الأربعاء، 28 مارس 2018








تلخيص رواية:
زوجتي من الجن: إبراهيم خليل.
إعداد وإشراف: رجاء حمدان.

ذات مساء, وبالضبط مساء يوم أحد, وبينما كنت أنظر إلى الفضاء الذي تَعانق مع نخلة السجن، شدني منظر النخلة وأبهتها وكبرياؤها الذي يعانق السماء، تأملتها بكلتا حدقتي. وفجأة وبينما كنت أطلق لخيالي العنان... تجسدت بجانب النخلة أمام عينيّ فتاة... لم أصدق ما أرى، ففركت عينيّ، ازداد جمالها في نظري...إنها حقاً آية في الجمال يعجز قلم أبلغ الشعراء عن رسمها بالكلمات... رفعتْ رأسها لتلتقي عيناي بعينيها السوداوين الواسعتين... رمقتني بنظراتها فانسابت سحراً خفق له قلبي بين الضلوع، ثم استدارت نحو النخلة واختفت. بقيتُ في مكاني أنظر إلى نفس المكان، متسمراً شارد الفكر ينتابني الذهول، وبقيتُ على حالي هذه حتى أرخى الليل سدوله وتعذرت الرؤيا وحجب الظلام النخلة، ولم يعد في استطاعتي أن أرى شيئاً.

تحركتُ من مكاني، تحسست نفسي جيداً, فخلت أنني إنما كنت في حلم جميل. وفي اليوم السابع وعندما مالت الشمس نحو الغروب وفي نفس الموعد ونفس اللحظة ظهرتْ بجانب النخلة... نعم إنها هي، ذات الرداء الأخضر، ذاتها، وما هي إلا لحظة حتى رمقتني بنظرتها الساحرة... ولكنها سرعان ما اختفت ثانية. وتكرر انتظاري لها، ومشاهدتها فى كل يوم أحد من أيام الأسبوع لعدة ثوان أو لحظات. أقنعت نفسي أن ما راودني إن هو إلا خيال, وما صاحبة الرداء الأخضر هذه إلا وهم بعيد المنال. وكنت أساير نفسي وأعيش معها لحظات جميلة في حلم جميل.
انقضى نصف عام من عمر الزمن، وأمضيتُ مدة حكمي في السجن، وجاء يوم الإفراج، يوم الحرية الذي تتعطش له كل نفس أسيرة من وراء قضبان السجن ... أصبحت حراً، فما أجمل أن يكون الإنسان حراً طليقاً. وفجأة تذكرت الفتاة والنخلة، شعرت بألم ومرارة كمن فقدَ أعز شيء في حياته، بل أكثر من ذلك، كمن فقد حياته كلها. تسمرتُ في مكاني، أرفض العودة للمنزل والأهل والأصدقاء... الجميع يحثني على الصعود إلى السيارة التي ستنطلق عائدة إلى البلدة... صعدت إلى السيارة جسداً بلا روح... بدأت ألملم أفكاري وأستجمع قواي، أكلم نفسي... كفى أحلاماً... صراعٌ بيني وبين نفسي, ثم  صحوت على صوت أمي الملائكي: مالك يا حسن، ماذا جرى لك يا بني، هل أنت مريض ؟! ربما تغير عليك الجو ... لماذا أنت حزين ومهموم هكذا يا حسن ؟ ابتسمتُ بمرارة ...إنها أمي الحنون، نهر العطاء وخيمة الحنان... قلت لها: أنا لست مريضاً يا أمي، وكل ما في الأمر أني تأثرت قليلاً لفراق أصدقاء السجن. وصلنا إلى بيت الطفولة... وما إن دلفتُ عتبة البيت، حتى ازدحم المهنئون يعبرون عن فرحتهم وسعادتهم بعودتي سالماً معافى.
مرت الأيام دون أن أشعر بها، وبدأت أتغلب على مشاعري وأسيطر مجدداً على نفسي، أقنعها بأن ما عشته داخل السجن إنما هو حلم يقظة. مضى على خروجي من السجن حوالي عشرة أيام، استطعت خلالها التأقلم ضمن نمط حياة أقاربي وأصدقائي والناس في بلدتي.
ذات يوم وبينما كان جميع من في البيت مدعوين إلى حفل زفاف، قررت أن لا أذهب إلى الحفل مع بقية أهلي وأن أبقى في البيت وحيداً. نظرت من النافذة وإذا بقرص الشمس يوشك أن يتوارى في الأفق البعيد وراء الجبال وإذا بي أسمع همساً ناعماً هادئاً, لا إرادياً، التفتُ بنظري نحو مصدره، اضطرب مني القلب وارتعش الجسد, يا إلهي...هالة ضوئية نورها يشبهها تماماً، عيون سوداء واسعة والإبتسامة العذبة الناعمة والشعر الأسود الطويل...إنها صاحبة الرداء الأخضر، تسمّرتُ في مكاني، تسارعتْ أنفاسي، وجاء وقع الكلمات: كيف حالك يا حسن؟ اعذرني لأن ظروفي لم تسمح لي بالمجيء مبكراً لزيارتك لأهنئك. نعم إنها هي, ارتعدتْ كل خلية في جسدي. من هي ومن تكون يا إلهي ؟! أهي إنس أم جن...عيناي ما زالتا محدقتين بها، ما الذي جاء بها، لا أريد أن ترف رموشي أمامها. وما هي إلا لحظات حتى قالت: الوقت تأخر وأنا لازم أروح يا حسن. بدأت بالتفكير. حسن, هل جننت؟ وهل أصبحت تؤمن بالجن والعفاريت والخرافات التي لا تنتهي في هذا المجتمع, كلّمتُ نفسي... حسن لا تدع للأحلام والأوهام طريقاً تدخل بها إلى عقلك؟   
على تلك الحادثة, انقضى شهر بأكمله. وفي ذات ليلة, وبينما كنت جالساً في الحديقة, جاء صوتها: مساء الخير يا حسن. تقطعت أوصالي وانهدّت جوانحي. إنها هي بنفسها. دنت حتى جلست بجانبي, لم أصدق ما أشاهد, راحت عيناي تتأمل سحرها الأخاذ الذي لا يوصف.  قالت: أنا غادة يا حسن، أنا الآن بجانبك وجئت لزيارتك، ولا وقت لدي للإجابة على كل أسئلتك... لكني سأعود قريباً وأجيبك على كل أسئلتك, والآن انتهى وقتي ويجب أن أعود. اختفت غادة من جديد بعد أن تركتني في حيرة من أمرها. قطعت الشك باليقين بأن ما يحدث حقيقة... ازداد قلبي تعلقاً بها وازدادت روحي هياماً بجمالها، ونفسي أبت أن تسكنها روح سواها .
انقضت الليلة وتبعتها الأيام، وأنا أمضي معظم ساعات المساء من كل ليلة في حديقة المنزل وأنا أنتظر مجيئها... وبينما كنت قلقاً ذات مساء في ليلة قمراء، هبت نسمة صيفية ناعمة خفيفة تحمل صوتاً ملائكياً عذباً: سارح في مين يا حسن؟. إنها غادة ذات الجمال الذي يعجز عنه الوصف. دنت مني وجلست على كرسي القش القديم... أخذ النسيم يداعب شعرها الناعم وهي تقول:حسن, ما بك لماذا أنت مذهول. نطقتُ: من أنت ؟. وقبل أن أكمل جملتي، جلجلت في أذني ضحكة ساحرة. قالت: أنا لست من عالمكم، فلا أبي ولا أمي من البشر، ولأني ابنتهم هذا يعني أني كذلك لست من البشر. احترتُ بجوابها أكثر، وغصت في بحرٍ مليء بالحيرة والأسئلة... وعادت لتقول: أستطيع معرفة كل ما يجول في خاطرك دون جهد أو عناء، أستطيع ذلك ما دمت تفكر فيّ، وبما أنني جزء من أفكارك، فهذا ليس بالأمر الصعب عليّ.. وهذه هي عملية الإتصال بين الأفكار. قلت: من أنت؟ ومن أين أتيت؟ ومن تكونين؟ ردت بنغمة فيها شيء من السخرية: إسمي غادة, ولست من الإنس وأنا من عالم آخر غير عالمكم. فقلت: إذن أنت من الجن ...!! حينها ابتسمتْ ابتسامة ساحرة أشعرتني وكأنني طفل صغير يحتار في اختيار الأسئلة. إذن هي جنيّة. رتبتُ أفكاري، استعدتُ ذاكرتي وغادة لا تزال تحملق بي... قلت في نفسي: هي الآن تعرف الذي أفكر فيه، يا الله كم أبدو سخيفاً وضعيفاً أمامها... قالت: أنت لا تبدو سخيفاً يا حسن. قلت لها: هل رأيتك في سجن عسقلان ؟قالت: نعم، لأني أنا أردت أن تراني، ولي هناك قصة طويلة وحكاية غريبة عشتها منذ الطفولة، وبالمختصر المفيد، للنخلة في نفسي معزة خاصة، لم تنقطع زيارتي لها منذ كنت طفلة، كنت آتيها بين الحين والآخر دون أن أعبر أي اهتمام بما يحيط بها حتى جاء ذلك اليوم الذي كنت أقوم فيه بزيارة للنخلة، وشعرت بشريك جديد يشاطرني بنظراته النخلة وتعلقي بها. كانت نظراتك للنخلة متواصلة ثاقبة حتى اعتقدت أنك تراني... وفي المرة الثانية عدت لأراك وكأنك ما زلت في مكانك، نفس الجلسة، ونفس النظرة الغريبة التي كانت الحافز الفضولي لمعرفة السر الكامن وراء تلك النظرات... قررت أن أقرأ أفكارك... تكررت زيارتي، واستمرتْ جلستك، وتعددت المحاولات, وحين نجحت في الإتصال بأفكارك، علمت أن للنخلة مكانة خاصة في قلبك، وأنك تحبها كثيراً، واغتبطتْ نفسي بالسعادة, فظهرت لك لتراني, ووجدت نفسي مجذوبة لك. سألتها: أليس غريباً يا غادة أن أكون أنا الوحيد الذي لفت انتباهك من بين مئات السجناء الذين دخلوا وخرجوا من هذا السجن؟ لقد كانوا يطوفون حول النخلة كل يوم، لا بد أن هناك من أحبها أكثر مني، لماذا لم تظهري لأي منهم واخترت الظهور لي وأنا الذي لا يؤمن بالجن ولا حتى بالعفاريت؟ انقلب كيان غادة, وبدت عليها علامات الحزن والألم, وقالت: ليس لأحد قدرة على رؤيتي إلا إذا أردت أنا ذلك. إياك أن تفكر أن ظهوري فيه متعة لي، أو أنه مجرد تسلية، لا، الأمر أصعب من هذا بكثير لأن من يظهر منا لأي إنس، يعرضّ نفسه لمخالفة عقائدية في عالمنا، مما يترتب عليها عقاب عسير لا يتصوره عقلك. حاولتُ أن أمد يدي تجاهها، لكن شيئاً ما فيه قوة خفية منعني أن أفعل ذلك ... فقلت لها: غادة, أرجوك أن تسامحيني، لا أدري ماذا جرى لي، لم أقصد... واختفت غادة. أعترف أنني بكيت وكانت هذه المرة الأولى التي أبكي بها في حياتي بكاءاً صادقاً. ذرفت دموعاً من أعماق القلب.
