الثلاثاء، 28 نوفمبر 2017










تلخيص رواية 
 الأسود يليق بك: أحلام مستغانمي 
 إعداد وإشراف: رجاء حمدان 

 كبيانو أنيق مغلق موسيقاه, منغلق هو على سره. لن يعترف حتى لنفسه بأنه خسرها. سيدّعي أنها من خسرته، وأنه من أراد لهما فراقاً قاطعاً كضربة سيف، فهو فضل على حضورها العابر غياباً طويلاً، وعلى المتع الصغيرة ألماً كبيراً، وعلى الإنقطاع المتكرر قطيعة حاسمة. لشدة رغبته بها ، قرر قتلها كي يستعيد نفسه، وإذ به يموت معها، فسيف العشق كسيف الساموراي، من قوانينه إقتسام الضربة القاتلة بين السيّاف والقتيل.. 
كان عليه إذاً, أن يحبها أقل، لكنه يحلو له أن ينازل الحب ويهزمه إغداقاً.. أخذ غليونه من على الطاولة وأشعله بتكاسل الأسى. إنها إحدى المرات القليلة التي تمنى فيها لو استطاع البكاء، لكن رجلاً باذخ الألم لا يبكي. لفرط غيرته على دموعه, إعتاد الإحتفاظ بها. وهكذا, غدا كائناً بحرياً, من ملح ورمال. هل يبكي البحر لأن سمكة تمردت عليه ؟ كيف تسنى لها الهروب وليس خارج البحر من حياة للأسماك؟ 
قالت له يوماً "لا أثق في رجل لا يبكي". إكتفى بابتسامة. ولم يبح لها أنه لا يثق في أحد. سلطة المال, كما سلطة الحكم, لا تعرف الأمان العاطفي. يحتاج صاحبها إلى أن يفلس ليختبر قلوب من حوله. لذا لن يعرف يوماً إن كانت قد أحبته حقاً لنفسه. ذلك أن الأيام لم تنقلب عليه، بل زادته مذ أن افترقا ثراء، كما لتعوضه عن خساراته العاطفية بمكاسب مادية. هو يرتاب في كرمها. يرى في إغداقها عليه مزيداً من الكيد له. أوَليست الحياة أنثى، في كل ما تعطيك تسلبك ما هو أغلى؟ يبقى الأصعب، أن تعرف ما هو الأغلى بالنسبة إليك. وأن تتوقع أن تغير الأشياء مع العمر ثمنها...هبوطاً أو صعوداً. 

يوم شاهدها لأول مرة تتحدث في حوار تلفزيوني، ما توقع لتلك الفتاة من مكانة في حياته، فلم يكن سمع بإسمها يوماً، ولا هي كانت تدري بوجوده. لكنها عندما أطلّت قبل أيام، كان واثقاً أنها لا تتوجه لسواه. غادرت حياته كما دخلتها من شاشة تلفزيون. قال لها يوماً بنبرة مازحة حقيقة أخرى: "تدرين ...لا أفقر من امرأة لا ذكريات لها". لم تبد أنها قد استوعبت قوله، أضاف:" كانت النساء، قبل أن توجد المصارف، يخبئن ما جمعن على مدى العمر من نقود ومصاغ في الوسادة التي ينمن عليها, خوفاً عليها وتحسباً لأيام العوز والشيخوخة. لكن أثرى النساء ليست التي تنام متوسدة ممتلكاتها، بل من تتوسد ذكرياتها". كانت أصغر من أن تعي بؤس امرأة تواجه أرذل العمر دون ذكريات جميلة. كيف لفتاة في السابعة والعشرين من العمر، أن تتصور زمناً مستقبلياً يكون فيه جليسها ماضيها... 


أوصلته عزلته إلى هذه الإستنتاجات.غالباً ما يعود إلى وكره. يرتب ذكرياته وخساراته، كما لو كان يرتب ملفاته. لقد أفقره بُعدها. لكنه ليس نادماً على ما وهبها خلال سنتين من دوار اللحظات الشاهقة، وجنون المواعيد المبهرة. حلق بها حيث لن تصل قدماها يوماً. فقد وهبها من كنوز الذكريات، ما لم تعيشه الأميرات، ولا ملايين النساء اللائي جئن للعالم وسيادته ..هكذا هو مع كل امرأة أحبها، حيثما حط رحاله، استحال على رجل أن يطأ مضاربه. فلتحب بعده من شاءت. ما يندم عليه حقاً، ليس ما وهبها، بل ما باح به لها. لم يحدث أن استباحت أعماقه امرأة. كان غموضه إحدى سماته، وصمته جزءاً من أسلحته. لعلها كانت التاسعة مساءاً حين رآها لأول مرة. كان في مكتبه، قد أنتهى يومها من متابعة نشرة الأخبار، منهمكاً في جمع أوراقه استعداداً للسفر صباحاً، حين تناهى إلى سمعه صوتها في برنامج حواري ليس من عادته متابعته. 

كانت شظايا جمل تصله من كلامها. ثم راحت لهجتها المختلفة تستوقف انتباهه. لهجة غريبة، منحدرة من أزمنة الفلامنكو، توقعك في شراك إيقاعها. وجد نفسه في النهاية يجلس لمتابعتها. راح يشاهد بفضول تلك الفتاة, غير مدرك أنه فيما يتأملها، كان يغادر كرسي المشاهد، ويقف على خشبة الحب. لفرط انخطافه بها، ما سمع نبضات قلبه الثلاث التي تسبق رفع الستار عن مسرح الحب، معلنة دخول تلك الغريبة إلى حياته. 

الحب لا يعلن عن نفسه، لكن تشي به موسيقاه، شيء شبيه بالضربات الأولى في السمفونية الخامسة لموزار. "سانتيانا" الذي قال " خلق الله العالم كي يؤلف بيتهوفن سمفونيته التاسعة". ربما كان يعني أن الله خلق هذا العالم المبهر، كي لا نستطيع أمام عظمته إلا أن نتحول إلى كائنات موسيقية, تسبح بجلاله في تناغم مع الكون. يذكر طلّتها تلك, في جمالها البكر كانت تكمن فتنتها. لم تكن تشبه أحداً في زمن ما عادت فيه النجوم تتكون في السماء، بل في عيادات التجميل. لم تكن نجمة. كانت كائناً ضوئياً، ليست في حاجة إلى التبرج كي تكون أنثى. يكفي أن تتكلم. إمرأة لا تهاب الموت، لكنها تخاف الحياة في أضوائها الكاشفة. الثأر وحده كان يعنيها. 

سألها مقدم البرنامج: لم تظهري يوماً إلا بثوبك الأسود...إلى متى سترتدين الحداد؟ تجيب كمن يبعد شبهة: الحداد ليس في ما نرتديه بل في ما نراه. إنه يكمن في نظرتنا للأشياء. بإمكان عيون قلبنا أن تكون في حداد ...ولا أحد يدري بذلك ... 
- يوم أخذت قرار اعتلاء المنصة لأول مرة، هل توقعت نجاحاً كهذا؟ 
- هل تعتقد أن المرء أمام الموت يفكر في النجاح؟ كل ما يريده هو أن ينجح في البقاء على قيد الحياة. ما أردته هو أن أشارك في الحفل الذي نظمه بعض المطربين في الذكرى الأولى لاغتيال أبي بأدائهم لأغانيه. قررت أن أؤدي الأغنية الأحب إلى قلبه، كي أنازل القتلة بالغناء ليس أكثر ... 
- أما خفت أن تشقي طريقك إلى الغناء بين الجثث ؟؟؟ 
- لقد غير تهديد الأقارب سلم مخاوفي. إن امرأة لا تخشى القتلة, تخاف مجتمعاً يتحكم فيه حماة الشرف في رقابه. ثمة إرهاب معنوي يفوق جرائم الإرهابيين. 
تمتم المذيع مأخوذاً بكلامها: صحيح. - 
تصورْ حين وقفت على الخشبة لأول مرة، كان خوفي من أقاربي يفوق خوفي من الإرهابين أنفسهم. أنا ابنة مدينة عند أقدام الأوراس لا تساهل فيها مع الشرف. 
- حسنٌ أنك تكوني قد كسبت الجولة... ما دمتِ هنا بيننا. 
- إن امرأة واقفة في حلبة ملاكمة، دون أن يحمي ظهرها رجل، ودون أن تضع قفازات الملاكم، أو تحمل في جيبها المنديل الذي يُلقى لإعلان الإستسلام، فإن احتمال الخسارة لديها غير وارد، هذا ما أخاف والدتي وجعلها تصر على أن تغادر الجزائر إلى الشام بحكم أنها سورية. 
- أتعتقدين أن قصتك الشخصية ساهمت في رواج أغانيك؟ 
- حتماً استفدت من تعاطف الجمهور، لكن العواطف الجميلة وحدها لا تصنع نجاح فنان ... الأمر يحتاج إلى مثابرة وإصرار. 
- والحب؟ 
وأكملت على استحياء: الحب ليس ضمن أولوياتي. 
- برغم ذلك كل أغاني ألبومك أغان عاطفية؟ 
ردت ضاحكة: في انتظار الحبيب، أغني للحب! 
- أنت إذاً تتحرشين بالحب كي يأتي. 
- بل أتجاهله كي يجيء! 
- لو دعوتك إلى الحلقة التي نعدها الشهر القادم بمناسبة عيد العشاق فهل تقبلين دعوتي؟ 
- طبعا، وكيف أرفض للحب دعوة؟ 
- إذاً, لنا موعد بعد شهر من الآن. 
للحظات بعد انتهاء البرنامج، ظل جالساً مكانه مذهولاً. أية لغة تتكلم هذه الفتاة؟ كيف تسنى لها الجمع بين الألم والعمق, وأن تكون عزباء وعلى هذا القدر من الكبرياء؟ بالرغم من مرور سنتين على ذلك اللقاء التلفزيوني، ما زال يذكر كل كلمة لفظتها، احتفظتْ ذاكرته بكل تفاصيله. ندم يومها لأنه لم يتنبه لتسجيله، كيف لم ينتبه إلى تسجيل ذلك البرنامج، كي يحتفظ بذاتها. تابع فرحتها ومقدم البرنامج يمطر يديها ببطاقات الورود التي وصلتها، ويقرأ عليها بطاقات أصحابها. كانت مبتهجة كفراشة وسط حقول الزهور، تمنى لو أنها غنت كي يرى دموع روحها تنداح غناء. فاجأته رغبة جارفة لرؤيتها, في أن يحظى بلقائها. أحس بأنها أهدت له ما كان ينقصه ليحيا : وهو الشغف. يريد الإمساك بهذا النجم الهارب. 

