لك دون تفكير إني مستعد لمرافقتك إلى آخر الدنيا إن شئت، رفقتك هي كل ما أريد، أما الأماكن فهي لا تعنيني طالما أسكن قلبك. قلتِ لي: أحبك. كل شيء استطعت تخيله غير أني لم أستطع تخيل اللحظة التي أتناول فيها جرعة حب بصوتك. كنت أعرف أني بداخلك. كان قلبي في تلك اللحظة يشبه طائراً أفلت من بين يدي آسره للتو. ما زلت أذكر أول رسالة منك يا نبض، مزيج من رائحة عطرك وحبرك ومشاعرك، يومها كنا قد تشاجرنا، فقد استسلمتُ لغيرتي وأنا أراك تردّين ببراءة على سؤال أحدهم. لم ترق لي نظرته إليكِ أو أني لا أحتمل أن ينظر إليكِ رجل آخر. حدثتك بغضب، ابتعدت عنك لا بدافع الهجر، ولكني خشيت عليكِ مني لحظة ذاك. كتبتِ لي حينها أول رسائلك، كانت الحروف والكلمات أشبه بإسفنجة عملاقة تمتص طوفان غضبي كله، حديثك الرقيق الذي يشبهك جعلني لا أرغب بشيء كما أرغب أن أضمك وأخبئك في صدري. في ذلك الصباح جاءت رسالتك كالتالي: 
صباح الخير ... 
 هذه ليست تحية بل نداء. الصباحُ أنتَ، والخير أنتَ، وحيث كنتَ يكون كل ما أحتاج. أيقظني العطش لذلك جئت أبحث عنك، ولما لم تكن متاحاً، جئت للمكان الوحيد الذي لا تغيب عنه أبداً... قلبي. 
 أشتاق كثيراً للنهار والدفء فيك، إلى قراءة أسرار حياتي في قعر نظراتك، إلى تعديل مزاجي بالغرق فيهما. 
أشتاق إليك... 
إلى حديثك المسائي الذي يلملم في قلبي أطراف الشمس الذاهبة إلى مرقدها.
  أشتاق أن أخبرك ... يوم واحد من غيابك كألف سنة مما يعدون، كبر قلبي حنيناً، وفي وجنتي أزهر الورد ...ويداك ما زالتا غائبتان. 
أن أشكو إليك ثقل الوقت لتدفعه بحضورك عني. أن أحكي لك غربة الوجوه في غياب وجهك. وأعترف: هذا الحب أكبر من جسمي. وأطلب: شاركني في حمله. 
 كن متأكداً أنني إن لم أكن لك فلن أكون إلا للتراب. 
كنتُ مستغرقاً في حبك إلى الدرجة التي لم أكن معها قادراً على السماح لأي شيء أن يقاطعني أو يلفت انتباهي عنك، حتى جاء ذلك اليوم الذي قررت الحربُ فيها أن تذيقني طعم فراقك. قرأت في وجهك لحظة أخبرتك وجع من ينتزع منه قلبه وهو بكامل وعيه، كنتِ تحاولين أن تخففي عني أو عن نفسك من خلال محاولتك التهوين علينا، غير أن دموعك هذه المرة فضحتك، صوتك الذي كان أضعف من الصمود بتلك الغصة تلاشى هو الآخر، لم يكن لدي الكثير لأقوله لامرأة يذهب حبيبها إلى الموت، ماذا يمكن أن يقال في مثل هذا الموقف. 
 اختصرتُ المسافة الضئيلة بيننا واحتضنتك، أردت أن أحمل رائحة دموعك على ثيابي قبل أن أذهب، وأنا موقن أني إن لم أمت بالرصاصة متُّ من حسرة الإشتياق إليكِ، وجهك كان يقول لي: لا تذهب، وصوتك كان يقول لي: عدني أن تعود. فأجيبك : عديني أن تنتظريني. فتقولين بثقة: لن يمنعي من ذلك إلا الموت. أتأملك، أحاول أن أملأ بصورتك عيناي، أن أدخر منها في ذاكرتي ما أستعين به على أيام الغياب، أضمك ثانية وثالثة، أحاول أن أتخلى عن الكلام في هذه اللحظة، تنظرين إليّ: لا تودعني، نحن لن نفترق. 
لا أودعك، سأعود إليك وسيكون لنا وطناً ننجب فيه أطفالنا. سأكتب لك كلما استطعتُ، سأفكر بك كل ثانية، سأحلم بك كل لحظة، سنلتقي كل يوم في أفكارنا وأحلامنا ورسائلنا.  إلى نبض ... 
وصلتُ إلى خندقي يا نبض. 