أغمضت عيناي ثم فتحتهما والأحلام ما تزال تراودني, ثم أنام وأستيقظ. أفتح عيوني لأجد أمي نائمة على الكرسي بجانبي. وفجأة, تأكدت أنني في غرفة أحد المستشفيات، ولكن ما سبب وجودي فيه، نظرتُ إلى أمي فهي لا تزال تغط في نوم عميق، ربّتُ على كتفها... أيقظتها من نومها... فتحت عيونها... ذهلت... ثم خرجت مسرعة لتعود بصحبة طبيب. ثم امتلأت الغرفة بالأطباء والممرضين. تقدم أحد الأطباء وكلمني باللغة العبرية وأخذ آخر يترجم لي باللغة العربية، ولم يكن هناك داع للترجمة لأني أعرف العبرية جيداً، أسئلة كثيرة وجهها إليّ الطبيب، ولكن الذي طيّر صوابي وأفقدني هدوئي بحيث لم أستطع أن أتمالك نفسي من الإنفعال، أني علمت من حديث الطبيب، أنه مضى على مكوثي في المستشفى سبعون يوماً كنت فيها في غيبوبة تامة !!!. صدمة قوية... لم أستطع مواجهة نفسي من هولها، وضعتني أمام مخاوف الحياة، أيعقل أن أكون قد مكثت في المستشفى سبعين يوما؟ كيف هذا دون أن أحس أو أشعر بشيء، وكأنني مكثت يوماً أو بعض يوم.
عدت إلى البيت... وبقيت أياماً يحيطني بها الأقارب والأصدقاء والأهل، وعشرات الأسئلة الفضولية تنهال عليّ.. كيف يا حسن؟ وشو صار يا حسن؟ وأنت ما شعرت يا حسن؟ الخ... وبالطبع أنا لا أملك الإجابة على أي سؤال... وكل الذي فهمته أن أمي وجدتني ملقى في الحديقة، فحاولتْ إيقاظي، وبعدها أيقظتْ نصف البلدة على صراخها وتم نقلي إلى مستشفى عربي، وبعدها قام أهلي بتحويلي على حسابهم إلى مستشفى إسرائيلي، حيث عجز الأطباء عن تشخيص حالتي وتم وضعي تحت إشراف طبي مكثف. وفي وسط دوامة التفكير والهم والغم وأنا جالس خلف المكتب في غرفتي، ظهرت غادة وجلستْ أمامي. قلت لها :لماذا فعلتِ بي كل هذا يا غادة؟ لماذا لم تساعديني؟ لماذا تخليت عني وأنا الذي أحببتك، بل عبدتك.. لماذا انتظرتِ سبعين يوماً حتى تذكرتِ أن تساعديني...؟ فقالت: أنا لم أتخل عنك ولكني مهما بلغتُ من القوة لا أستطيع أن أجعلك تفعل شيئاً لا تريد أنت أن تفعله. وفجأة اختفت غادة. أخذ جسمي يرتعش. ومع اختفائها توشح الأفق بخيوط الشفق الأحمر معلناً بزوغ الصباح. ألقيتُ بنفسي على الفراش لأغط في نوم عميق هاديء، لم أصح منه إلا في ساعات الظهيرة، بعد الحاح وإصرار من أمي على أن أستيقظ وأستعيد نشاطي وحيويتي لأجلس مع قريباتها اللواتي قدمن لزيارتنا لتقديم التهاني بسلامتي وخروجي من المستشفى.
وبعدما خرجتُ من غرفة الضيوف وذهبتُ إلى غرفتي وجدتُ غادة تقف متكأة على حافة النافذة المطلة على الشرق... تنظر عبرها نحو الفضاء بطمأنينة وهدوء، تسمّرتُ في مكاني بضع دقائق وأنا أنظر إليها ولا أدري إن كانت تراني أو شعرت بقدومي.. ثم قالت: حسن, إني خائفة عليك من الغد, وحين أفكر فيك أشعر أن من الأفضل أن تنتهي علاقتنا عند هذا الحد.. قلت لها: إني أحبك، أعشقك.. ولا أريد الحياة بدونك. فقالت: وأنا أيضاً أحبك يا حسن. قلت لها: غادة.. حبيبتي لماذا لا نتزوج؟ وما إن لفظت هذه الكلمة حتى بدأت غادة تضحك وتضحك بجنون. قالت: صحيح أنك مجنون, أنت لا تعرف عني شيئاً ولا عن عالمي وتريد أن تتزوجني. حسن إني أخشى عليك، أخشى أن أفقدك، أو تفقد نفسك، فأنت لا تدري هول المتاعب التي ستواجهها بسببي. فقلت : أنا على أتم الإستعداد لمواجهة الدنيا بأسرها إذا كان الأمر يعني الزواج منك يا غادة.  قالت: وكيف سيتم الزواج؟ قلت : لا أعرف يا غادة. ساعديني أنتِ كيف سنتزوج؟ قالت:  أنا موافقة يا حسن.. ولكن حين تتزوج مني سترتبط بعالمي ولن تستطيع العيش فيه وستفقد الكثير من حريتك في عالمك، ولن يعود هناك شيء يخصك وحدك، فلا تفريق بين ما يعنيني ويعنيك. لن تستطيع الزواج أو إقامة أية علاقة مع إنسية، وإن حدث ذلك سيكون إخلالاً بعهد الإرتباط, وإجمالاً الإرتباط يشمل كل شيء ما عدا الأمور التي لا نتحكم فيها وتفوق قدرتنا كإنجاب الأطفال مثلاً، وهذا لا يتم بسبب اختلاف عالمينا وتكويننا وتركيبتنا ولا تحكمه إرادتك أو إرادتي. قلت لها مندفعاً:  غادة حبيبتي سأتزوجك. ولن تستطيع أية قوة في العالم أن تحول بيني وبينك منذ هذه اللحظة.. لن أسمح لأحد أن يفرق بيننا يا حبيبتي. اقتربت مني, وشبكت يدها اليسرى بيدي وقالت: لنعلن معاً عن رغبتنا بالإرتباط الأبدي على هذا النحو: أعلن عن رغبتي بالإرتباط بحسن الذي أراه يقف أمامي، وأسمع صوته، وأمسك بيده اليسرى، وأحس بوجوده. وبعد أن أنهت ميثاقها، طلبتْ مني أن أعيده فقلت: أعلن عن رغبتي بالإرتباط بغادة التي أراها تقف أمامي، وأسمع صوتها, وأمسك بيدها اليسرى، وأحس بوجودها. وأنهيتُ كلامي وهي تنظر إليّ وما زالت يدها بيدي, ثم استلقتْ على السرير وقالت: حسن حبيبي, أنا في شوق إليك، ولكن يجب أن يتم عهد الإرتباط وسيتم ذلك بعد ثلاثين يوماً. وهذا ليس تأجيلاً يا حسن ولكن هكذا تجري الأمور بعالمنا. ففترة الثلاثين يوماً هذه ما هي إلا فرصة أخيرة للطرفين من أجل إعادة التفكير مرة أخرى في قرار التوصل للإرتباط قبل الوصول إلى إعلان عهد الإرتباط الأبدي.
بدأتُ أعد الأيام في انتظار انتهاء الثلاثين يوماً لأحقق حلمي في الزواج من غادة. وللحقيقة فإنه مع انتهاء اليوم الرابع على رحيلها عني، اعتراني شعور غريب وقوي بأن شيئاً يحدث من حولي، إحساس بالخوف يلفني، أشعر بأن هناك من يراقبني. وفجأة جاءت غادة وقالت: حسن حبيبي لقد علم "الكاتو". قلت مستغرباً: الكاتو... وما هو هذا الكاتو. فقالت : الكاتو هم الذين يحكمون عالمنا يا حسن. هم السلطة الحاكمة في عالمنا وهي المسؤولة عنا يا حبيبي. قلت لها: وكيف علم الكاتو بعلاقتنا، وكيف علمت أنهم علموا يا غادة ... فتنهدت غادة وقالت: لا يمكن إخفاء شيء لفترة طويلة دون أن يكتشفه الكاتو.. فقبل أيام استدعوني ولم أتوقع بأنهم سيعرفوا بهذه السرعة، وطلبوا مني أن أقطع علاقتي بك، إلى أن يحين موعد محاكمتي، وقد وصلوا إليك وعلموا كل شيء عن علاقتنا منك أنت يا حسن... الكاتو يستطيعون قراءة أفكارك. حسن اسمعني, إنتصارك على خوفك، قد يكون الخطوة الأولى نحو هزيمة الكاتو. فالكاتو لا يستطيع أن يوجه لك أيّ أذى مادياً ملموساً مهما كان نوعه. وكم كنت سعيداً عندما سمعت هذه الكلمات ووجدت بأن خوفي لا مبرر له. أكملتْ كلامها: فالكاتو حينما يخوض حرباً ضد إنسان من البشر، يخوضها ضد هذا الدماغ الذي تحملونه، ولا تدرون حتى الآن كيف تستخدمونه. صحيح أن الكاتو لا يستطيع أن يقتلك، ولكنه يستطيع أن يجعلك تقتل نفسك بإرادتك. لا يستطيع أن يصيبك بأذى مباشر ولكنه قادر على أن يجعلك تصيب نفسك بالأذى الذي يريده هو. فقلت لها: وأنت يا غادة ماذا يستطيع أن يفعل لك وخاصة أنك خرقت قوانينهم ؟ فقالت: الكثير الكثير يا حسن .لا أدري الآن ما هو العقاب الذي سيتم الحكم به عليّ، ولكنه لن يكون عقاباً بسيطاً. فالذي يقوم من عالمنا بالإتصال بالبشر، يكون أول عقاب له أن تصبح حريته مقيدة بكل شيء، ومن ثم تتم محاكمته، ويكون الحكم بناءاً على حجم الأمور التي ارتكبها. فأن يقوم أحدنا ببناء علاقة والزواج بإنسي فهذا عقابه كبير جداً. قلت: لماذا لم يعاقبوك حتى الآن؟ قالت: لأنني لم أبلغ السن القانوني. فأنا أبلغ خمسة وعشرون عاماً والسن القانوني عندنا هو ثلاثون عاماً. كما أنهم لن يستطيعوا عقابي إلا بعد أن ينتهي زواجي منك, لأنهم لا سلطة لهم عليك, ولكنهم سيعملون أي شيء لإنهاء هذا الزواج أولاً, حتى يستطيعوا معاقبتي. والآن يا حسن سأذهب وأتركك وسأعود إليك في الموعد المتفق عليه لنكمل مراسيم زواجنا... إلى اللقاء يا حسن.