في الصباح، حال انتهائه من إجراءات المطار، قصد السوق الحرة بحثاً في جناح الموسيقى عن شريط لها. لكنه لم يكن يعرف عما يبحث بالتحديد، فهو لا يعرف اسمها، ولا يدري كيف يرد على البائعة التي عرضت مساعدته. راح يبحث دون جدوى عن صورتها فوق عشرات الأشرطة . أيكون الشريط قد نفد لفرط رواجه؟ أم أنها ليست مشهورة بما فيه... وانتهى به الأمر الى أن اشترى بحكم العادة مجموعة " شتراوس" في تسجيل لحفل حديث. 

في الطائرة التي كانت تقله إلى باريس، راح يتصفح صحف الصباح، وبعض المجلات المتوفرة على الدرجة الأولى حين فوجيء بصورتها في صفحة فنية لإحدى المجلات، مرفقة بمقال بمناسبة صدور ألبومها الجديد. إذاً, إسمها هالة الوافي. تمتم الإسم ليتعرف على موسيقاه، ثم ترك عينيه تتأملانه بعض الوقت. شيء ما يؤكد له أنه سيكون له مع هذا الإسم قصة، فهذه المصادفات المتقاربة، تلقاها كإشارة من القدر. ثم... إنه يحب الأسوار العصية لأحرف إسمها. 

أضاف إلى معلوماته أنها تزور بيروت ترويجاً لألبومها الأول، وأنها تقيم في الشام مذ غادرت الجزائر قبل سنة... وأنها ولدت فى ديسمبر قبل سبع وعشرين سنة. تأسف لأن عليه أن ينتظر أحد عشر شهراً ليحتفل بعيد ميلادها. كان واثقاً أنه سيكون ذلك اليوم معها. ذلك أنه يثق تماماً في كل الأفكار المجنونة التي تعبر خيالاته كرؤى. فلسفته, أن كل ما يمكننا تخيله قابل للتحقيق. يكفي أن نريده حقاً، وأن نثابر على حلمنا. طلب من سائقه الذي جاء ينتظره في المطار أن يوصله مباشرة إلى المكتب، وأن يحتفظ بحقيبته في السيارة. هو دائماً في كل لياقته، لأنه على موعد مع أنثى تدعى الحياة. ومن أجل ألا تتخلى عنه هذه الأنثى، قرر أن يعتني بصحته. قبل سنوات، كان يدخن علبة سجائر في اليوم، ثم أخذ قراراً حاسماً عندما بدأ يتجاوز العلبة. قال "لن تلمس يدي سجارة بعد اليوم". ولم يعد أبداً إلى التدخين. الإرادة هي صفته الأولى. بإمكانه أن يأخذ قراراً ضد رغباته، وأن يلتزم به كما لو كان قانوناً صادراً في حقه, لا مجال لمخالفته. ذلك أنه عنيد وصارم. صفتان دفع ثمنهما باهظاً، لكنهما كانتا خلف الكثير من مكاسبه، فهو في الأعمال كما في الحياة، لا يقبل بالخسارة. يأبى أن يسلك أزقة التحايل والنصب الضيقة لتحقيق أحلامه. لكن ليس من السهل دائماً أن تكون نزيهاً ومستقيماً في عالم الأعمال..  
غادرت الأستوديو مبتهجة كفراشة. على المقعد المجاور لها سلة ورد، وبجوار السائق باقتان أخريتان. ظلت طوال الطريق إلى الفندق ممسكة بالسلة، خوفاً على زينتها. عبثاً طمأنها السائق أن لا شيء سيحدث للورود. هو لا يدري أن لا أحد أهدى إليها ورداً قبل أن تصبح "نجمة". حال وصولها إلى غرفتها، راحت تتفقد باقات الورود بسعادة. ثم تذكرت أنها لا تدري مع من تقتسم فرحتها، وهذه أعلى درجات الوحدة. أوصلها التفكير إلى العمر الذي يمضي بها، وذلك الشاب الذي كانت ستتزوجه وتخلت قبل سنتين عنه، وأثارت بذلك غضب أهلها. 

ما الذي ينقصه؟ أي عيب وجدتِ فيه كي تفسخي الخطوبة؟ أتعتقدين أن كثيرين سيتسابقون إلى الزواج من معلمة أبوها مغنّ ؟ الطبيبات والمحاميات ما وجدن رجلاً وأنت فرّطت في شاب من عائلة كبيرة ...تركته المسكين كالمجنون لا يعرف لمن يشتكي.. نجحت عمتها في التأثير حتى على أمها، لكنّ ما فاجأها كونها لم تجد تفهماً لدى والدها، وهي ابنته الوحيدة العزيزة. أكان سيفهمها لو قالت له وهو الموسيقيّ، إن لقادر إيقاعاً خاطئاً. لم يكن سيء الصوت، كان سيء الإيقاع، وهذا أكثر إزعاجاً.

 استيقظت على منظر الورود التي ازدادت تفتحاً أثناء الليل. تدري أن ما من أمل في أن يتساقط الندى على ورود المزهريات أو يحط على مخادع الفتيات الوحيدات! 

في الواقع، أيقظها اتصال من إحدى الصديقات في الجزائر، تهنئها على حلقة أمس وتبشرها بأن" كل الناس في الجزائر شافوها". نقلت أيضاً إليها سلام زميلة سابقة في المدرسة: (نصيرة تسلم عليك بزّاف ...طلبت مني تلفونك واش نعطيهو لها؟ بالمناسبة... قالت لي باللّي مصطفى تزوج من أستاذة جات جديدة للمدرسة وطلب نقلهم للتدريس في باتنة). كنقرة على نافدة الذاكرة، جاء ذكره. شيء من الأسى عبرها. حنين صباحي لزمن تدري الآن أنه لن يعود, وحين ستستيقظ تماماً، ستنسى أن تفكر في ذلك الرجل الذي أصبح إذاً لامرأة أخرى!. مصطفى هو الوحيد الذي كان من الممكن أن يسعدها. كانت تحب طلته المميزة، أناقة هيأته، شجاعة مواقفه، طرافة سخريته حين يغازلها بطريقة جزائرية مبتكرة حسب الأحداث، كيوم قال لها " أفضّل، على إرهاب البنات، الإرهابيين ...على الأقل هم لا يغدورن بك. يُشهرون نواياهم، يصيحون " الله أكبر" قبل الإنقضاض عليك بسواطيرهم وسكاكينهم. البنات يجهزن عليك دون تنبيهك لما سيحل بك. مصطفى تمنّته زوجاً. الحياة معه لها خفة دمه، والقلب لا تجاعيد له.
 لقد تسارعت الأحداث بعد اغتيال والدها، وأخذت مجرى تجاوز أمنياتها. لم يمهلها القدر وقتاً كافياً لقصة حب. 