هذا أسبوعي الأول الذي أقضيه بعيداً عنك، قريباً من الموت. 

ما زلتُ إلى الآن أشم رائحتك في يدي، لم تهزمها رائحة البارود بعد، ما زلت ألمح اللون الآمن والساكن في عينيك رغم أن اللون السائد هنا هو لون الدماء، ما زلت لا أرتجف إلا من فقدان صوتك كلما حاولت أن أغفو، وكلما أيقظني صوت الإنفجارات. 
بخير أنا إلا من فقدكِ، لأني ما زلت أتمسك بفكرة عودتي القريبة إليك، لأشم ضفائرك حتى تتطهر رئتي من كل هواء تنفسته بعدك. 
أخبريني عنك، اكتبي لي عنك يا نبض، أكتبي لي ما يساعدني على لمسك. كلماتك وحدها يمكن أن تكون مخرج طواريء ينقذني من نار الحرب ونار الشوق على حدٍّ سواء. 
صورتك تنقذني كلما حاولت بحار الوحدة أن تغرقني، أتمسك بها كما يتمسك غريق بقشة. أحبك، وأفكر بك، وأحلم بك. 
 من نبض... 
 حبيبي: سأخبرك عني كما أردت، رغم أني لا أدري كيف تُكتب هذه العواطف التي تتملكني. 
الأوقات متشابهة في غيابك، لا ملامح لها، تنتظر وجهك لتتقمص ملامحك، لتصبح أوقاتاً صالحة للاستخدام. بُعدك يصبح أصعب مع مرور الوقت. الفراغ الذي تركته صار بحجمي تماماً، أقاوم كي لا يبتلعني، أقاوم لأراك مجدداً، لأجمع ما تساقط منك وأرمم ما تلف من روحك. 
عد إلي ....لا تسمح لفوهات البنادق أن تسرقك مني. لا تُمكّن أي رصاصة من الدخول بيننا. لا تنم دون أن تخبرني أنك تحبني. أشعر بك من قريب، وأسمعك من بعيد. 

أرفقت لك خصلة من شعري، وصورتي، وشيئاً من عطري، وكل حبي . 
إلى نبض.. 
 منهكٌ يا نبض، وليس غير الكتابة سبيلي لأخذ قسط من الراحة، منهكُ الروح، وغاية ما أتمنى يديك تنفض غبار الحرب عن وجهي، تلم شعثي. كل شيء هنا يأخذني مني، الوجوه المؤقتة، التي نخرج معها ونعود بدونها، وتلك التي نخرج إليها لنقدمها قرباناً لهذا الموت الذي يأبى أن يشبع. 
أفقد الإنسان بداخلي يا نبض مع كل هذه الدموية، مع محدودية الحياة هنا وتفشي الموت، ما أرخص الأرواح هنا يا نبض، ينسى الإنسان المتحضر المتشدق في هذا الميدان كل ما كان يكذب به أمام المجتمع، ويعود حيواناً يمارس القتل ليعيش. 
لا أدري لماذا أتذكر شجرة الورد التي زرعتُها من أجلك؟ 
اسقيها من أجلي، لأشعر أن ثمة حياة واحدة كنتُ سببها. ما زلت أحبك، وأحلم بك، وأفكر بك. 
من نبض... هل للشوق وزن؟ 
لا أعرف.. ولكن قلبي يصبح بثقل الجبال كلما اشتقتُ إليكَ ... 
أفكر بهذا وأنا في منتصف مدينة تحترق، تتحول رويداً رويداً إلى ما يشبه الجحيم، ثم لا تلبث تلك النار أن تشب في أعماقي كما لو أني أبتلع المدينة كلها... ربما لأن الحروب لا تُحدِث دمارها من حولنا فقط بل تطال كل ما فينا، نحن أيضاً نصبح منكوبين أكثر من المدن المدمرة نفسها. 
حتى الأطفال بات حديثهم عن المدفع والدبابة بدلاً من الألعاب والحلوى، فالأعين التي كانت تغمض في لعبة الأستغماية لم يعد يغمضها شيء سوى يد الموت، ولكني أعرف كما تعرف أن الحروب لا تجيد المزاح، وأن ما تسرقه منا لن يتسنى لنا أبداً استعادته، رغم أننا نتمسك دائماً بأمل استعادة الأرض، ولكن بداخلنا ندرك جيداً أن الأرض المزروعة بجثثنا ستنبت حياة خالية منا... 
 أصعب من الموت غيابك. إنني لا أملك سلاحاً أقاتل به سوى حبك، لا أملك أسباباً كبيرة ومهمة للعيش سوى رؤيتك أمامي سالماً، سماع صوتك من جديد يبث الحياة في هذه الأماكن. =كلما علت أصوات المدافع من حولي أبحث عن صوتك في ذاكرتي... عن آخر قصيدة قرأتها لي... 
 كل الشعارات التي تتلى في مثل هذه الظروف تبدو لي أشبه بالشتائم أو النكات البشعة... وإن كنت أيضاً أرددها أحياناً على سبيل المواساة لا الإقتناع... إني لا أجد في هذا الصراع المحموم كلما استغرقت في التأمل أي معنى سوى جشع الإنسان ومحاولاته الفاشلة لوضع أطماعه في قالب نبيل... ولكن الأبرياء وحدهم من يدفعون الثمن في النهاية، وحدهم من لا يحق لهم إبداء رأي في الأسباب التي من أجلها تؤخد منهم حياتهم. 