غداً ستصبح غادة زوجتي، يوم غد تكتمل الأيام الثلاثون. وعندها أستطيع أن أتزوج من هذه الجنية الصغيرة... من غادتي وحبي وروحي وحياتي... أي يوم سيكون هذا، وكيف أصف شعوري، فغداً يوم زفافي من حبيبتي الجنية. قالت غادة : حبيبي حسن, بعد ساعات في نهاية اليوم وبداية الغد سنكون قد حققنا أجمل فكرة مجنونة في عالمنا، لقد جئت مبكرة لأقول لك بأن تهيء نفسك، لأني سأنقلك معي لعدة أيام إلى مكان لم تطأه قدم إنسان من قبلك، المكان الذي لم أكن مع أحد فيه سواك, ولن أكون فيه إلا معك فاستعدّ لذلك. سيبدأ عهد الإرتباط بيننا قبل نهاية اليوم، وليكتمل ذلك مع بداية الغد... في لحظات التقاء اليوم بالغد وعناق الحاضر للماضي، لنبقى معاً، لا فراق بيننا ما دام الحاضر يلتقي بالماضي .
 أخبرت أهلي بأني سأقوم برحلة مع أصدقائي لمدة عدة أيام قبل طلوع الفجر, حتى لا أثير حالة من القلق بسبب غيابي المفاجيء. مساء اليوم التالي خرجتُ وجلستُ في الحديقة. جاءت غادة. اقتربتْ غادة مني وأمسكت بيدي وأخذنا نسير في الحديقة وننتقل من شجرة إلى شجرة، تارة نجلس وتارة نقف، أحدّثها عن حبي لها وتحدثني عن حبها لي, ثم قالت: انظر إلى النجوم واختر من بينها نجمة. فقلت: وهل سنصعد إليها؟ ضحكت غادة وضربتني بكفها مداعبة وقالت: هذا مستحيل يا حبيبي ولكن اختيارك النجمة كان حتى تكون دليلك إليّ، ورمز اتصالنا معاً, أفهمت؟ هيا اختر واحدة منها وسمّها بأي إسم تريده أنت... بحثتُ بين النجوم واخترتُ واحدة أستطيع أن أميزها وأشرت إليها وقلت: سأسميها غادة. فضحكت وقالت: شكراً يا حبيبي، ولكن هذا لا يجوز يجب أن تختار إسماً آخر غير أسمائنا... قلت لها: لنسمها مرح، حتى تبقى حياتنا كلها سعادة ومرح. قالت: اتفقنا، وبعد زواجنا كلما أردتَ أن تتصلَ بي، أنظر فقط إلى مرح، ولا تفكر إلا بي.
وعند التقاء اليوم بالغد, تلونا عهد الإرتباط. قبّلتها, وشعرت بأني أرتفع عن الأرض, وأن الأرض فقدت جاذبيتها, وما إن أفقت من نشوة القبلة, حتى وجدت نفسي في مكان لم أسمع عنه ولم أشهد مثيلاً له حتى في الخيال. وإبتسمتْ غادة وقالت: نحن يا حبيبي في روضتنا الجميلة. سرنا نشابك أيدينا، وكنا كلما خطونا خطوة واحدة كنا نشاهد ما يذهل العقل ويجعله يسرح ويتفكر، فيقنت ساجداً لعظمة الخالق، وللسر الذي وهبه للورود وللأزهار التي نمت وكأن يداً خفية لها أنامل مبدع قد خطتها برتابة مشكلاً بها أشكالاً هندسية عديدة لا يقوى على رسمها أعظم المهندسين. أشارت بيدها نحو نخلة صغيرة مزروعة بين الأشجار العالية الباسقة. قالت: هل ترى تلك النخلة يا حبيبي, أتعلم من زرعها في هذا المكان؟! أنا زرعتها, وكان ذلك قبل عشر سنوات. فقلت: لماذا يا حبيبتي في هذا المكان ..؟!! فقالت: إن لهذا المكان في حياتي قصة بدأت عندما كنت في الثامنة من عمري. اكتشفتُ هذا المكان عند أول مرة هربت فيها من البيت.. كنت صغيرة جداً... وكان ذلك بمحض الصدفة.. مكثتُ هنا عدة أيام واتخذت بيني وبين نفسي قراراً بان تكون هذه الجنة لي وحدي، لا أبوح لاحد عن مكان وجودها.. فاحتفظتُ بها وكأنها سر دفين، لا أطلع عليه أحد.. ولما قررتُ مغادرة المكان عائدة إلى أهلي ..ضللت الطريق فلم أعد اعرف في أي البلاد أنا ولا على أي لأرض أسير، وفجاة وجدت نفسي في عالمكم، عالم البشر.. فأخذت أتنقل من مكان إلى مكان والرعب والخوف يملآن نفسي، وأنا أمشي حائرة لا أعلم من هم هؤلاء الذين يسيرون من حولي، غير آبهين بي ولا بوجودي، رغم أنني كنت قريبة منهم. وإذا بي أجد نفسي أمام ما تسمونه بسجن عسقلان، رأيت النخلة جلست بجانبها عندما أنهكني المسير، وبكيتُ من شدة الخوف، وبقيت بجانب النخلة دون حراك، حتى أشرقت الشمس، صحوت لأنني لا أعلم في أي الإتجاهات سوف أسير..طال بي المكوث لعدة أيام, كنت أقضي أوقاتي تارة في اللعب وتارة أخرى في البكاء. بقيت على هذا الحال، ألعب وألهو بجانب النخلة حتى فاجأني أحد الأشخاص، وكان قد اقترب مني قائلاً: لا تخافي يا صغيرة...إهدئي يا بنيتي ...وراح يتحدث معي ويسألني عن إسمي... وعن سبب وجودي في هذه المنطقة... حكيت له قصتي كاملة من لحظة هروبي من البيت حتى لحظة جلوسه معي... سألته: أين أنا ؟! قال: في عالم آخر هو عالم البشر، ولا يستطيع أحد منهم رؤيتك، لأنك من عالم آخر... وسوف تعرفين الكثير عن هذا العالم عندما تكبرين. أما الآن فسوف تعودين إلى موطنك وإلى أهلك... وفجأة ودون شعور مني نظرت حولي وإذا بي في داخل بيتنا وجميع أفراد أسرتي ينظرون إلي بغضب... وما كان من أبي إلا أن عاقبني على فعلتي تلك بعزلي ومنع الأطفال الذين هم من سني من الإختلاط أو اللعب معي، وبعد سنوات علمتُ بأن ذلك الشخص الذي تحدث معي كان من عالمكم، وعلمت كذلك أن أمثال هذا الشخص تقولون عنه إنه مجنون فاقد لعقله. ولكنني لم أستطع حتى الآن معرفة سر اختفائه، ولم أستطع كشف السر الذي دفعه للحديث معي وبنفس لغتي...بقيت يا حبيبي على هذا الحال، أكرر زيارتي للنخلة حتى شاءت الأقدار والتقيت بك يا حسن، أحببتك وتزوجتك متمردة متحدية كل قوانين عالمي... وها أنا أنتقل بك إلى مخبئي الخاص.
وأثناء سيرنا بين الأشجار, لفت انتباهي قط أسود اللون يرمقني بنظرات أثارت فضولي. قلت لها: غادة.. أنظري إلى هذا القط ونظراته المضحكة. والتفتت غادة والإبتسامة تعلو شفتيها, وما إن رأت الجنية غادة القط الأسود حتى انقلب حالها وكأن كارثة سقطت على رأسها، وارتعبت بطريقة غريبة وتسمّرت مكانها من الخوف وأمسكت بي بقوة وهي ترتجف وكأنها تريد أن أحميها. لم أرها بهذا الضعف منذ عرفتها، وأنا لا أفهم لماذا كل هذا الخوف، أمعقول أن مجرد قط أسود يرعبها كل هذا الرعب, اقترب القط الأسود منا ببطء ولا يبدو عليه ما يخيف، وغادة تلتصق بي أكثر وأكثر، خائفة ترتجف كالطفلة الصغيرة التي شاهدت وحشاً ضخماً، تركض وتسحبني خلفها، وأنا أجاريها وأركض معها، رأيت أن القط ما زال يسير خلفنا. أنظر حولي وإذ بي أرى قطاً أسود آخر، وقطاً آخر، وقطاً آخر ... من أين جاءت هذه القطط؟ لا أدري، وكلها تنظر إليّ، هنا دبَّ الرعب في قلبي أنا أيضاً، وأنساني كل تعبي، وأخذت أركض مع غادة وأنا خائف ولا أدري لم أنا خائف، مجرد شعور بأن شيئاً غير طبيعي يجري حولي، وكلما قطعنا مسافة أخرى ازداد عدد القطط السوداء حولي، لأرى ما لا يصدقه العقل ...آلاف بل عشرات الآلاف من القطط السوداء تحيط بنا من كل جانب, كل شيء حولي لونه أسود... الأرض, الأشجار, فقد كانت  القطط السوداء تغطي كل شيء من حولي، وهنا أدركت بأني أتجه نحو هلاكي، سحبتني غادة من يدي باتجاه الماء، ودفعتني تحت الماء بقوة وحثتني على الغوص وأنا أكاد أختنق. واستمرينا في السباحة حتى صعدنا عبر فجوة ضيقة إلى كهف، وما إن صعدت من الماء حتى استلقيتُ على اليابسة لأستريح، واستلقتْ غادة بجانبي وضعتْ رأسها على صدري فأخذت أداعب شعرها بيدي وأسألها: غادة زوجتي الحبيبة، ماذا حدث ؟ تمتمت غادة وبنبرة حزينة: إنهم الكاتو يا حسن... لقد اكتشفوا مكاننا، وجاءوا للقبض علينا, والقطط السوداء التي رأيتها مُسخّرة لهم, وأينما وجدت تدل على وجودهم. سأنقلك إلى بيتك بنفس الطريقة التي أحضرتك بها إلى عالمي, اهتم أنت بنفسك جيداً. وقفتْ غادة وأمسكت بيدي ونظرت بعيني، فبدأتُ أفقد توازني وقدرتي على التركيز, وشعرت بأني أطير بدون جسد، وما إن بدأتُ أستعيد توازني حتى نظرتُ حولي لأجد أنني بقرب البيت ولا أبعد عنه إلا عدة أمتار، وغادة ما زالت تشد يدي وكأنها لا تريد أن تتركني, وبقينا للحظات لا نتكلم، كنا ننظر إلى بعضنا البعض وحسب .