غادرت سريرها حتى لا تترك غيوم الماضي تفسد مزاجها. بدأت صباحها بملعقة عسل دافيء. لا بد ألا يكون لها من شاغل إلا صوتها. لسنوات كان هذا هاجس والدها الذي صان صوته. بهذا الصوت نفسه كانت تشرح لساعات قواعد النحو واللغة، وتلقّن التلاميذ المحفوظات، وتعيد وتكرر لكل تلميذ على حدة ما لم يفهم؟. اليوم كل نَفَسٍ في صوتها يُوثق ويحفظ إلى الأبد على شريط مضغوط. أول ما لقنوها حماية صوتها من نزلات البرد، ومن التلوث ومن دخان السجائر. 

 استعادت جأشها، وعاودت أداء تلك الأغنية إياها التي غنتها في أربعين أبيها. ما توقعت يومها أنها تغني قدرها، فقد غناها قبلها عيسى الجرموني وأبوها وجدّها ومغنو الأوراس جميعهم، فلماذا حلت لعنتها عليها وحدها، وإذ بالحياة تقلد الأغنية، وتأخذ منها رجلين لا رجلاً واحداً! ما كانت لتدري بقصة تلك الأغنية، لولا أن المؤرخين وثقوا تفاصيلها. لقلة معرفتها باللهجة الشاويّة، غنّتها من دون أن تفهم تماماً كلماتها، لكن الألم تولى إخبارها بما لم تعلم. 

إن أكثر ما يبكيها وهي تسجل تلك الأغنية، إدراكها أن أمها ستظل تستمع إلى هذا الشريط، برغم عدم فهمها للشاويّة، وغربتها عن هذا النوع من الغناء. فما عاد لها من عزاء إلا في نواح هذه الأغنية, التي أرادت لها الحياة أن تسمعها بصوت زوجها ثم ابنتها، مرددة كلمات امرأة أخرى، هي أخت مصابها، مثلها، سرق منها الموت إبنها وزوجها. 

عاد إلى البيت بعد انتهاءه من عشاء عمل طويل. لكنه يحتاج إلى تمديد إقامته كي يرتاح بعض الوقت في باريس. في بيروت هو دوماً مزدحم "بالاصدقاء"، محاصر بحب الأقارب، وعندما يشتاق إلى نفسه يأتي إلى بيته الباريسي، يتمادى في عصيانه الإجتماعي. لا يرد سوى على هاتف سكرتيره. هنا يطالع الكتب التي لا وقت له لقراءتها. يستمع مساءاً لمقطوعات من العزف على البيانو. لكنه الليلة على موعد مع شريطها الذي عثر عليه سائقه في معهد العالم العربي. لقد انتظر شهراً ليراها مجدداً في برنامج تلفزيوني، شهراً ليلقي إليها بالطعم، الذي لا يمكن لسمكة صغيرة مثلها إلا أن تزدرده. عندما أطلت في ذلك البرنامج، مع الضيوف الثلاثة الذين شاركوها الإحتفاء بالحب، بدت وكأن الحب اختارها ليحتفي بها. إنها تبدو أبهى. لعله ثوبها الأسود الذي كانت ترتديه مع عقد طويل بصفين من اللؤلؤ، منحها إطلالة تتجاوز سقف ميزانيتها. هي لم تسمع بعيد الحب إلا منذ أصبحت تقيم في الشام. في مروانة، كان الحب يُقيم في بلاد أخرى، لهذا ما اعتادت أن تعايده، أو تنتظر هداياه. كان موجوداً في أغاني أبيها لا في بيته. كان مسموحاً به للغرباء....لا لأهله. في البيت، كان ثمة "محبة" أي حرفان زائدان عن الحب. عادت وراجعت نفسها. لكأنها لا تغفر للعشاق سعادتهم ولو كذباً. لا تريد أن يتحول الهدف من وجودها في البرنامج إلى إدانة عولمة المشاعر، عليها أن تكف عن أن تكون مدرسة لغة عربية! سألها مقدم البرنامج بفرحة صحافي وقع على سؤال يربك ضيفه: هل يمكن لمن ليس في حياته حب أن يغني الحب ؟ جاء جوابها هادئاً: وحده فاقد الحب جدير أن يغنيه...الفن العظيم كالحب الكبير، يتغذى من الحرمان. بدت كما لو كانت تتكلم بحياء عن الحب، هي تدري أن أهلها وتلاميذها ومصطفى وزوجته وكل مروانة والجزائر يتابعونها في هذه اللحظة، ولولا إحساسها بذلك لربما قالت شيئاً آخراً. لكنها بدت صادقة في ما قالته على استحياء. الحياء نوع من أنواع الأناقة المفقودة. شيء من البهاء الغامض الذي ما عاد يُرى على وجوه الإناث. وهي التي تنازل الإرهابيين بملء حنجرتها, عندما تتحدث عن الحب تُخفت طبقة صوتها حتى درجة البوح، وحينها تصبح شهية، ويكتشف الآخرون وهم يستمعون إليها، تلك الحقيقة التي نسُوها: بإمكان امرأة خجولة أن تكون مثيرة. 

 توجه مقدم البرنامج إليها سائلاً: هل تعتقدين أن وسائل الإتصال التكنولوجية الحديثة خدمت الحب. 
- ربما خدمت المحبين، لكنها لم تخدم الحب. كان الحب أفضل حالاً يوم كان العشاق ينتظرون ساعي البريد لكلمة أحبك مكتوبه بخط اليد. أما اليوم فكلمة " أحبك" فقابلة للمحو بكبسة زر.هي لا تعيش إلا دقيقة. ولا تكلفك إلا فلساً! 

لا رغبة لها في أن تحكي كم يمكن لكلمة "أحبك" أن تكون أحياناً مكلفة، عندما تكتب على ورقة. وحده مصطفى كان من رأيها. لاحقاً قال لها مصطفى بجدية كاذبة: إني أفكر في الهجرة إلى أمريكا. 
سألته مندهشة: أمريكا....لماذا أمريكا؟ 
- لأنه، في استطلاع أخير، جاء أن الأمريكي هو أكبر مستهلك لكلمة " أحبك". تصوري أنه يلفظها بمعدل ثلاث مرات في اليوم، كأنه يتناولها مع وجباته الثلاث. هنا قد يموت المرء ولايسمعها حتى من أمه برغم أن كل شيء يشي بحبها له. لكنها عندما تنطق تقول عكس ذلك! 
واصل بنبرة مازحة: بإمكانك أن تجعليني أعدل عن الهجرة، يكفي أن تقولي إنك تحبينني! ضحكتْ لابتزازه العاطفي، لكنها طبعاً لم تقلها. لو قالتها، لربما كانت الآن في معسكرات الإعتقال العاطفي. وبدل أن ترزق بألبوم، لكانت هناك تخدم أمّه وتربي أولاده! هل أحبَّته حقاً؟ هي نفسها لا تدري. معظم الذين يعتقدون أنهم يعيشون قصة حب، هم في الواقع يعيشون وهم الحب. 

إنتهى البرنامج. وعندما همت بمغادرة الأستوديو, أمدها مقدم البرنامج بباقة ورد قال إن مرسلها طلب ألا تُقدم إليها على الهواء. فتحت بلهفة الفضول الظرف الصغير المرفق بها, لم يكن على البطاقة سوى ثلاثة كلمات "الأسود يليق بك". جمدت مكانها مذهولة. كان في الجو شيء شبيه بإعلان حب. 

 ثلاث رسائل كافية لإشعال فتيلها. سيترك لها رقم هاتفه مع الباقة القادمة, لكنه حتماً لن يترك إسمه. سيطيل لعبة الغموض ما استطاع ليشغل بالها بما لا تعرف عنه. غادر البيت مشياً. يمارس رياضة المشي السريع في زمن مفتوح بين طفولته العادية في بيروت ونجاحاته الخارقة في كبرى عواصم العالم. إنجازه الأكبر ما كان في بلوغه تلك المكاسب، بل في الطريق التي سلكها لبلوغها. قد يبدو في لحظات نادرة متواضعاً، لكن أحلامه لا تعرف التواضع. كثيراً ما تمنى لو كان شاعراً أو كاتباً ليصف انبهاره بهذا المكان الذي يتردد عليه منذ أكثر من عشر سنين. تفوق بحكمته وذكائه على طاقم المستشارين والمساعدين العاملين في شركاته. حدث أكثر من مرة أن أنقد أعماله من الإفلاس بمهاراته لا بشهاداتهم. 