لا تفقد أملك، لا تفقد قلبك، لا تفقد روحك ....أنتظِرك. 
من نبض .... 
صمتك يرعبني.... تخدّر إحساسي فلم أعد قادرة على تمييز الخوف من الحزن من الفقد من القلق، عدة أشهر مرت دون أن يصدر منك أي شيء، والحرب وصلت إلينا، في البداية كان الموت ينتقي ضحاياه بعناية، الآن أصبح الموت جماعياً، ويصعب تمييز الراحلين لأنهم باتوا يذهبون جماعات. أعتادُ على كل شيء هنا إلا غيابك، كل ما أريده الآن هو أن أعرف أنك بخير، أنك لم تخلف وعدك. قلبي يحدثني بأنك عائد ولكني لم أعد أستطيع تمييز صوت الأمل الواهي من صوت اليقين البين، أياً كان فهذا هو الحبل الذي ألوذ به بعد حبل الله. 
أنتظرك بين قذيفة وأخرى، وأحبك حتى الرمق الأخير. 
 من نبض.. هل تعرف أني ذرفت من الدموع حين رأيت رسالتك أكثر من دموعي منذ غبت مجتمعة؟ 
كأني حين حصلت عليها حصلت على رخصة من مقاومة قلقي ومداراة حزني، أعطيتني نَفَساً قبل الإختناق بلحظات، أعدتني للحياة بل منحتني الحياة. لتكن لنا هدنة من كل هذا الوجع، لتأتِ، لأراكَ، لأنقذ ما تبقّى من قدرة قلبي على النبض. 
 تعال، كل هذا الصبر بحاجة إلى ثمرة لقياك. أحبك وأنتظرك بكامل التوق وفارغ الصبر. 
 الحرب لم تضع أوزارها بعد يا نبض..... 
ما زال أتونها مشتعلاً كما صبيحة البارحة. ولكن حربي أنا انتهت! 
أتذكرين يوم قلتُ لكِ: في كل حرب هناك معركة جانبية يخوضها كل إنسان وحده، وهذه المعركة هي الحرب كلها بالنسبة إليه؟! 
كنت حربي كلها يا نبض... وأنا الآن مهزوم بكِ! 
إننا نخوض الحرب زُرافات، ونقيس نتائجها وِحدانا! وأنا حين خسرتكِ لم يعد هناك ما يمكنه أن يرمم خسارتي لك... حتى كسب الحرب مع الجماعة! 
النصر لا يُعزّي فاقداً عما فقد. وهذا الوطن على اتساعه أضيق من أن يكون لي حبيبة بعدكِ! كم أتمنى الآن وأنا أكتب الفصل الأخير في حكايتنا لو كنتِ كائنة روائية فقط! علاقتي بك لا تتجاوز حدود هذه السطور، وحين أفرغ منها يكون كل شيء قد انتهى... 