مشيت حتى وصلت إلى البيت. فتحتْ أختي لي الباب وما إن رأتني حتى تغير لونها وشحب وجهها ولم تتكلم كلمة واحدة, جلستُ على الأريكة لأرتاح قليلاً فرحت أغط في نوم عميق. وحينما أفقت جاءت إليّ أختي وقالت لي: سأحضر لك الطعام، وقد أحضرتُ لك ملابسك لتستحم، فتوجهتُ إلى الحمام وحينما نظرتُ إلى المرآة لم أعرف نفسي, فهذا ليس شكل حسن, ذقني طويلة, وملامحي طرأ عليها تغير كبير وواضح، والمفاجأة الحقيقية هي أن شعري الذي لم أعتد على أن يكون طويلاً  قد أصبح طويلاً بشكل مميز. وبعد أن غيّرت ملابسي وتناولت الطعام, سألتني بهدوء: ماذا حدث لك يا حسن ؟ أين اختفيت كل هذه المدة ؟؟ فسألتها باستغراب: لماذا ؟ كم مضى على غيابي ؟؟ فقالت لي: أكثر من أربعين يوماً. صمتّ قليلاً وبدأت أستعيد ما حدث معي منذ لحظة خروجي مع غادة، فقلت لها: لقد كنت في عالم الجن... مع زوجتي الجنية غادة. لا أدري لماذا قلت لها ذلك، ولكني بحاجة إلى أن أتحدث مع إنسان، بحاجة لأن يعرف شخص ما  بقصتي، ويكفيني ألم وحزن ونظرات الريبة والإستغراب ممن حولي، يكفيني الجن ومطاردتهم لي, فقالت لي أختي وبكل هدوء: حدثني عن زوجتك الجنية يا حسن... فقلت لها: أتسخرين مني؟ هل تظنين بأني مجنون وتريدين مجاراتي على جنوني. فقالت: كلا يا حسن، أنا أختك وأقسم بحياة أمي أني أصدقك واصدق كل كلمة قلتها, أريد أن أسمع منك. ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أحدثها عن قصتي منذ البداية وحتى لحظة دخولي إلى البيت, حدثتها عن غادة وعما حدث. سألتُ أختي: أين أمي ؟؟ ونظرتْ إليّ أختي وقالت بنبرة حزينة والدموع تملأ عيونها: حسن.. أمي متعبة قليلاً، وهي الآن في المستشفى. وقفتُ وقلت: سأذهب لأراها.
وصلنا المستشفى وركضت باتجاه الغرفة التي ترقد فيها أمي, جلستُ بجانبها وأخذت أقبلها، وأخذتْ تبعدني عنها قائلة: إبعد ...إبعد ...أنت جني جني., فقلت: أمي, ما بك يا أمي. فأمسكتْ بي أختي وقالت لي: لا تخف يا حسن فقط أصابتها بعض الهلوسة. وعلمتُ من أختي بأن أمي قد أصيبت بشلل بيديها ورجليها منذ حوالي عشرة أيام، وهي تهذي طوال الوقت بأن الجن أخذك. وقالت أختي: كل ما يحدث يثبت بأن ما حدث مع أمنا هو من فعل الجن, وهو امتداد لما يحدث معك, ولا ندري ماذا سيحدث أيضاً يا حسن... نعم هذا بسببي أنا, الله يلعن الجن واليوم الذي عرفت فيه الجن, أمي المسكينة ما ذنبها ليفعلوا بها هذا. قالت أختي: حسن, ألا تستطيع الجنية غادة أن تساعد أمي؟ فقلت لها: مسكينةغادة، فمصيبتها أكبر من مصائبنا، على كل حال حينما أراها سأسألها.
 في أول فرصة رأيتُ فيها غادة سألتها عن حال أمي فقالت: لم يفعل بها أحد من الجن شيئاً, وحتى أنه لم يقترب منها أحد من الكاتو أو من البشر، وكل ما تقوله أمك ما هو إلا هذيان وهلوسة . فقلت لها: ولكنها مشلولة يا غادة هل تستطيعين مساعدتها يا غادة ؟ فقالت: في هذه اللحظة لا أستطيع يا حسن, ومن أجل معالجتها يجب أن أعود إلى عالمي لمعرفة بعض الأمور التي ستساعدنا في علاج أمك مما أصابها. عادت غادة بعد فترة وقالت: ما أصاب أمك هو مرض لا دخل له بالجسد والمادة، أي أن علاجه لا يتم بالمواد أي الأدوية، بمعنى أننا يجب أن نقوم بالإتصال "بدماغها "والسيطرة عليه حتى نستطيع أن نعيدها إلى حالتها الطبيعية , وهذا يتم من خلال مسح مجموعة من الأحداث الموجودة في الذاكرة والتي تسببت بفقدان أمك السيطرة على دماغها، وبالفعل استطاعت غادة أن تساعد أمي وأن تمسح جزء من ذكرياتها لتعود لحالها الطبيعية .
سارت الأيام وكانت غادة تزورني بالبيت لنقضي معاً أجمل وأمتع اللحظات, وكانت تدربني وتعلمني التركيز والسيطرة على الذات، وطرق الإتصال بها، وأحياناً كانت تذهب إلى عالم الجن بعد أن نتفق معاً بأن نقوم بالتركيز حتى تظل في مجال رؤيتي وأحذرها من مصيدة الجن حتى لا تقع فيها. وشاءت الصدف في أحد الأيام أن أكون جالساً بمفردي قرب البيت, وأثناء جلوسي مر بقربي عجوز يتجاوز السبعين من العمر بدت على ملامحه آثار البؤس, اقترب مني وسألني عن أقرب طريق توصله إلى إحدى القرى المجاورة لنا، فذهبت معه كي أدله على الطريق. وفي طريقنا تبادلنا الحديث فقال لي : كم تظن أنني أبلغ من العمر ؟؟؟ فقلت: السبعين أو أكثر... فقال: هل تصدقني لو قلت لك بأني لم أبلغ الثلاثين من العمر. عرّفني على إسمه فقال لي إنه عمر، وبدأ يروي لي حكايته فقال: منذ عدة سنوات ظهرت لي في المنام فتاة جمالها لا يفوقه جمال، شعرها أسود طويل وناعم كالحرير، عيناها سوداء وواسعة، جسدها عجزت عن وصفه الكلمات, وأفقت من منامي، ولو خيروني أن أدفع عمري وأعود إلى حلمي لما رفضت، وأخذتْ تظهر في منامي حتى كرهت أن أفيق من منامي ولو للحظة. أخذتْ تحدثني وأحدثها، وقالت لي إن إسمها غادة، وهي من عالم غير عالم البشر، وأحبتني وأحببتها بجنون ,وبدأت تظهر بصحوتي. علمتني من الحب والحكمة ما فاق تصور البشر. تزوجتها كما أرادت ونقلتني إلى عالمها لأرى الغرابة والعجب. وسارت الأيام وفقدت كل من حولي بلمح البصر، فشاب شعري وهرمت، وشاءت الظروف أن أكتشف بعد فوات الاوان أني ضحية, وقد وقعت في شرك من تبحث عن "الخلود" بدماغ البشر، فغادة التي كنت أظن أنها تحبني ما كنت لها إلا ضحية لها ، انتقتْها من بين آلاف البشر تنتقل من شخص إلى آخر، ولا تتركه، تسيطر على دماغه وتتغذى عليه، ليزيدها قوة بقوة، ولكن حظي التعيس جعلني أكتشف هذه الحقيقة بعد أن فقدت شبابي, وأحلى أيام عمري وها أنا أسير من قرية إلى أخرى أبحث عن مكان هاديء لم يزره أحد من عالمي لأقضي فيه ما تبقّى لي من أيام، وأنسى همومي وأحزاني.. أفهمت الآن سبب أحزاني وهمومي. تجمدت أنا في مكاني ولم أتكلم من هول المفاجأة التي عصفت بي، إنه يتكلم عن غادة, إنه يتكلم عن حبيبتي. هل من الممكن أن تكون الجنية غادة هكذا؟ وهل سيحدث معي مثل ما حدث مع عمر. يالي من غبي. حينها قلت لعمر: أنا أيضاً عرفت الجنية غادة, أرجوك ساعدني. وأخذت أروي حكايتي مع غادة. فقال لي: ويلي عليك فأنت ما زلت في بداية الطريق وما ستراه من غادة يفوق كل ما رأيته حتى الآن, أنت ضحية غادة الجديدة، لم أكن أعتقد بأن غادة ستختار ضحيتها من هذه البلاد. إحرص على نفسك ولا تدعها تدمرك. فإن استطعت أن لا تجعلها تتصل بك فهي لا تستطيع السيطرة عليك، فحاول أن تبذل كل جهودك في أن لا تجعلها تستطيع الإتصال بك, وفي النهاية ما أستطيع أن أقوله لك هو أني سأتواجد في ذلك الجبل الذي تراه, بعدما سيحدث لك كما حدث معي ستشعر بالحاجة إلى الهدوء, فتعال عندي لأني أنا وأنت لن نجد من يصدق قصتنا وما حدث معنا ... وسنقضي ما تبقى لنا من الأيام في البكاء.
عدت إلى البيت حينها ,توجهت إلى غرفتي, ونمت وأنا مصمم وبقوة أن لا أفكر فيها حتى مجرد التفكير. وفي اليوم التالي, وقبل الغروب جلست لوحدي, وسمعت صوت غادة، إن قلبي يحن إليها رغم الحقد الكبير الذي أحمله في داخلي... وأخذت غادة تقترب مني وتقول لي:  حسن ,حسن ....ولكني تذكرت نفسي بسرعة، نظرت إليها وقلت: ابتعدي عني. وبدأت أشغل فكري بأشياء كثيرة ولا أستمع إليها. وتلاشى صوتها وبدأت تختفي تدريجياً. وتستمر الأيام وتمر الأشهر, وغادة تحضر, فما أن أراها حتى أطردها من قلبي وفكري وخيالي. وذات مرة رأيتها, ولكن هناك شيء غريب. لا أشعر بأن التي أراها هي غادة. قالت: أنا لست غادة يا حسن. أقول: من أنت بحق الله؟ وتقول: أنا من أكون ! أنا التي سأعذبك في كل لحظة. أنا التي سأجعلك ترى وتعيش العذاب الذي سببته لغادة, أنا التي سأجعلك عبرة لكل البشر, وإنِ استطعت أن تهرب من التي أحبتك وضحّت بكل شيء من أجلك, فلن تستطيع أن تهرب مني... أنا التي كرهتك بمقدار حب غادة لك, أنا التي سخرت نفسي لأعذبك مثلما عذبتها، قسماً بحياة أختي غادة أينما كنت لأجعلنك تتمنى الموت ولا تناله. واختفت في لمح البصر. حينها ذهبت لعمر. صرخت في عمر: من تكون ؟ ضحك عمر ضحكة مجنونة وقال: نحن من لم يصمد أمامنا أحد, نحن الكاتو... يا ابن البشر. واختفى عمر كلمح البصر. وبدأت أنا أضحك وأضحك ... ولا أدري لماذا أضحك ... هل جننت حتى أضحك، أم أن شر البلية ما يضحك, كيف لم أستطع أن أكتشف بأن هذا الشخص المسمى بعمر هو من الجن.