انقضت ثلاثة أسابيع قبل أن تأتي أول مناسبة. حفل علم أنها ستشارك فيه مع مجموعة من المطربين في سورية. هذه المرة سيلقي لموقدها بما سيشعلها من حطب لأيام، لكنه لن يستعمل سوى عود ثقاب واحد. كتب على البطاقة أرقام هاتفه فحسب، ووضعها في الظرف الصغير المرفق بالباقة نفسها التي اعتاد أن يرسلها إليها. طلب إرسال الباقة مع سائق إلى الشام. ثلاث ساعات وتصلها البطاقة، تماماً بتوقيت ختام الحفل. إنها الساعات الأكثر توتراً وجمالاً في أية قصة حب. كان لا يتوقف عن استراق النظر إلى ساعته. يمكن للهاتف في أية لحظة أن يدق, وتكون هي على الخط. أطال البقاء في المكتب، حتى لا يفاجئه الهاتف وهو مع زوجته. ثم عند منتصف الليل قرر العودة إلى البيت، لكنه وضع هاتفه على الصامت كي يأخذ علماً باتصالها. تفقد هاتفه قبل الخلود إلى النوم, دون جدوى. ولم يجد عذراً لعدم اتصالها. شعر أنها هزمته حتى من قبل بدء الجولة. كان نومه مضطرباً، نام عارياً من صوتها. 

ترددت في طلبه مساءاً. لا يليق بفتاة أن تتصل ليلاً برجل غريب. 
قلبها يخفق، قلبها أحمق يقول "قومي واطلبيه"، وعقلها أحمقٌ آخر يردد "عيب .. إنتظري غداً!". قاومت الأرق، ثم صباحاً، قاومت لهفتها وفضولها, في انتظار الساعة التاسعة. الوقت الذي بدا لها مناسباً للإتصال. كان رقماً من لبنان. طلبته دون أن تدري كم بإمكان رقم هاتفي أن يعبث بأقدارنا. ارتجف صوتها كما يوم جرّبته لأول مرة قبل أن تغني: ألو.. 
رد صوت رجل على الطرف الآخر: أهلاً. 
قال فاتحاً باب الكلام: سعيد بالتحدث إليك...كنت أستعجل هذه اللحظة. 
ردت بنبرة لا تخلو من الدعابة في إشارة إلى بطاقته السابقة: ظننتك تملك كل الوقت! قال: أن أملك الوقت لا يعني أني أملك الصبر... 
علقت بالدعابة نفسها: أما أنا فطوّعتني الحياة ...لا أكثر صبراً من الأسود! 
قالت مستدركة: شكراً على الورود...أسعدتني التفاتتك كثيراً. 
أجاب: منذ أول برنامج شاهدتك فيه وأنا أود ان أبدي لك إعجابي. 
سألته: أي برنامج تعني؟ تبدو متابعاً جيداً للبرامج التلفزيونية! 
رد : كنت أقصد المقابلة التي أجريتها في نهاية ديسمبر..أحببت حديثك. 
علقت ممازحة: ظننتك أحببت حدادي حين كتبت لي" الأسْود يليق بك". 
 رد: ربما كان عليّ أن أقول إنك تليقين به...الأسْود يا سيدتي يختار سادته. 
لم تجد ما ترد به. هكذا هم المشارقة، لا يمكن لأحد أن يجاريهم في انتقاء كلماتهم عند الحديث مع امرأة. ما كان من اللائق أن تسأله عن جنسيته. طرحت سؤالها بصيغة أخرى: هل تقيم في بيروت؟ أنت محظوظ...أحب بيروت كثيراً. 
رد: وبيروت تحبك..لقد خصص لك إعلامها إستقبالاً جميلاً. 
- صحيح ...أنا مدينة لها بانطلاقتي. 
علّق: لعلك يوماً تكونين مدينة لها بلقائي. ثم قال منهياً الإتصال: 
- رقمي معك... يسعدني سماعك. باغتها, لم يترك لها فرصة أن تضيف شيئاً. أغلق الجولة على جملة "يسعدني سماعك". بقي على جوع إليها. لكنه أبقاها ظمأى. خبرته تقول إنها ستعاود الإتصال به في حدود يومين. بعد انقضاء ثلاثة أيام دون أن يأتيه اتصال منها، بدأ يشك في نظرياته. في جميع الحالات، هو لن يطلبها، خاصة أنها اتصلت به من رقم أرضي قد لا يكون رقمها الخاص. بدأ يخطط لمواجهة الموقف الجديد عندما فاجأه هاتفها في صباح اليوم السادس. 
- أهلاً صباح الخير. 
لم يبد لها سعادته العارمة بسماعها، ولا سألها لماذا تأخرت إلى هذا اليوم. من المفروض أنه "يملك كل الوقت". هذه المرة استعمل معها اللامبالاة. تبادل معها كلمات مجاملة، لكنه لم يمنحها الوقت لتسأله عن إسمه. أعطاها الإحساس أنه في اجتماع. ثم ودعها قائلاً "أسعدني سماعك".

 إنه لا يشبه أحداً. يختار وروداً غريبة اللون، لا تشبه وروداً رأتها من قبل، مرفقة بكلمات ما قالها أحد قبله. طريقته المبتكرة في مطاردتها، في مقاربتها، ما عهدتها في رجل. برغم ذلك، هي تحافظ على مسافة الأمان.على لهفتها إليه تبطيء السير نحوه، فما أسرعت الخطى نحو رجل إلا وخانها رهانها. لن تقع في هذا الخطأ مجدداً. على هذا الرجل أن يشقى لينال علاماته. كانت تفكر بمنطق المعلمة، وكان القدر يقع على قفاه من الضحك. هي لا تدري بعد، أن هذا الرجل جاء ليعيدها إلى مقاعد الدراسة! 

بعد مكالمتين، فازت بمعرفة اسمه الصغير، لكنها اعتبرت فوزها كبيراً..إسم هاتفها " طلال". طلال كلماته تنتشر في حياتها مع الهواء. رجل لا تعرفه إلا قليلاً... ويعرفها كثيراً. أسكنها في مساحة وسطية بين باقتين وهاتفين، على حافة حرائق الإنتظار. مكالمة بعد أخرى، كان يراها تزداد تعلقاً, تلاحق هواتفه مداً وجزراً. أصبح لها عليه حق الحب، وله واجب العاشق في الإطمئنان عليها، والإطلاع على برنامجها اليومي، من دون أن يبادر أحدهما بقول كلمة حب للآخر. 

أخبرته أنها ستقيم حفلاً في باريس، عرض عليها أن يلتقيا هناك، مدعياً أن سفرها يوافق تواجده في أوروبا. بدأت تحلم بلحظة لقائها به، فهي لم تزر باريس إلا مرة واحدة مع والدها وأخيها قبل سنوات، يوم كان أحد أعمامها يقيم هناك. فكل ما تتمناه هو جلسة جميلة مع هذا الرجل. قضت يوماً كاملاً تجوب المحلات مع نجلاء، بحثاً عن ثياب أنيقة، تليق بإقامتها في باريس وبذلك اللقاء...وحين غدت أحلامها جاهزة للإقلاع، هاتفها سائلاً: أية ساعة تصل طائرتك؟ 
قالت: الساعة السادسة بتوقيت باريس. 
- على أي مطار؟ 
- مطار شارل ديغول. 
 - حسناً : سأغادر لندن بحيث أصل قبلك وأنتظرك هناك عند مخرج الركاب القادمين. أتمنى أن تتعرّفي إليّ وسط حشود المسافرين. 
ردت: في جميع الحالات، لن نضيع بعضنا البعض، فأنت تعرفني أليس كذلك؟ واصلت ممازحة: أو إحمل باقة الورد تلك كي أستدل إليك! 
رد بنبرة جادة: إن لم يدلك قلبك عليّ فلن تريني أبداً...وهذه القصة لا تستحق عندها أن تعاش! 
فاجأها بمنطق التحدي العاطفي الظالم لامرأة لم تره من قبل، ولا تعرف في النهاية شيئاً عنه. 
قررت أن ترفع التحدي.. 
قالت وهي تُنهي المكالمة ضاحكة: فليكن...موعدنا في مطار شارل ديغول! 

لم تكن تدري أي فخ نصب لها. لقد أوهمها أنه يحدّثها من لندن. كيف لها أن تتوقع وهو يطلبها من رقم فرنسي، أنه في الواقع لم يغادر وأنه يحدثها من بيروت! هو يعرف الآن عن تفاصيل رحلتها ما يكفي ليأخذ الطائرة نفسها، ويسافر معها في مقصورة الدرجة الأولى. فهي التي أخبرته سابقاً أنها ستسافر من بيروت، لعدم وجود رحلات في ذلك التاريخ من الشام. 