كم أتمنى لو كنت صنيعة حبر انتهت بفاجعة، ولا تكوني فاجعة صارت حبراً! 
فالفواجع في الروايات تنتهي بانتهاء الرواية، ولكن هذه الفاجعة الحقيقة ستبقى تُخزني في قلبي طول العمر، وستبقى هذه الأسطر التي أردت بها أن أتخفف منكِ تذكّرني بك. 

أنتِ أقوى بكثير من أن يقتلك حدثٌ كتابيّ! وأنا أضعف بكثير من أن أقطع الحبال التي توثقني بك.
 أحسد كل الذين قَتلوا أبطالَ رواياتهم بدمٍ بارد، وتقاضوا على ذلك أجراً! 

ليتك كنت مخلوقاً روائياً أكتمل بموته، ولكنك كنتِ أنت، القتيل والقاتل، وضعوا حداً لحياتك، ووضعتِ حداً لحياتي، ولا أدري الساعة من أشد جرماً، أهم الذين قتلوكِ، أم أنتِ التي قتلتني! 
 ليتني استطعت أن أختار نهايتك، كنت صنعت من لحظة موتك مشهداً مؤثراً ..... 

ليتكِ كنت من حبر وورق، ولم تكوني من لحم ودم يا نبض. وأنا لا أمانع لو كنتِ كائنة روائية أن تكون نهايتي كالنهاية التي أختارَها لكِ! ولكن نهايتنا كانت مختلفة، أنتِ عشتِ ميتة، وأنا مت حياً! 
 مرهفٌ هذا الموت الذي اختارك يا نبض! كنتُ دوماً أتخيله جشعاً، يأتي كوحش كاسر يخطف وجبته ويمضي، وكلُّ همه أن يقتات. 
أمّا وقد تخيّركِ، فعلى بغضي له، أعترفُ أنه عرفَ كيف يختار! لو كنتُ موتاً لاخترتك! فلماذا ألومُ الموتَ وأنت مغرية بكل ما فيكِ؟! 
أتذكرك يا نبض... 
أتذكرين يوم قلتُ لكِ: حين تكتظ الذاكرة بالراحلين ننسى لنعيش؟! لم أكن وقتها أعرف أنك سترحلين، وسأكتشف أن نسيانك حرية مقيتة، وإني أستمتع حين تستعبدني ذكرياتك! الحرية باهظة الثمن لهذا يخافها أكثر الناس، وأنا أخاف عتقي منك، أريد أن أبقى مكبلاً بك، إن قيدك هو حريتي! 
أريد لهذه الحرب أن تنتهي، وللطلقة الأخيرة فيها أن تستقر في قلبي، فألحق بك، ولا يُفجع أحد بعدي بحبيب فجيعتي بك! 
الحياة دونك لا تطاق يا نبض. وحدة قاتلة... أخذوا مني كل شيء يوم أخذوك مني. 
 أتذكرين يوم قلت لي: إذا متُّ هل سترثيني؟! 
أجبتك يومها: حياتك عندي أغلى من مليون كتاب وأنا أريد أن أعيشك لا أن أتذكرك: أن أتغزل بكِ لا أن أرثيك. الرّثاء موت آخر يا نبض... وأنا يكفيني موتك مرة واحدة! 