ومرت عدة أشهر على ما حدث معي. وفي يوم وبينما أنا أسبح في بحر من الذكريات رأيت أمامي دخاناً أبيض كثيفاً لا أدري من أين مصدره ينقشع شيئاً فشيئاً لتظهر من وسطه آية جمال بكل معانيها،"غادة" بكل أوصافها إلا بتلك النظرات الغريبة، فهي تشبه غادة... في كل شيء، ولكني موقن من أنها ليست هي. قالت لي تلك الجميلة : أنا مرح, أنا أخت زوجتك غادة التي قبض عليها الكاتو وسجنها في "قبة النور" لتبقى هناك إلى أن تنتهي, ولتكن عبرة لكل من يفكر أن يخطو خطاها من عالمي. فقلت لها : كيف أستطيع أن أساعدها ؟ فقالت: إن أردت أنت أن تنقذ زوجتك وحبيبتك أختي غادة ! يجب عليك أن تبدأ بالبحث عن شخص ليس من البشر ولكنه يعيش بينهم، ترونه وتكلمونه ولا تميزونه عن البشر، هو فقط الوحيد الذي يستطيع إنقاذ زوجتك غادة من الأسر لدى الكاتو. هذا المخلوق كان قد اتحد مع جسد بشري "عربي" ويبلغ عمره الآن خمسة وثلاثين عاماً, وفي هذا العمر تبدأ قوته بالزيادة يومياً. يجب أن تساعدني حتى أعيده إلى عالمنا يا حسن، وهذا سيكون بأن تحضره إلى مكان أحدده لك، وفي وقت أحدده لك أيضاً لتستطيع إعادته إلى عالمنا. لقد تمرد هذا الشخص على سلطة الكاتو منذ أربعين عاماً وفق سنينكم، وهرب ليندمج مع البشر، وقد نجح فعلاً في هذه التجربة بعد أن اجتاز كل مراحل الخطورة، خاصة وأن الجسد البشري سار بنمو طبيعي دون أية مشاكل معه. وعليه فإنني عقدت صفقة مع الكاتو على أن أقوم بإحضار "المتمرد" هذا والقبض عليه، مقابل الحرية الكاملة لأختي غادة، وقد غامرت بهذا بمكانتي التي بنيتها منذ سنين طويلة كي أنقذ أختي. والآن يا حسن، سأعطيك عنوان ذلك الشخص، وكل المعلومات التي تحتاجها عنه لتبدأ غداً الإتصال به، حتى نستطيع إحضاره إلى المكان الذي نريد، ويتم القبض عليه، وتحصل غادة على حريتها .
قمت بالفعل بزيارة ذلك الشخص عدة مرات، حتى اعتاد عليّ، وتوطدت علاقتي به. طيلة عشرة أيام، وأنا أقوم بزيارته أتحدث معه، وأتناول الغداء, والعشاء أحياناً, معه, وكان يزورني لتناول القهوة. وأعجِبَ ببعض الحجارة التي جلبتها أختي من إحدى الرحلات, وطلب منها أن ترشده إلى المكان الذي جلبتْ منه الحجارة. وعلى عكس ما قالت الجنية مرح بشأن خطورته.. وجدته طيب القلب، حتى أحببته من كل قلبي، واعتدت على رؤيته والتحدث إليه. واستمرت علاقتي بهذا الإنسان، أو ما تسميه الجنية مرح "الجني البشري", عدة أسابيع, ولم تظهر خلالها مرح ولو للحظة مع أني كنت أنتظرها كل يوم دون جدوى.
وفي أحد الأيام وقرابة منتصف الليل أفقتُ بعد ساعة أو ساعتين من نومي بشكل طبيعي جداً، ففتحت عيوني لأرى الجنية مرح تجلس على الكرسي الموجود في آخر الغرفة. قالت لي عندما أفقت: حان الوقت, غداً ستقوم بإحضار الجني البشري, الذي أصبح صديقك كما علمت, إلى المكان المتفق عليه. ثم اختفت الجنية مرح كعادتها بعد أن شرحت لي خطتها الجهنمية في استدراج الجني البشري إلى ذلك الجبل الذي تم ترتيب الكمين فيه ليتم القبض عليه هناك. وبعد مرور يوم واحد، حضر صديقي " الجني البشري" نور إلى بيتنا, وذهبنا إلى المكان الذي جلبت منه أختي الحجارة. وحين وصلنا قرب المكان الذي اتفقت مع مرح عليه, أغمضتُ عيوني حتى لا أراه يصل إلى ذلك المكان وقلبي يتمزق حزناً عليه وضميري يؤنبني بأنني السبب لما سيحدث له. فأنا الذي استدرجته إلى هذا المكان، وأنا هو الذي خدعه ! ما ذنبه هو؟ وماذا فعل بي لأفعل به هذا؟ شعرت بتأنيب الضمير, وبدون أي شعور صرخت بأعلى صوتي عليه "أرجوك لا تقترب من ذلك الجبل ". توقف في مكانه, اقترب مني أكثر فأكثر ونظر إليّ وهمس قائلاً : دعنا نرجع إلى البيت. وحين وصلنا البيت قال غاضباً: لماذا فعلت ذلك !! هيا احكي القصة من أولها إلى آخرها. قلت له: أنا لا أفهم ماذا تقصد؟ قال: إسمع يا حسن، لقد استطعت خداعي منذ البداية، وقد وُفّقت بذلك حتى اللحظة الأخيرة، وصدقني أنا لم أكتشف خداعك لي طيلة هذه الفترة، وبما أنك لم تستطع الإستمرار في خداعك حتى اللحظة الأخيرة، فلا داعي لأن تستمر في ذلك الآن. إحكي لي ما هي حكايتك؟ حينها بدأت أروي له حكايتي منذ معرفتي بغادة وزواجي منها والقبض عليها وظهور أختها مرح وما فعلته معي، وكيف خططتْ للقبض عليه. أبدى اهتماماً بما أقول, ولكن أكثر ما شده هو حديثي عن مرح وأخذ يسألني, فطلب مني أن أحاول أن أسترجع صورتها في مخيلتي، ولكن الغريب في الأمر أني أشعر بها، ولكني لا أستطيع استرجاع صورتها من مخيلتي وكأنها مجرد سراب... فسألته: هل تعرف الجنية مرح ؟ ابتسم وقال: ومن لا يعرفها يا حسن ؟ إنها أشهر من أن تعرف بغض النظر عن الإسم الذي تحمله. ففي كل يوم لها إسم جديد وقصة جديدة ! فعلاً أنت مسكين يا حسن، كان يجب أن أعرف منذ البداية أن هذا التخطيط الدقيق لا يمكن أن يقف خلفه إلا تلك الداهية الكبيرة. قلت له: هل تساعدني على إنقاذ غادة والخلاص من الجنية مرح ومن مصائبها؟ قال: سأكون صريحاً معك يا حسن، ولا أريد أن أكذب عليك، فإن كانت غادة فعلاً موجودة في سجن "قبة النور" فلا أمل لها بالخروج من هناك لأنه لم يسبق لأحد أن دخل سجن قبة النور وخرج منه منذ تم بناؤه وحتى هذه اللحظة. أما الخلاص من مرح فهي مشكلة حقيقية وكبيرة. مرح حارسة أبواب الشر، وحظك التعيس قد عرّفك بها, كل ما أستطيع أن أقدمه لك هو أن أعرّفك وأعلّمك كيف تستطيع أن تنجو من مرح, إن كنت تريد ذلك ولا أعدك بأن ذلك سيكون سهلاً. فقلت له: كل ما أريده هو استعادة الجنية غادة، التي تزوجتها وأصبحت زوجتي، لأعيش معها، لا أريد أكثر من هذا، لا أريد ذهباً ولا كنوزاً، أريد فقط حبيبتي غادة. فقال لي: تعال لنخطو الخطوة الأولى معاً، وسأحكي لك أين تقع بوابة الشر التي تحرسها مرح. إذهب الآن يا حسن, ولنلتق بعد عدة أيام كي نعد العدة إلى الطريق نحو القوة.
ولما التقينا مرة ثانية قلت له: من تكون يا نور؟ وهل أنت فعلاً من الجن ؟ فقال لي: أنا يا حسن من علماء العالم الآخر فعلاً... وقد قضيت عمري في الدراسة والبحث عن عالمكم، وعلى إثر هذه الدراسات اكتشفنا بأنه لو استطاع البشر استخدام الدماغ البشري بشكل كامل أو شبه كامل، فسيؤثر ذلك علينا، وسنفقد الكثير من التفوق الذي نمتاز به عن البشر. وكانت الخطة الأولى التي أعددتها أنا ومجموعة من العلماء في عالمي هي أن نسيطر ونسيّر نحن الدماغ البشري. وبعد سلسلة تجارب طويلة، اكتشفنا بأنه لا توجد إلا طريقة واحدة لذلك، وهي الإندماج أو الجمع مع الدماغ البشري. وبدأنا بإجراء التجارب وكانت معظمها تجارب فاشلة، وكانت الخسائر كبيرة جداً, حينها أصدرتْ سلطة عالمنا "الكاتو " الأوامر لنا بصفتنا المشرفين على هذه الحالات بإعادة كل الذين قاموا بعمليات الإندماج إلى عالمنا بأي طريقة كانت. ولكنن رفضنا الإنصياع لهذه الأوامر, وقد تم اعتبار رفضنا تمرداً، وتم وضعنا تحت المراقبة المشددة، واعتقل العشرات منا... وقامت سلطة الكاتو بإصدار الأوامر إلى حارسات أبواب الشر بمتابعة كل حالات الإندماج التي تمت في عالم البشر، والقضاء عليها بكل الطرق.. ومرت سنوات حتى استطعت أنا الهرب والقيام بعملية الإندماج بنفسي، وها أنا أمامك الآن يا حسن. وها أنا أبحث عن بوابة الشر، فكل ما عليك عمله الآن هو جمع وإحضار سبع قطط سوداء كسواد الليل الحالك، تجمعها من مناطق مختلفة وتضع كل قط على حدة, ثم أريد منك أن تذبح هذه القطط, ولهذا أحتاجك أنت يا حسن لتفعل ذلك، لأنك تستطيع وبسهولة فعل ذلك, أما أنا فلا أستطيع ذلك. تركت نور وذهبت إلى البيت، وانطلقتُ بعد غروب الشمس أبحث عن القطط السوداء لأجمع منها سبع قطط. واستطعت بعد جهد عظيم من أن أجمع القطط السبعة. وقبل أن اوشك على النوم جاءت مرح, فقلت لها: إسمعي أيتها الجنية.. لا يهمني أن أسمع مواضيعك المهمة، ولا يوجد ما يستحق أن أضيع وقتي في سماعه، ومنك أنت بالذات، فعليّ أن أنام الآن، فإلى اللقاء يا حضرة الجنية مرح. فقالت لي: دع عواطفك جانباً وفكر قليلاً بعقلك، واسمعني جيداً، وقرر بعدها، لقد اجتزت الخط الأحمر يا حسن بإلقائك القبض على القطط ، وغداً ستذهب إلى حتفك بقدميك إن رافقت نور إلى بوابة الشر، لأنك لن تذهب إلى هناك حياً. قلت لها وأنا أقاطع حديثها: بلى، سأدخلها، وسأحصل على القوة، وستصبحي أنت يا مرح مجرد خادمة عندي.