أقسى الذكريات وأطرفها، تلك التي عاشها يومها وهو جالس لمدة أربع ساعات على بعد خطوات من انشغالها عنه... بالرجل الذي كانت تتهيأ للقائه! كانت على قرب مقعدين منه، لكن أبعد من يوم شاهدها على شاشة التلفزيون. إنها أبهى من الشاشة، هي الآن على مرمى يده، وملء نظره. كان يمكن أن يقف ويسلم عليها. غير أنه أحب دور الرجل الذي لا تراه... ولا يرى سواها. تأملها وهي تطالع الصحف. لا أشهى من امرأة تجلس في الدرجة الأولى، وتترفع عن الإنهماك في الأكل .

 عندما حطت الطائرة، تركها تسبقه إلى مغادرتها.وجد نفسه خلفها ببضعة ركاب. لكنه أنهى إجراءات جواز سفره قبلها, ما أتاح له الخروج وانتظارها مع جموع المستقبلين. 

على نصف خطوة منه كانت... دون أن تبلغه. لم يحاول أن يقف في حيز نظرها، لعبة خطيرة تلك التي اختارها لامتحانها. هي هنا أمامه, هل الأهم الإمساك بها... أم التمسك بقراره؟ حدسه كان يقينه، هي لن تتعرف إليه. قرر أن ينسحب أمام أول خطأ, فهو لا يتقبل الهزيمة، ولا يرضى أن يُذل ولو أمام نفسه. 

 ما كاد بهو المطار يفرغ في انتظار وصول الرحلة القادمة، حتى رآها تغادر المطار خائبة. طلب سائقه على الهاتف. لمحها من زجاج سيارته تنتظر دورها أمام محطة التاكسي. تركها للمطر. إبتسم بمكر. قرر لحظتها أن يثأر لذلك الخذلان العاطفي بموعد لن ترى فيه سواه. 

 في الصباح عندما استيقظ، لم ينس أن يهاتف معهد العالم العربي، منتحلاً صفة صحافي، سائلاً عن عنوان إقامتها. سيواصل مفاجأتها. لكن بإشعارها بعد الآن أنها خسرته. 

ما توقعت كميناً محكماً كهذا، إنها لعبة غير نزيهة، ما دام وحده أحد الطرفين يعرف الآخر. ثم ...أما كان يمكن أن يكسر قواعد اللعبة في اللحظة الأخيرة معلناً أنه هزمها؟ أي انتصار هذا الذي يخسر فيه موعداً انتظره طويلاً! 

لو كان والدها أكثر حنواً وتفهماً، لربما بقيت في الجزائر... لكن, كثيرٌ عليها أن تخوض معارك ضد أهلها. في الثمانينيات، قصد والدها حلب لدراسة الموسيقى، فعاد منها بعد سنتين وكأنه تخرج من مدرسة الحياة. بينما كان عمها قد سافر في السبعينيات للعمل في فرنسا، وعندما عاد إلى الجزائر ليتقاعد، بدا وكأن تلك السنين في أوروبا لم تترك أثرا في عقليّته. وأصبح لا يتردد على بيتهم. ودون أن يعلن ذلك, كان واضحاً أنه رأى في احتراف أخيه الغناء ارتكاباً لفعل مستهجن يقارب الحرام. آخر زيارة لهم, لم ينتظر للعشاء. كان قد حضر ليأخد من أبيها تسجيلات ينشد فيها والده ابتهلات دينية في إحدى المناسبات ومضى. لقد كان المطربون على أيام جدّها مُنشدين، وأبناء طرق وزوايا دينية. وكانوا ثواراً أيضاً ومجاهدين، نجا بعضهم وسقط آخرون، كأحد أبناء مشيخة الزاوية المختارية، الذي أكتشف أمره. كان عازف كمنجة ويهرِّب وثائق الثورة بإلصاقها في جوف الكمنجة . 

 نامت متعبة. تمنتْ لو استقبلتها باريس بالأحضان. لكنها استقبلتها بالأمطار وبباقة ورد تقول"تمنيتُ ألا تخسري الرهان". هي ابنة المروج، نبتت بمحاذاة الأزهار البرية، فلماذا يطاردها بهذه الورود الغريبة اللون؟ لو أنها لم تتحدث إليه على الهاتف, لخالته أحد المرضى النفسانيين. لكنه بدا رصيناً وصارماً في قرارته، بقدر مكر مناوراته. ما توقعت وهي تقبل بقواعد لعبته, أنها كانت عند أول خطأ معرضة لصاعقة فقدانه. أيعقل أن تكون فقدته حقاً لمجرد كونها لم تتعرف عليه؟ إنتابها أسى خسارة شيء لم تتملكه أصلاً. لكن كان امتلاكه حلمها. طلبت أمها كى تُطمْئنها، وإلا فلن لن تنام هي الأخرى. لقد هدَّ الألم تلك المرأة، التي كانت في السابق قوية إلى درجة اتخاد القرار بمغادرة حلب قبل ثلاثين سنة، والإقامة مع زوجها في بلاد لا تعرف عنها شيئاً، والتأقلم مع ظروف ما كانت تشبه حياتها فى سورية. 

كانت تريد أمها تزويج علاء بنجلاء إبنة خالته؟ وتحاول إغراء نجلاء بأخلاقه. غير أن لعنة علاء كانت بالذات في وسامته وحسن خلقه. في الواقع، كانت أمها تخطط لجعله يغادر الجزائر، وينجو من بلاد بدأ يهيمن عليها الجنون، ويحكمها الخوف والحذر. 

ما ارتاحت أبداً لقراره الإقامة في قسنطينة لمتابعة دراسته في الطب. كان عذره أنها الجامعة الأكبر في الشرق الجزائري. وقد صدق حدسها حيث أنه ذاهب إلى بؤرة الأصولية، مُحملاً بعقيدة الحياة. وبرغم ذلك، حاول علاء على مدى أربع سنوات أن يضع مسافة الحذر بينه وبين زملائه. ثم حدث على أيام الرئيس بوضياف، أن قامت السلطات بمداهمة الجامعة، وإلقاء القبض على عشرات الإسلاميين، وإرسالهم إلى معتقلات الصحراء. عندها قرر علاء أن يترك الجامعة حال تقديمه امتحانات آخر السنة، إستجابة لإلحاح أمه، على أن يسافر لاحقاً إلى العاصمة لمواصلة دراسته هناك. 
كان يفصله عن الإمتحانات شهران، لكنّ القدر كان أسرع منه، ما مر أسبوع حتى حضر إلى الجامعة رجال الأمن، واقتادوه مع اثنين آخرين. من يومها أخذت حياته مجرى مأساة إغريقية. 
كانت معتقلات الصحراء تضم عشرات الآلاف من المشتبه فيهم، يقبع بينهم الكثير من الأبرياء، فلا وقت للدولة للتدقيق في قضاياهم، أو محاكمتهم. وجد علاء نفسه متعاطفاً مع الأسرى، بعد ما رآه من مظالم وتعذيب، وما عاشه من قهر وهو يحاول عبثاً إثبات براءته. بعد خمسة أشهر أطلق سراحه، لم يقم بين أهله أكثر من بضعة أسابيع، كان ثمة في كل حي شبكات تجنيد, أقنعوه بأن يلتحق بالجبال، ليضع خبرته في إسعاف "الإخوة" هناك ومعالجة جرحاهم. لم يستشر أحداً، ولا أخبر أحداً بقراره. تحاشى تضرعات أمه ودموعها، والغضب العارم لأبيه الذي ما كان ليقبل انحيازه ل"حزب القتلة". هاتفٌ مُقتضبٌ منه أخبرهم بذلك. قال إنه هناك ليعالج الناس ليس أكثر.كان يكره أصحاب البزات وأصحاب اللحى بالتساوي. إنتهى به الأمر أن أصبح ضدهما معاً. أدرك متأخراً أن اللعبة أكبر مما تبدو. 

 حاولتْ أن تُخرج أخاها من تفكيرها كي تستطيع النوم، فأمامها في الغد مشاغل كثيرة. أغمضت عينيها على منظر باقة التوليب. شيء ما يقول لها إن ذلك الرجل سيطلبها. كانت تلك الفكرة الوحيدة التي يمكن أن تدخل السعادة إلى قلبها. 

قصد مكتبه. قضى يومه منهمكاً في العمل لينهمك في نسيانها. أمدّ سكرتيرته الفرنسية بتاريخ الحفل وعنوان القاعة، ها قد أصبح يتصرف كصائد، يجمع كل التفاصيل عن ضحيته. 