أنت لا تحتاجين رثاءاً، وأنا لا أحتاج كتاباً أدفنك فيه. لا أريد أن أحفر لك في كتاب وأهيل عليك الكلمات! 
الذين رثوا قبلي يا نبض لم يكونوا يبعيون أدبهم وإنما كانوا يبكون بطريقتهم، وأنا أخترت أن لا أبكيكِ بالكلمات رغم أنها طريقة مغرية للبكاء! حتى أني لا أريد أن أخلّدك كما فعلت الخنساء بأخيها صخراً. 
 في قلبي نار يا نبض لا تطفئها أنهار العالم ولو صُبّت بي! ما دمت حياً سأبقى أتقلب على جمر رحيلك، وليس غير الموت يطفئها ويحيلني إلى رماد! 
عندما تحضرين إلى ذاكرتي، وأنتِ أصلاً لا تغيبين، يصبح للأشياء طعم آخر، ولون أخر. 
أعانق فيك كل الذين أحبوا وفقدوا! 
أعانق فيك سيد الناس إذ يفقد خديجة. إحدى عشرة زوجة ولم يملأ مكانها في قلبه أحد! يترك مكة كلها إلى غار حراء وقد حُبّبت إليه الخلوة. نزل من الغار يرتعد من هول اللحظة، ويرتجف من برد التجربة. 
كان عنده قبيلة كبيرة... وأقرباء كثر... وأصدقاء مخلصون..... ولكنه ذهب إلى خديجة، ودفن رأسه في حضنها، كأنه يقول لها: أنتِ قبيلتي! وكانت قبيلته... 
دافعتْ عنه حتى آخر جندي من جيش الحنان في صدرها! وطمأنته: والله، لا يخزيك الله! ويوم ماتت، سُمي ذلك العام كله عام الحزن، وكانت الأرض كلها لا تصلح أن تكون عزاءاً له، فدعاه ربه إلى السماء ليُعزّيه بها! 
وظل من فرط الوفاء يذكرها، فتغار منها عائشة وهي في قبرها فتقول له: أما زلتَ تذكرها وقد أبدلك الله خيراً منها. فيقول لها: والله ما أبدلني الله خيراً من خديجة! 
أبعدَ هذا الحب حب، وبعدَ هذا الوفاء وفاء؟ ! 
لا يُطيّب خاطرَ حيٍّ على حساب ميّتٍ ما زال حياًّ في قلبه! 
وفي آخر أيامه، وقد تجاوز الستين قليلاً، يرى نسوةً وقد بلغن الثمانين إلا قليلاً، فيخلع رداءه ليجلسن عليه، ويقول لمن حوله مبدداً اندهاشهم: هؤلاء صويحبات خديجة! لم يكن يحبها فقط، كان يحب كل من أحبها أيضاً. 
كان الوقت ظهيرة يا نبض... 
وكنتُ عائداً من خندقي لرؤيتكِ، الشمس تلسع وجهي بسياط وهجها، وأنا لا أكترث، فحين أمشي إليكِ تهون مشقة الدرب، وتتذلل وعورة الطريق! 
كل من مررتُ به رأيت في وجهه كلاماً لا يريد أن يقوله لي! 
عرفتُ أن شيئاً قد حدث، ولكني أكملتُ طريقي مُكذّباً نفسي، ولأول مرة في حياتي تمنيتُ لو أني لم أكن لمّاحاً. وصلتُ إلى بيتكِ فإذا هو كومة حجارة. ولأنكِ لم تكوني تغادريه في الحرب إلا لنلتقي، عرفتُ ما الذي حدث لكِ. 
 وقفتُ مصدوماً، لا أريد أن يمرَّ أحدٌ بي ليؤكد لي ما أنا على يقين أنه حدث. إلى أن جاءتْ إبنة جاركم ذات العشر سنوات، وقالت لي: ماتت نبض، كلهم ماتوا، وانفجرتْ باكية! 
لم تستطع قدماي أن تحملاني. وقعت على الأرض كأن رصاصة أصابتني، لطالما كنت أرى الرجال يقعون هذه الوقعة، وقد حان الآن دوري! 
 ذهبتُ أبحث عن قبرك، وأنا أحسنُ الظن بقاتليك! إلى أن قال لي شيخ متهالك: كلهم مدفونون هنا! 
حتى قبراً منفرداً لم يمنحكِ هذا الوطن الذي منحته كل شيء! لقد حرمني أن أبكيكِ وحدكِ. 
ولكني كما في حياتك لم يكن لي على ظهر الأرض غيركِ، فإني في موتك ليس لي في بطن الأرض غيرك! 
نسيت كل كلامكِ إلا قولك: عِدني أني إذا متّ ستكمل حياتك، وتتزوج، وتنجب بنتاً وتسميها بإسمي! 
عرفت يومها أننا لن نلتقي بعدها، وأن لعنة الحاسة السادسة قد أصابتكِ، فعرفتِ أنه آخر لقاء، ولقد صدق حدسكِ! 
لن أنجز وصيّتكِ! 
ولن أنجب بنتاً وأسميها باسمك، البنتُ التي كنت أريد إنجابها كان من المفترض أن تكوني أمها، فلا تعاتبيني، أنتِ وأدْتِها في داخلي يا نبض، جعلتِني قبراً وأهَلتِ التراب عليها وعليّ! 
اخرجي قليلاً لأعاتبكِ. لأصرخَ في وجهك كما لم يحدثْ من قبل أن فعلتُ. لأضمك إلى صدري، وأقول لك: الآن مُوتي كما يحلو لكِ ! 

                                
                                                    النهاية.