في اليوم التالي انطلقتُ أنا ونور والقطط السبعة إلى بوابة الشر التي تحرسها مرح. ظهرت لنا أقواس, فطلب مني نور أن أذبح القطط, فأخرجت إحداها وذبحته, ثم القط الثاني وذبحته, وعندما أخرجت القط الثالث لذبحه ظهرت لي مرح, اقتربتْ من قفص القطط السوداء وفتحت أبوابه وأخرجت القطط, وبدأت القطط تحيط بنور. بانت علامات الذهول على وجهه, وأخذ يصرخ: أيتها المجنونة, لقد هزمتني بجنونك. كانت مرح تقف تنظر إليه بشموخ وكبرياء, لم تستطع أن تخفي فرحتها ولا ابتسامة النصر التي ارتسمت على شفاها. ثم قالت: لقد سعيتَ لتدمير عالمنا, من أجل ذاتك وحب العظمة في داخلك, وها أنت تسقط أمام النظام والقانون الذي يحمي عالمنا. والآن أقولها بكل فخر واعتزاز بإسمي أنا مرح حارسة أبواب الشر، وبموجب الصلاحيات الموكلة إليّ، ولأنه لا توجد أية طريقة للقبض على هذا المتمرد وإعادته إلى عالمنا كي يخضع للمحاكمة، آمر العقرب بإبادته، وإبادة الجسد البشري الذي يسكنه، لصعوبة فصله عنه .. الأمر نفذ... نفذ... أبيدوه ، أبيدوه . وبأقل من لمح البصر اختفى نور من الوجود, لا أدري كيف وأين اختفى ، وما هي الطريقة التي قتلوه بها. ثم أمرت بإبادة بقية القطط, فتم ذلك واختفت القطط. اقتربتْ مني مرح، ومع اقترابها لمعتْ في رأسي فكرة سريعة أكدت لي أن مرح لا تنوي قتلي، ولو كانت تنوي لفعلتْ، ولا بد أنها بحاجة إليّ في شيء ما. قالت لي: لو أردت أن أقتلك لفعلت ذلك, ولكنك تعاونتْ معي, وأنا عاهدتك ألا أؤذيك. حسن أنت حر فيما تفعل، اللعبة انتهت، وصديقك المسمى نور انتهى من الوجود، وأصبح جزءاً من الماضي، ماتت معه مئات الأسرار التي يعرفها عن عالمنا والتي كانت تشكل خطورة، نور انتهى وأنهى معه الخوف. قلت: لو كانت المسألة متعلقة بالعهود لكنت ميتاً منذ زمن, ولكن الموضوع يتعلق بشيء تفكرين فيه وتسعين إليه, وأنت بحاجة إلىّ حتى تحقيقه, وبعد تحقيقه سيكون دوري قد انتهى, أليس كذلك يا مرح؟ قالت: هذا صحيح. حلم نور منذ سنوات طويلة, هو ما أريده! لقد توصلت إلى نتيجة أن نور كان يسعى لدخول بوابة الشر والحصول على القوة. وكم أمضيت سنوات طويلة من العمل الشاق كي أصل إلى هذه النتيجه، والذي ضحيت من أجله بكل شيء كي أستطيع الوصول إلى مكانة حارسة أبواب الشر بجدارة، وشاءت الصدفة السيئة والسعيدة، أن تأتي أنتَ بطريقي وأختي الوحيدة، تتزوجك وتصبح من المطلوبين للقانون، وهكذا وجدت من هذه الصدفة السيئة، فرصة سعيدة لاستغلالك لتحقيق هدفي بالوصول إلى نور، وساعدت بكل الطرق وبمنتهى الحذر نور دون أن يدري لجره للوصول إلى هذه البوابة، وكم كان هذا شاقاً ومتعباً, وكان حلم نور الجنوني في دخول بوابة الشر, والذي وجد الطريقة من خلال استغلالك, واستطاع أن يفك رموز الأبواب, وجعلني أستغل عقله ومعرفته في أن أدخل أنا من خلال البوابة, وبصراحة, بدونه لم أكن أستطيع دخول هذه البوابة رغم أني حارستها, وهكذا دخلت عبر حلم نور وانتهى نور وبقيت أنا.
اجتزنا المرحلة الأخيرة للوصول إلى بوابة الشر, صادفنا خمسة أقواس عليها حراسة, ولم نستطع أن نقرر أي منها يؤدي إلى بوابة الشر. حينها ظهر الجني الحكيم دابارا وطلب من مرح ألا تدخل الأقواس وتتراجع فرفضتْ. وقال : يا ابن البشر، هل تريد أن أساعدك للخروج من هنا ؟ فكرت قليلاً وتذكرت القطط التي قتلتها بأوامر من الجني نور، وما مرّ عليّ من مصاعب وقلت له: أيها الحكيم المحترم, على الرغم من أن اللعبة ليست لعبتي وأني مجرد أداة لا أكثر ولا أقل، إلا أنني أشعر بمتعة غريبة في أن أعرف أكثر، ولا مانع في أن أقامر بحياتي من أجل خطوة واحدة خلف هذه البوابة العظيمة، لهذا سأبقى مع مرح حتى النهاية، وشكراً لك أيها الحكيم على عرضك بمساعدتي, حبي لزوجتي "غادة "وفي سبيل إعادتها يدفعني أن أبقى .
وفجأة اختفى الحراس, فذهبنا إلى القوس الثاني, وظهرت بمدخله فتاة رائعة جميلة, قالت: تفضلوا, أهلاً وسهلاً بكم. دخلنا, وإذا بنا أمام بوابة عظيمة. دخلنا من خلالها برفقة فتاتين إلى ساحة كبيرة بأعمدة. ثم وصلنا إلى بيت كبير وكأنه قصر دخلنا إلى صالة ضخمة مليئة بمئات المقاعد, انتظرنا هناك خمس ساعات إلى أن جاء شابان وتبعناهما إلى خارج القصر, ثم تركَنا الشابان لنكمل طريقنا, فوجدنا أنفسنا في أرض واسعة كلها زهور وورود من كل الأصناف, ومن بعيد ظهرت لنا مدينة كبيرة بيوتها متواضعة. سرنا ما يقارب الساعة حتى وصلنا إلى مدخل المدينة. دخلنا المدينة, وكان هناك عدة أشخاص, ولا أحد يلتفت إلينا. حينها قالت مرح: إسمع يا حسن يجب أن نلتقي بكبير هذه المدينة أولاً, وحينما وصلنا إليه قال لنا: يجب أن تخرجوا من المدينة من نفس الباب الذي دخلتم به وسأعطيكم مهلة ثلاثة أيام. لقد اطّلعت على قصتكم منذ البداية, وعلمت يا مرح أنك تمردتِ ودخلتِ الأقواس, وأنت أيها البشري المُصرُّ على التضحية من أجل أهدافك المختلفة. لقد خضتم مغامرة متهورة ولعلكم تعلمون أن نسبة النجاح بها ضئيلة. إن مروركم من مدينتنا لا يعني أننا عقبة أو حاجز بالطريق إلى قوة الشر, فوداعاً. حينها ظهرت بوابة فجأة كالسحر, وخرجنا منها لنصل إلى كهف. سرنا تاركين الكهف خلفنا وبدأنا نمر بين الأشجار, ونمنا هناك من كثر التعب والإرهاق وحين استيقظتُ سألت مرح: إلى أين نحن ذاهبون وإلى متى سنبقى على هذا الحال ؟ فقالت: لا أعتقد أن اللعبة قد انتهت, دع الأمور تسير كما هي ولا تتعجلها. حينها قدم رجل إلينا وقال: هيا يا "كونته" يا ابنة الكونتيين, ويا حسن يا ابن البشر, أنتم الآن في المحطة الأخيرة التي توصلكم إلى بوابة الشر, فلا يوجد بعدها مكان آخر تصلون إليه. هيا تفضلوا ابحثوا عن القوة التي قَتلتم من أجلها, إبحثوا عن حلمكم وحققوه إن كنتم فعلاً تعرفون عما تبحثون. سنمنحكم بعض الوقت لتجدا ما تسمياه بقوة الشر. وبعد أن ينتهي الوقت الممنوح لكم, ستجدين يا مرح "الناقلة" في انتظارك لتقلك إلى مصيرك, لقبة النور, وأنت كذلك يا حسن ستنتظرك المفاجآت. سألتُ مرح: من يكون هذا؟ فقالت: إنه من المستشارين, وهم أعلى مرتبة ونفوذاً من الكاتو. قلت لها: ألا تجدين أن هذه اللعبة سخيفة نوعاً ما, فنحن نبحث عن قوة الشر ونبذل جهودنا بالرغم من علمنا أننا مسيرين لا مخيرين, فكل طريق نسير فيها قد رسموها لنا وساعدونا على الوصول إليها. نحن نبحث عن شيء هم يجب أن يمنعونا من الوصول إليه, ولكن ما يحدث هو العكس, ماذا يعني هذا...نحن لهم تجربة حية, والذي نبحث عنه إن كان له وجود أصلاً, فلا يمكن أن نحصل عليه, فلماذا نستمر بهذه اللعبة. قالت: كل ما تقوله صحيح, ولكن لا يوجد لدينا خيارآخر سوى أن نمضي إلى الأمام. أعترف أني خسرت, وأن تقديراتي حول بوابة الشر كانت خاطئة, ولكن لا بد أن نجد ثغرة نفلت من خلالها من سيطرتهم.