هذه أول مرة تغني في باريس. ينتظرها جمهور جزائري وفرنسيون من المتعاطفين مع الجزائر، لقد غطى الإعلام حدث حفلها ضمن المتابعة اليومية لما درج على تسميته "المذابح الجزائرية". هاتفها ابن عمها جمال يعرض عليها الحضور إلى الفندق لمرافقتها إلى الحفل. هو يختلف تماماً عن أبيه. شاب عصري, أنيق، متفتح، فيه شيء من علاء.
 لتطمئنه أنها لم تفقد روحها الجزائرية الساخرة، قالت مازحة: لو كنت رايحة انغني في حفل بالجزائر ماخليتكش تجيي معاي...يلزمني واحد بحزام أسود للمصارعة ...أو بالأحرى أربعين مصارعاً لمرافقتي! 
علق جمال مازحاً: أنا مانيش بتاع هذا الشي ...خاطيني" الكاراتي"...في البلاد شوفي واحد آخر يروح معاك! 

ما كادت تُطل على الجمهور، حتى ارتفعت موجة من التصفيق والهتافات الوطنية، وراح البعض يلوح بأعلام الجزائر. شعرت بأن الذين حضروا لم يأتوا للطرب، بل ليعلنوا رفضهم للإرهاب. إنها هنا أمام أنصارها. جاء كلامها مذهلاً في تلقائيّته، قالت: ذات يوم...ساق الإسرائيليون سهى بشارة بطلة المقاومة اللبنانية إلى ساحة الإعدام... وسألوها عن أمنيتها الأخيرة في الحياة. ردت" أريد أن أغني" وراح صوتها يترنم بموال من العتابا الجبلية: "هيهات يابو الزلف عيني يا مولي, محلا الهوى والهنا والعيشة بحرية"... أشبعوها ضرباً وأعادوها إلى الزنزانة. وواصلت سهى بشارة الغناء. على مدى أعوام, إعتاد أسرى سجن الخيام سماع غنائها. صوتها البعيد الواهن, القادم من خلف قضبان زنزانتها, أبقاهم أشداء. فمن يغنّي فقد هزم خوفه ...إنه إنسان حر! 
عندما قام الإرهابيون باغتيال الشاب حسني، وقطف زهرة صوته، ما توقعوا أن يصعد شقيقه إلى المنصة، ليثأر لدم أخيه بمواصلة أداء أغانيه أمام جثمانه، أربكهم أن يواجههم أعزلٌ إلا من حنجرته.... بلى, بإمكاننا أن نثأر لموتانا بالغناء. فالذين قتلوهم أرادوا اغتيال الجزائر باغتيال البهجة. نحن هنا لنغني من أجل الجزائر، فوحدهم السعداء بإمكانهم إعمار وطن. وانطلق النشيد الوطني, ووقف كل من في القاعة ينشد (قسماً بالنازلات الماحقات...........فاشهدوا فاشهدوا) . 
ما كاد ينتهي النشيد حتى ارتفعت الزغاريد والهتافات، وصعدت سيدة إلى المنصة وقبّلتها ووضعت علم الجزائر على كتفيها. حيث تحل يقلدها الموت وسامه. هي ابنة القتيل وأخت القتيل. 
 كان ذلك الحفل أجمل ما عاشته منذ مأساتها. أدت فيه أكثر مما كان مقرراً من أغان. ثم عادت ببعض باقات الورود لتبكي ليلاً وحدها. أليس الغناء في النهاية هو دموع الروح؟ 

في الفندق، تأملت باقات الورد المتواضعة التي قدمت لها. إنها الأبسط لكنها الأصدق؛ من مغتربين بسيطين يقولون الأشياء دون تنميق أو بهرجة. بكت. هل حقاً "الجزائر تحبها"؟ 
 بدأت مشاكلها عندما راحت تصرح للصحافة الحرة، بأن ثمة جزائر للقلوب وأخرى للجيوب، وإرهاباً سافراً وآخر مُلثماً، وأن كبار اللصوص هم من أنجبوا للوطن القتلة، فالذين حملوا السلاح ما كانوا يطالبون بالديمقراطية بل بديمقراطية الإختلاس. ذات صباح, طلبها المدير ليخبرها أنها مفصولة من العمل. الذريعة أن الأهالي لا يريدون أن تُدرّس مُطربة أبنائهم. ذريعة تشكك كثيراً في صدقيتها. فما كانت مطربة حفلات ولا أعراس. هي لم تكن قد غنت سوى مرتين: مرّة في ذكرى وفاة والدها، ومرة في برنامج تلفزيوني. ثم إنها كانت محبوبة لدى الأهالي. ففي تلك الأيام، كان المهم أن تحفظ رأسك لا أن تحفظ درسك، مذ درج الإرهابيون على قتل كل من يحمل محفظة مدرسية، مُدرّساً كان أو تلميذاً. رأت أمها في قرار طردها إنذاراً أوّلَ, وسيليه ما لا تُحمد عقباه. ولأنها لم تشأ أن تترك قبراً ثالثاً في الجزائر، أخذت ابنتها وغادرت إلى سورية... 

لم تستطع أن ترفض دعوة بيت عمها. أخذت لهم ما في غرفتها من ورود، كي تمنح الحب حياة أطول.....سألها أبناء عمها مع فنجان الشاي: 
- لماذا لا تقيمين في فرنسا إلى أن يهدأ الوضع. 
 -أنا سعيدة مع أمي في الشام. - 
إستفيدي ..أطلبي بطاقة الإقامة ما دامت الظروف مؤاتية، ربما احتجتها لاحقاً. سيمنحونك حق اللجوء. نصف الجزائر انتقلت إلى باريس، معظمهم بملفات ملفقة.. منهم من يدعي أن السلطة تهدده وآخر أن الإرهاب يطارده. أنت يطاردك كلاهما... ثم جاء السؤال الذي لا مفر منه: سامحيني يا بنتي.. كيفاش مات علاء الله يرحمه حد ما قال لنا واش صار؟ 
ابتلعت دموعاً لا تريد أن تحتسيها في حضرة أحد. قصتة حدثت قبل سنتين... كان أخاها الوحيد. عندما عاد من معتقلات الصحراء، سعدنا لأنهم ، بعد خمسة أشهر, إقتنعوا ببراءته وأطلقوا أخيراً سراحه. لكن ما كاد يمر شهران على إقامته بيننا، حتى جاء من يقنعه بأن كل ما حدث له من مصائب هو بسبب ابتعاده عن الإسلام، أغروه بالإلتحاق بالجبل للإيفاء بدينه ومعالجة الجرحى من الإسلاميين ولو لبضعة أسابيع. ذهب علاء دون أن يخبرنا بقراره. 
- صاح جمال مندهشاً: مضى بملء إرادته إلى الإرهابيين؟! 
 -إن لهم قدرة على إقناعك بما شاءوا. بعدها...قضى أكثر من عامين متنقلاً بين المخابيء في الجبال، يعالج الجرحى ويولد النساء المغتصبات اللائي "سباهن" الإرهابيون بذريعة أنهن بنات وزوجات موظفين أو عاملين في "دولة الطاغوت". حين طلب السماح له بالعودة، غذى شكوكهم, فقد كانوا يشتبهون في كون الجيش من أرسله ليتجسس عليهم. تفتّقت حينها قريحة أحدهم عن اختبار شيطاني، أن يثبت لهم اعتناقه الجهاد بعودته لقتل والده، ويكون حينها آمناً على نفسه، بتصفيته من جعل من صوته "مزامير للشيطان". توقفت عن الكلام لتستعيد جأشها. 
سأل الجميع في الوقت نفسه: وماذا حدث؟! 
- أمام هول الإختبار، غدا مطلبه أن يساومهم على حياة أبيه ببقائه معهم. قال لهم إنه سيبقى في خدمتهم ما شاءوا مقابل ألا يؤذوا والده. ما كان يدري أن لا صفقة تُبرم مع القتلة، ولا توقع أن أثناء تواجده معهم أرسلوا من يقتل أبي. علم بذلك بعد أشهر عندما نزل من الجبل مع من نزل من التائبين في إطار العفو والمصالحة الوطنية. أخرجته الصدمة من صوابه. غدا مشبوهاً في عين الإرهابيين الذين لم يغادروا الجبال, وخشوا أن يشي بهم, فأرسلوا أحداً لتصفيته بعد شهرين من إقامته بيننا. 
كانت أول صدمة هي اكتشافه اغتيال أبيه في غيبته. سأل: " كيف قتلوه؟" وعندما علم أنهم (فقط) أطلقوا رصاصتين على رأسه، كان عزاؤه أنه لم يتعذب. فمن حيث جاء، شهد من صنوف التعذيب أهوالاً لا يمكن لنفس بشرية أن تتصورها.. 
 كم مرة تماسك كي لا ينهار أو يُغمى عليه خشية ألا يستيقظ أبداً. فلا مكان بين القتلة لضعيف. لكنه الآن وقد نجا، انهارت قواه تماماً، يعيش مع أخته وأمه مشلول الإرادة والتفكير، متشرداً بين القيم المتناقضة. لا تكف أمه عن ضمه والبكاء. قاوم دمعه عامين, لكنه الآن استعاد حقه في البكاء، فهو لا يغفر لنفسه ما سبب للجميع من أذى، ولا يدري ماذا عليه أن يفعل لإسعاد أمه. 
 كانت هدى قد أنهت دراستها قبله، بحكم تخصصها في الصحافة. لم يتقبل فكرة انتقالها للعيش في الجزائر. وما كانت هي جاهزة للتنازل عن فرصة قد لا تتكرر, في العمل مقدمة أخبار في التليفزيون. ما أن غادرت إلى العاصمة، حتى غادر هو إلى الجبال. عبثاً كانت هالة وأمه تحاولان استدراجه للبوح بما عاشه خلال سنتي غيابه. كان دائم التهرب من الكلام. لا يتواجد إلا بتوقيت الأخبار المسائية. كلتاهما تعرفان أنه ينتظر أن تطل هدى ليس أكثر. وهو الآن يود أن يعرف من بعيد، ما حل بها منذ سنتين إلى اليوم. ذات مساء وهو يشاهدها على الشاشة، خطر بذهنه أن يهاتفها على المحطة، حال انتهاء الأخبار. يريد أن يفاجئها! قرر أن ينزل ليطلبها من مقصورة هاتفية غير بعيدة من البيت. ظل رقم البدالة يدق لدقائق دون أن يرفعه أحد. ثم أخيراً رد صوت رجالي. وجد نفسه يقول له بارتباك: أود الحديث إلى الآنسة هدى. هل يمكن لو سمحت أن تخبرها أن علاء على الخط. 
- أطلبها غداً إن شئت! 
راح يلح : أود أن أتحدث إليها الآن في أمر هام. ليتك فقط تخبرها بإسمي. 
قال الرجل: ذكرني بإسمك. 
- علاء...علاء الوافي...إني أحدثك من الشارع، بالله لا تدعني أنتظر طويلاً. مرت أكثر من عشر دقائق. عاد الرجل ليخبره أن هدى أنهت برنامجها وغادرت على عجل، وأنه ما استطاع اللحاق بها. لكن... كان الخط مفتوحاً ولا أحد يرد ، سوى صوت طلقات رصاص اخترق دويّها سماعة المقصورة... 

في الغد كانت في انتظار الطائرة العائدة إلى بيروت، نزلت دموعها . لعل عيونها كانت تبحث عن ذريعة كي تهطل. لعله النجاح المفضي إلى الكآبة, أو لعله الفقدان, فقدان كل رجالها، بمن فيهم ذلك الذي منحها بهجة كاذبة، واختفى في هذا المطار نفسه الذي واعدها فيه يوم وصولها قبل أسبوع. ظلت حتى آخر لحظة تتوقع اتصالاً منه. الآن فقط بدأت تصدق قلبها الذي يوشوشها أنها لن تراه أبداً، وأن قدرها ألا تكون يوماً سعيدة.  

كانت قد مرت عدة أسابيع على عودتها من باريس عندما وصلتها دعوة لإقامة حفل خيري في القاهرة. راحت تفاوض أمها للسماح لها بالسفر إلى مصر, وتطمئنها بأنها ذاهبة لحفلة خيرية ريعها من أجل أطفال السرطان. وبذلك أقنعتها بالسفر وخاصة أن نجلاء اقترحت السفر معها. 
منذ أشهر وهي تدرس الموسيقى, والآن هي تشعر أنها مستعدة لمواجهة أصعب جمهور: وهو الجمهور المصري. 
لم يبق للحفل سوى ساعات, حينما بلغها أن أحدهم قد اشترى جميع بطاقات الحفل قبل أيام. لم تصدق الخبر ! كيف لشخص واحد أن يحتكر الحفل, ويحرم الناس من حضورها؟ سألت من هو هذا الرجل ؟ 
 - لقد حضر أحدهم ودفع المبلغ بإسم إحدى الشركات. 
أحست بأن هذا الرجل يهين سخاءها بثرائه. لقد تنازلت عن أجرها من هذا الحفل, وتبرعت به لصالح العمل الخيري رغم حاجتها للمال. 
كانت الساعه التاسعة تماماً حين جاء من يخبرها أن تبدأ الحفل. وجدت في احترام الوقت عزاء لكرامتها. إذن لقد حضر السيد الكريم على الوقت. بدأت الفرقة العزف تمهيداً لظهورها، ثم أطلّت على المسرح كبجعه سوداء داخل ثوب أسود, وشعر أسود مرفوع إلى أعلى. كانت فاتنة. لقد اختارت طلتها تلك لتبهر به جمهور مصر, لكنها تجمدت على المنصة وهي تتأمل المشهد الغريب. 
بالتزامن مع ظهورها, كان رجل فى الخمسين من عمره أنيق المظهر يدخل القاعة, محاطاً بمرافقيه. أخذ الرجل مكانه فى منتصف الصف الرابع. ثم حياها بحركة من رأسه وبدا جاهزاً لسماعها. أخذت قراراً بألا تحييه قبل أن تشرع في الغناء. وستغني لمدة ساعه ونصف فقط, ولن تسأله ماذا يفضل أن يسمع. حاولت ان تضبط مشاعرها. وتبقى على هدوئها, أن تغني للكراسي الشاغرة, كما لو كانت ملأى, لكن في نهاية كل أغنية, كان تصفيق اليدين الوحيدتين يطيح أوهامها . 
إنحنت انحناءة كاملة, رداً على وقوفه عند انتهاء الحفل, ووقفت الفرقة خلفها تحييه. أثناء ذلك, جاء أحد الموظفين وقدم لها باقة التوليب إياها. لم تشغلها تلك المفاجأة. فهي تتلقى تلك الورود منذ أشهر بعد كل حفل تقدِّمه. إلا أن قلبها خفق حين حضرت فتاة وقدمت لها وروداً حمراء غاية فى الفخامة. استنتجت أنها منه. 
غادرت إلى غرفتها محبطة. فلم يكن هناك أحد ليهنئها أو ليشكرها. فقد كان كل من موظفي المسرح فى وداع السيد الكريم. 

غادرت الى الفندق تحمل باقة التوليب معها. في الفندق, كانت نجلاء تهم بوضع الورود في المزهرية عندما عثرت على بطاقه صغيرة ملصقة بالباقة, مكتوب عليها (هل تقبلين دعوتي للعشاء غداً؟ حتما ستتعرفين عليّ هذه المرة. أنتظرك عند الساعة الثامنة على مركب الباشا ) هذه المرة لم تستطع إخفاء فرحتها .. 
تهيأت لموعده بزينة بسيطة. ذهبت إليه كفراشة السواقي. دخلت المطعم وألقت نظرة على مكانٍ لا يخجل من إشهار فخامته. فكّرت أنه ربما لم يحضر بعد, أو أنه موجود ويريد أن يختبرها مثل المرة الماضية, فهي لا تعرف شكله !! 
قررت أن تقلب قوانين اللعبة وأن تجلس على طاولة شاغرة, وليحضر هو إليها طالما أنه يعرفها. كانت تلحق النادل, حين وجدت نفسها أمام تلك الملامح, التي حفظتها لمدة ساعة ونص وهي تغني له. إنه هو, الرجل الذي غنت له أمس. وقف وسلم عليها وقبّل يدها وقال : إن سعادتي لكبيرة أن ألقاك اليوم أيضاً. قبل أن ترد أو تسترد أنفاسها, كان النادل يسحب لها الكرسي. جلست وهي تفكر بالرجل الآخر. علّق بعد أن لاحظ ارتباكها : هل يزعجك شيء ما ؟ ثم أردف وقال : أشكرك على سهرة البارحة, لقد أسعدني أن أنفرد بصوتك. 
- هل أحببت الأغاني التي غنيتها. 
- أحببت أن تغني لي وحدي. 
كانت تحدث نفسها أيظن نفسه إله إغريقى يجلس أمامي !! ما تريده الآن حقاً, هو أن تعرف من يكون هذا الرجل ولماذا لم يحضر الآخر ؟ 
-أردت أن تتعرّفي عليّ من ضوئي لا من خدعة الأضواء... لكنّ قلبك لم يدلّك عليّ تلك المرة أيضاً! 
-أقال أيضاً ؟ شهق قلبها من هول المفاجأة. إنه هو إذن ..هو من حجز القاعة لنفسه. أيكون ثرياً إلى هذا الحدّ, هل فرغ العالم من النساء لتغدو هي وحدها هاجسه ؟... 
إنه يوفر عليها كثيراً من الأسئلة, إنه يتكلم عنها أفضل منها, لا بد أنه استسقى ما يريد معرفته عنها من خلال مقابلاتها التلفزيونية وأخبارها الصحفية. كان في بالها السؤال الأهم : ولكن لماذا التواليب بالذات... وذلك اللون البنفسجي؟ 
- ربما كنتِ تفضيلينها حمراء, كتلك التى احتضنتها بالأمس ببهجة. قدّم لها بطاقة عليها إسمه الكامل فقط. ثم كتب عل ظهرها رقم هاتفه وقال: "كلميني متى شئت". 
شعرت أنها كمن فاز باليانصيب, وأنها تملك الرقم السحري, وكذلك الإسم الذي حيّرها لعدة أشهر. 