وجدنا أنفسنا في مدينة عظيمة. قلت لمرح: أين نحن. قالت: لا أدري. كانت مرح مذهولة مثلي شادرة الذهن, سرتُ معها رويداً رويداً في الطرقات المدهشة العجيبة حتى رأينا ناس من حولنا فقلت لمرح : هيا استخدمي ذكائك لنصل إلى كبير المدينة. وبعدما سألنا الناس وصلنا إلى الأميرة المسؤولة عن المدينة, وحين وصلنا إلى بيتها قابلتنا بكل تواضع وأدب وقالت لنا: من مهمتي أن أشرح لكم تعاليمنا والشروط المفروضة لبقاءكم في هذه المدينة. قلت لها: نحن لم نأت من أجل البقاء هنا. فقالت الأميرة : بما أنكم في المدينة فمن واجبي أن أشرح لكم التعاليم. وهي أن من يدخل هذه المدينة لا يستطيع أن يخرج منها قبل عام كامل, وتعاليم هذه المدينة مقدسة, ومن يخالف هذه التعاليم فالمجلس له الحق بإبعاده إلى مدينة الشمس ليمضي هناك بقية العام, ومن ثم يعود حيث أتى. قالت مرح: لقد جئنا إلى هنا من أجل هدف معين للحصول على قوة الشر, فإن كان ما لديك ما تقولينه حول هذا الموضوع فتفضلي. فقالت الأميرة بندارا: أنتم الآن في مملكة الشر, وأنا أميرة هذا الجزء من المملكة, وسأكون أنا المسؤولة عنكم لمدة عام. حينها خرجنا أنا ومرح لنسير في الحديقة.
وبعد أن قضينا عدة أيام, قالت لي مرح : نحن لسنا في مملكة الشر, هذا ما عرفته من أول يوم دخلت إلى هنا, نحن في سراب المملكة, وتلك الأميرة حارسة لبوابات الشر مثلي, ويجب أن ننتظر إلى غروب الشمس لنذهب إلى المملكة الحقيقية. حينها بُهرت من ذكاء مرح. وانتظرنا حتى غروب الشمس وانتقلنا إلى المملكة الحقيقية. وهناك استقبلتنا الأميرة وقالت: وأخيراً وصلتم, كنت أتوقع وصولكم أبكر قليلاً, أنا إسمي "باندة", أميرة مملكة القمر وهي إحدى مدن مملكة الشر. لقد اطلعتُ على رحلتكم من بدايتها. والآن قولوا لي ما هي قوة الشر التي تبحثون عنها. قالت مرح: بصراحة, أنا لا أعرف ما هي أو ما هو وصفها, كل ما أعرفه أنها القوة التي إن امتلكها أحد سيطر على كل شيء. قالت الأميرة: أنا أميرة على هذه المدينة منذ سنوات طويلة, ولم أسمع بشيء إسمه قوة الشر إلا حينما سمعت بقصتكما. حينها استأذنت مرح الأميرة بالغياب وقالت لي: حسن انتظرني وسأعود بسرعة. واختفت بلمح البصر. شعرتْ الأميرة بتأثري لذهاب مرح.. فقالت لي : أتحبها ؟ فقلت: لقد اعتدت عليها كثيراً فهي معي منذ مدة طويلة. وبعد عدة ساعات جاءت مرح وحين سألتها أين كانت. قالت لي: لقد تجولت في المدينة لأحاول أن أجد خيطاً نسير خلفه, ولكن المطمئن هنا أن هذه المدينة غير خاضعة لسلطة الكاتو. واستأذنتْ مرح مني مرة أخرى كي تستكشف المدينة أكثر. حينها جلستُ أنا والأميرة وتبادلنا أطراف الحديث فسألتني: هل هدفك يا حسن هو ما تسمونه قوة الشر ؟ فقلت لها: إن هدفي هو غادة. فقالت لي: تقصد "كاداتنة" التي تخليتَ عنها, وتم عزلها بسببك, لقد قلت لك إني أعرف قصتك بالكامل, ولكن حسب ما رأيت أنك تحب أختها "كونتة", أو كما تُسمي نفسها مرح فكيف ذلك ؟ فقلت لها: معك حق, أنا مليء بالتناقضات, أعترف أيتها الأميرة أنني أحببتُ مرح وأصبحتْ جزءاً من حياتي, أعترف أن ذلك خيانة, غدر, حقارة, ولكن حين ظهرتْ لي مرح لأول مرة, تزامن ذلك مع فقداني لغادة, ومنذ اللحظة الأولى أعلنتْ لي مرح أنها جاءت منتقمة. كنت سعيداً لظهورها لأنها قالت لي أنها أخت غادة, وأصبحتْ شيئاً مهماً في حياتي, فالفراغ الكبير الذي تركته غادة ملأته مرح بلعبة الكره والشر. لا أنكر أني شعرت بخيانتي لغادة بأحضان أختها, وتعذبت وتألمت, ولكني لم أقاومها لأن اليأس والإحباط كان أقوى مني. ولكن غادة بقيت الشيء النظيف في حياتي, غادة هي حبي الحقيقي, وستبقى للأبد, ولو خُيرت بين عالم الجن وغادة, لاخترت غادة, لذا سأعمل على إخراجها من سجن قبة النور. حينها قالت الأميرة: عندما علمتْ مرح بأن أختها غادة تزوجت من بشري قامت بإعادتها إلى عالمها ليحكم عليها بأن تبقى تحت وصاية الكاتو حتى تبلغ السن القانوني, وبعدها يتم رفع الوصاية عنها وتعود لحريتها, ومفهوم الوصايا أنها لا تستطيع اتخاذ أي قرار يخص حياتها إلا بموافقة المشرف عليها من الكاتو. وبما أن مرح تتمتع بنفوذ كبير, فقد وَضعتْ عليها مراقبة خاصة في البيت والمدرسة وكل مكان... خشية أن تهرب مرة أخرى إلى عالم البشر... هذا ما حدث لغادة.
أنهت الأميرة كلامها, وكم كان بودي أن أقفز من مكاني وأحضنها وأقبّلها بدافع الشكر لأجمل خبر سمعته في حياتي. فلا سجن ولا قبة نور ولا عذاب ولا يوجد شيء من كل هذا حصل لغادة, فهي تحيا بأمان وسلام, بعيداً عن الأوهام التي زرعتها في دماغي الداهية مرح .
انقضتْ عدة أيام ومرح لم تعد, حتى ساورني الشك بأن شيئاً ما قد حدث لها. وبعد أسبوع قالت لي الأميرة: إنه ليسعدني أن نرحب بك وندعوك للإنضمام إلينا لتكون فرداً من سكان هذه المدينة, وإن رفضتَ فهذه حريتك, وأرجو أن تعذرنا بأنك لا تستطيع البقاء في المدينة أكثر من هذا اليوم, وستجد من يقوم بإيصالك إلى أية مدينة أخرى تختارها من مدن المملكة الخمسة. حينها قلت لنفسي: يبدو أن اللعب قد بدأ, مرح اختفت والأميرة تطردني بطريقة مؤدبة. حينها قلت: إنه لشرف عظيم أن أصبح من سكان مدينتك أيتها الأميرة. ولكن أين مرح ؟ فقالت لي: بصدق لا أعلم أين هي. أما أنت سيتم نقلك إلى بيت مستقل وخاص بك, وسنخصص لك من يرافقك لتتأقلم مع حياتك الجديدة داخل هذه المدينة.
وبالفعل سكنتُ في المدينة, وبدأت عملي في صبيحة اليوم التالي. كانت طبيعة عملي أن أقدم المساعدة في حمل بعض الأدوات في مجال الهندسة المائية, وكان معي في العمل ثلاث فتيات, وكانت أجملهن المسؤولة عن التصميم. في اليوم التالي عرّفتني على نفسها وقالت أن اسمها ساريز, ولم تتحدث معي عن أي شيء سوى عن طبيعة العمل, ولكن في نهاية اليوم قالت لي وهي تضحك: يا إلهي أنت قادم من عالم البشر. سألتها: كيف عرفت ذلك؟ ولكنها انشغلت عندما اقترب أحد مساعديها, ويبدو أنها لم تكن تريده أن يسمع عما نتحدث. بعدها قالت لي: سأدعوك لتناول الغداء معي في بيتي فوافقت. وحين وصلنا إلى البيت وجلسنا قالت لي: أنا مسرورة جداً بلقائك, أتعلم لماذا؟ لأني من البشر يا حسن... أنا إنسية ولست من الجن. لقد شاءت إرادة الرب أن أصاب بمرض خطير ولم يكن هناك أمل في شفائي, فساعدني الجن وأحضروني إلى هنا وعالجوني, ومنذ ذلك الوقت وأنا أحيا في هذا المكان الذي أعتبرته عالمي, وهناك الكثير من البشر في مدن المملكة، أما أنت فما هي قصتك ؟ ورويت لها قصتي بالكامل. أخذنا الحديث ولم نشعر بالوقت, وبحركة مفاجئة اقتربت ساريز مني, ووضعت رأسها على صدري ونامت, ونمت أنا أيضاً. وكم شعرت بالراحة والحنان وهي على صدري. أفقنا في الصباح, وخرجنا للعمل معاً.
وهكذا توالت الأيام. أحسست بأني وسط عائلتي مع ساريز وكأني أعرفها منذ زمن. وفي أحد الأيام قالت لي ساريز: غداً ستشهد المدينة يوماً لا مثيل له. غداً ستستقبل الأميرة باندة أميرة الشمس المغرورة. أميرة الشمس تكرة أميرتنا بجنون, ولا تحترم قوانين المدينة أبداً. فهي تسيطر بطريقة غريبة على المدن الأربعة الأخرى. أنا حزينة يا حسن على أميرتنا لأنها ستستقبلها كما يلزمها القانون. موقف صعب. فأميرة الشمس استطاعت أن تأخذ زوج أميرتنا منها, وتفاخرت بذلك أمام الجميع. استمر حديثنا عن مدينة الشمس والأميرة لوقت طويل. وتطورت علاقتي مع ساريز بسرعة كبيرة غريبة, كنا نمشي متشابكي الأيدي كعاشقين أو زوجين. سبحنا سوية, أحسست باقترابها مني, وبعد أن أنهينا السباحة سارت باتجاه البيت وهي تنظر إليّ, فدخلتُ البيت خلفها, استلقتْ على إحدى الكنبات العريضة, اقتربتُ منها مدت ذراعيها لي ...
 في الصباح استيقظنا باكراً لنرى حفل استقبال أميرة الشمس. وحين وصلنا إلى الساحة الكبيرة في المدينة أشارت ساريز إلى أميرة النور وهي تقول: انظر ما أجملها يا الله. حينها نظرتُ إلى أميرة الشمس, وفوجئت وصعقت لدى رؤيتي مرح تقف إلى جانب أميرة الشمس. فقلت لساريز: إنها مرح. وفي اليوم التالي, وحين عدت وساريز إلى البيت, دخلنا وكانت المفاجأة, كانت مرح تجلس أمامنا مباشرة, فخافت ساريز والتصقت بي. فقالت مرح: كيف أنت يا ساريز ؟ يا ابنة البشر ؟ ثم مدت مرح يدها باتجاه ساريز وقالت: نامي يا ساريز. وفجأة سقطت ساريز على المقعد وتغط في نوم عميق. حينها قلت: أين اختفيتِ ؟ فقالت: ها أنا عدت, ويبدو أنك لست سعيداً بعودتي, فما زلت كما أنت لم تتغير, تنسى كل شيء في أحضان أي امرأة. لقد جلت مدن المملكة ووجدت قوة الشر, ووجدت الطريق وللخروج من هنا إلى عالم البشر, ستعود يا حسن إلى عالم البشر. أما الآن ستذهب معي إلى مدينة الشمس, أنا في حاجة إليك. فقلت لها: أنا لم أعد أصدقك, ألم تخدعيني بأمرِ غادة ؟ فقالت: لم أكن ملزمة بشرح الأمر لك, أنا أنقذت غادة وأعدتها لأعتني بها ولتكمل تعليمها. الآن نحن سرنا معاً من أجل هدف مشترك ولا يهم الأسلوب الذي اتبعناه, سنحصل على قوة الشر, فكّرْ في ذلك يا حسن. اختفت بعدها مرح. ذهبتُ إلى ساريز وأيقظتها فقالت: أنا أعلم أنها جاءت لتأخذك إلى مدينة الشمس, هل ستذهب معها ؟ فقلت: لن أذهب يا ساريز أعدك بذلك .
 في أحد الأيام وأثناء عملي, أصابني دوار ثم وجدت نفسي في مكان مجهول, وجدت مرح في هذا المكان مع شخص ذو لحية وشعر أبيض. وبدون مقدمات قال:  آلاف السنين مرت على موت أكاروس وبذوره ما زالت تجد عقولاً تنمو فيها... يا كونتة يا ابنة نازك ويا حسن يا ابن صفية وجدتكم بذرة أكاروس... وسأشرح لكم ما تجهلون. قبل آلاف السنين انتشرت علوم السحر بين البشر وكانت السبب في دمار عالمهم. وكان أقوى ملوك الجن حينذاك هو أكاروس الذي قرر أن يقيم مملكته في عالم البشر, وأيقن هذا الملك أنه يجب السيطرة على البشر أولاً كي يستطيع بعدها السيطرة على عالم الجن. وبدأت المعركة بين البشر والجن, حرب الخداع والتصور والخيال, فالبشر لا يستطيعون قتل الجان ولا الجان يستطيعون قتل البشر. وقام البشر ببناء مملكة أكاروس مقابل حصولهم على علوم السحر, فحينها أطلق الملك أكاروس إسم مملكة الشر على مملكته ولقب نفسه بملك الشر. وحوّل حياة البشر والكونيين إلى جحيم. فقام بعض البشر ومعهم بعض الجان بتكوين "النظام الأعلى" لمحاربة الملك أكاروس.  وحقق هذا النظام خسائر فادحة بالملك أكاروس. وبعد سنين من الحرب وُقّعت معاهدة تقضي بالسيطرة على مملكة الشر, وكانت مصلحة أكاروس من هذه المعاهدة أن تبقى هناك فرصة قائمة لنسله حتى ولو بعد آلاف السنين بإعادة إحياء مملكته. ومن خلال تلك المعاهدة تم دفن السحر ومملكة الشر في باطن الأرض, وكذلك الملك أكاروس, وتم بناء خمس مدن فوق الأرض التي دُفنت بها مملكة الشر حتى تبقى المملكة دفينة إلى الأبد. وأتُخذت كل الإحتياطات حتى تبقى مملكة الشر مدفونة, وأقيمت بوابات الشر. وأما المهم فلو اجتمعت إرادة جني وإرادة بشري متحدين معاً مستعدين للتضحية بكل شيء من أجل إطلاق علوم السحر لن يتم منعهم من ذلك, فالآن أنت والجنية مرح بمقدروكم إطلاق علوم السحر من جديد, ولكنكما ستجلبون الأذى للبشر والجان في آن واحد. وبعد أن انتهى الرجل من كلامه اختفى واختفت مرح معه, وعدت إلى مكاني الأول.
 أخبرت ساريز بما حصل معي. وقررت الإبتعاد عن الماضي, بناءاً على نصيحتها, فأنا لست بحاجة لعلوم السحر ولا للقوة, ولا لكل هذه المغامرات الغبية, وإن كان الله نجاني من بين أيديهم كل هذه المدة, فيجب أن يكون هذا درساً لي. مرَّ أسبوع وأسبوعان حاولت فيهما مرح أن تقنعني كي نتحد معاً لننهي ما بدأناه,  وكادت تنجح لولا تدخل ساريز, هذه الإنسانة الرائعة التي استطاعت أن تفهمني أكثر من أي إنسان حتى أكثر من نفسي. ساريز لم تكن مجرد صديقة لي, بل كانت كل شيء, كانت تعلم متى يجب أن تكون صديقة, ومتى يجب أن تكون حبيبة وعاشقة, ومتى تكون زوجة أو أماً وأباً وأختاً وأخاً. قلت لها ذات يوم: أتعلمين ما الذي ينقصنا ؟ طفل صغير. فقالت: إنه حلمي أنا أيضاً, ولكنه لا يصلح من غير زواج. فعهد الإرتباط بينك وبين الجنية غادة لا يبيح لنا الزواج. فقلت لها: ولكنها خارج حدود المملكة ولن ألقاها مرة أخرى. واتفقنا على أن نسأل الأميرة باندة حول هذا الموضوع. وحينما سألنا الأميرة بهذا الشأن قالت: زواج حسن كان خارج حدود المملكة.. وفي المملكة كل شيء جديد لا يرتبط بالماضي.. ولكن من الممكن أن تأتي غادة إلى المملكة, فدعوني أفكر لكم بحل لتلك المشكلة.
وفي إحدى الليالي, وبعدما غطت ساريز في نوم عميق, جاءت مرح وقالت: أتريد أن تتزوج, وغادة يا حسن ؟ هل نسيت أنها زوجتك ؟ فقلت: لم أكذب على غادة, لقد أحببتها فعلاً, وإرادة الله أقوى من كل شيء, فهي من الجن وأنا من البشر, ولن تصبح هي من البشر, ولا أنا من الجن, فلا أريد أن أكذب على نفسي أكثر, والقدر أقوى منا جميعاً. فقالت: وعالم البشر, وعائلتك, وأمك المريضة التي شُلت بسببك. حينها قلت بذهول: وكيف عرفتِ بهذا ؟ فقالت: لقد وجدتُ طريقة للخروج والدخول إلى هنا. لقد خرجت من المملكة ووصلت عالم البشر وزرت عائلتك, وعلمت أن أمك أصيبت بالشلل, وكلهم هناك يعتقدون أنك مت.
أقلقني ما حدث لأمي ولم أستطع تجاهله. وتناقشنا أنا وساريز حول كل الخيارات, ولم يكن هناك خيار أمامي إلا أن أنسى أو أتناسى. وبعد ثلاثة أشهر دعتنا الأميرة مرة أخرى وقالت: عهد الإرتباط الذي تم بين حسن وغادة هو عهد غير قانوني لا يُعترف به, ولكنه يُحترم, لأن غادة لم تكن قد بلغت السن القانوني للزواج. وعليه فإن غادة تستطيع فك عهد الإرتباط بسهولة, ولكن إن أصرّت هي على التمسك به بعد بلوغها السن القانوني, سيصبح العهد قانونياً. ومن أجل ساريز يا حسن, حصلت على الإذن لإحضار غادة إلى قصري, عليك يا حسن مواجهة الموقف, إنها الآن في حديقة القصر إنزل وتحدث إليها. حينها لم أصدق.. دق قلبي بقوة.. وارتجفتْ أوصالي. سرت باتجاه الحديقة.. أشعر بدوار كبير, رأيت غادة هناك, رأتني من بعيد, دق قلبي بعنف, فقفزتْ إليّ حينها وتعلقت بعنقي وهي تضحك وتبكي. لم أتمالك نفسي, فبكيت أنا أيضاً. نزلتْ ورائي ساريز والأميرة فقالت الأميرة: هل ستصرين على عهد ارتباطك بحسن بعد أن تبلغي السن القانوني ؟ فهزت غادة رأسها مؤكدة أنها ستصر. حينها قلت في نفسي: ساعديني يا مرح !! وبلمح البصر ظهرت مرح وكأنها كانت بقربي تنتظر أن أناديها. وبدأت تتحدث هي وغادة, ثم قالت مرح: حسن، غادة ستسامحك.. وستلتقي بك في عالم البشر. هزت غادة رأسها مؤكدة كلام مرح. أمسكت مرح بيدي  وأشارت إلى غادة وقالت: سنلتقي قريباً. وبلمح البصر وجدت نفسي ومرح ممسكة بيدي في مدينة الشمس, لندخل إلى باطن الأرض, نسير إلى بوابة كبيرة عليها نقوش. وضعت مرح كف يدها على نقوش هناك, وكذلك فعلت أنا, وقالت: أنا كونتة إبنة نازك إبنة الجن بإرادتي الكاملة أعلن عن فتح قلعة أكاروس. وقلت بعدها: أنا حسن إبن صفية إبن البشر بإرادتي الكاملة أعلن عن فتح قلعة أكاروس. وقلنا معاً: نحن من البشر والجن, بإرادة واحدة متحدة, نعلن عن فتح قلعة أكاروس. فُتحت البوابة وبدأ يخرج منها دخان كثيف. حينها صدح صوت ضحكة رجل هزت أرجاء المكان. دخلنا القلعة ووصلنا إلى منصة حجرية. حينها قالت مرح: حسن, دقائق وستجد نفسك في عالمك, وبين عائلتك, وستجدني إلى جانبك ما دمتَ تريد ذلك. وعلت مرح المنصة وهي تضحك وتقول: أنا مرح. ويتردد صدى صوتها من كافة جوانب القلعة (مرح .. مرح .. مرح) وبأصوات مختلفة ومتعددة .
                                 النهاية 





إرسال تعليق