حين عادت إلى الفندق سألتها نجلاء هل كان وسيماً ؟ أجابت : بل كان الوقت وسيماً به. لم تكن هالة فى الواقع معنية بثرائه, بل بافتقارها إلى الصبر معه. 

حين هاتفته بعد أيام, كان قد غادر القاهرة, ولن يكون من السهل العثور على عنوان لموعدهما هذه المرة. لقد كانت حياتها ساكنة إلى أن جاء وألقى فيها حجراً فى بركة أيامها الراكدة. إنها لا تنكر منذ لقاءهما فى ذلك العشاء, لا تنتظر إلا هاتفه ... 

في بيروت انتظرت أن تحل ضيفة على برنامج تلفزيوني, عله يعرف بوجودها, ولكن لم يأتِ منه لا هاتف ولا ورود. دهمها حزن شديد من فقدان شيء عزيز, واجتاحها الآسى. إنتهت ليلتها وحيدة فى غرفة في ذلك الفندق الفاخر, وحيدة مع عذاب الإنتظار. 
صباح اليوم الثالث لوجودها فى بيروت هاتفها. لم تستطع أن تخفي فرحتها ... 
- قال: متى ستسافرين. 
-غداً, هل تحب أن أرسل لك ألبومي الجديد ؟ 
تفاجأت من جوابه: أحب ما لا تجرؤين على قوله! 
لم يسبق أن حشرها رجل بهذه الزاوية, ماذا يودني أن أقول، لقد استدرجها حيث شاء. وقالت ما تمنت أن تقوله حقاً : متى سأراك. 
- اليوم طبعاً... ما دمتِ ستسافرين غداً! . 
- أين سأراك ؟. 
- سأزورك في الفندق. 
- 423 . لفظت رقم غرفتها غير مصدقه نفسها, وأحست أن الأمور قد أفلتت من يدها. طبعاً "عيب" هذا الذي تقوم به. أغلقت الهاتف وهي تتساءل كيف أقدمت على أمر كهذا. 
لعنته وهي تراقب الساعة. ثم لامت نفسها لفرط توترها, ولأنها قبلت أن تستقبله فى غرفتها. من يكون ليفعل بها كل هذا ؟ وكيف سمحت له بإرباك حياتها إلى هذا الحد؟! 

دق هاتفها وقال صوته : إفتحي أنا هنا! 
تسارعت دقات قلبها وهي تتجه نحو الباب لتفتحه للحب. أغلق الباب خلفه. لكنه, لا يصافحها ولا ينحني ليقبل يدها ولا ينظر حتى لعينيها. 
 سألها بذلك الإشتهاء الملتبس : كيف أنت؟. 
- أنا جيدة... شكراً. 
تأملته, لم يكن يشبه رجلاً كانت تتصور أنها ستحبه. لكنها تحبه. بأناقته الفائقة, وتفاصيله المنتقاة بعناية ككلماته, بابتسامته الغامضة .. 
 جلست مقابله على الأركية الأخرى. بعد حديث قصير بينهما سألت نفسها أى رجل هذا؟ لم يكن جميلاً, بل أكثر, إنه يملك ثقافة الجمال. إنها الآن تكتشف مكامن ضوئه. كأنها تجلس الآن مكان تلاميذها لتستمع إليه يلقي درساً في مادة الحياة التي لم يعلّمها إياها أحد. نهضت وهي تخفي ارتباكها بسؤال : هل تريد شرب شيء. لكنه نهض بدوره معتذراً وقال: ثمة من ينتظرني على العشاء. لقد سرقت بعض الوقت لأسلّم عليك. وقفت مدهوشة وهي تراه يتجه نحو الباب. وقفت خلف الباب المغلق تودعه صمتاً. كزهرة توليب خذلتها الريح. اقترب منها ونظر الى عينيها ثم ترك شفتيه تلتهمان ما تمناه طويلاً . قبلة بمذاق التوت البري. راح في قبلة واحدة يشعل حطب الإنتظار كله. آن قطاف هذه الزهرة النارية. لم يضف كلمة أخرى إلى قبلته تلك. فتح الباب مندفعاً للخارج, بعد أن أودع جناحيها للنار. 

كان مطعماً متواضعاً في ريو دي جانيرو؟ كانت ضربة حظ أوصلته إلى إطلاق مشروعه في بلاد يقيم فيها أكثر من خمسة ملايين برازيلي من أصول لبنانية. في ذلك المطعم ولد حلمه بامتلاك مطعم للوجبات اللبنانية السريعة. تتمركز حول الأحياء الجامعية. وحين افتتح بعد خمس سنوات مطعمه الثالث في ذلك الحي الجامعي، لمح في إحدى زياراته تلك الفتاة اللبنانية اللافتة الجمال تتردد على مطعمه. كانت تدرس الحقوق وتحلم في الواقع أن تعمل في المسرح. فتاة أنيقة في بلاد السامبا..إنه شيء نادر. قال لها بما اكتسب من خبرة في إحكام شباكه: " حبنا هو أول قضية عليك كسبها....سأمنحك فرصة المرافعة لتكوني امرأة حياتي". لكأنه لفظ جملة سحرية. فهي تريد هذا الرجل. حارب والدها هذا الزواج بما استطاع من إغراءات، ثم من تهديدات، لاعتقاده أن فتاة في العشرين من عمرها غير مؤهلة لاختيار مستقبلها...ولأنها البنت الوحيدة بين شابين، ولا يريد أن يراها تتعذب مدى حياتها, بسبب خطأ اقترفته في شبابها. وفي النهاية استسلم لرغبتها حين رأى في ذلك الفتى المتّقد ذكاءاً وطموحاً، والمتمتع بأخلاق عربية عالية، ما يطمئنه. هو لم ينس لها يوماً أنها اختارته قبل أن يكون له إسم وجاه. وأنها منحته صباها وابنتين. حرص على ألا يؤذيها يوماً، ولا أن تسمع عنه ما يؤلمها. بعد أربع سنوات من زواجه بها، نزلت عليه ثروات ما توقعها. بحيث حقق في سنتين ما أجلسه على إمبراطورية تجارية، أصبحت تشمل سلسلة المطاعم، وتجارة البن، والعقارات التي راح يستثمر فيها أمواله. 

عادت إلى الشام من دون أن تكون قد غادرت الغرفة 423 بعد زيارته تلك. إنه احتلال غير معلن، من رجل شرع في اجتياحها رويداً رويداً، وهي الآن كائن محتلّ تهذي أنوثتها به، لا هوس لها إلا رؤيته وسماعه مجدداً. فجأة أصبح الهاتف نوعاً من أنواع الإستعباد والإهانة أيضاً. طلبته مرتين على جواله. وعندما لم يردّ، قررت ألا تعاود الإتصال به. بالتحديد بعد 192 ساعة، من تلك الساعة التاسعة مساءاً، التي زارها فيها في الفندق, ظهر رقمه ذات صباح على الهاتف. قاومت إلحاح رنينه, أمرت قلبها أن يكابر, أن يثأر لكرامة شفتيها. كيف تسنى له تقبيلها, ثم الإنصراف إلى شؤونه كأن شيئاً لم يحدث. 
 قررت أن تقاطع هواتفه، لتستعيد عافيتها، أو على الأصح، ليخف ألمها. قرأت يوماً أن راحة القلب في العمل، وأن السعادة هي أن تكون مشغولاً إلى حد لا تنتبه معه أنك تعيش، فهجمت على العمل طمعاً في نسيانه. كانت لها أمنية سرية أخرى، أن تتعلم العزف على العود، كي تعزف على العود الذي تركه والدها. أخذته إلى فراس، صديق يحترف العزف، وبإمكانه إيداعه لدى حرفي يمكنه تصليح ما ألحقه الرصاص بالعود من ضرر. بإمكانها أن تحكي تلك القصة. قصة أبيها الذي مات ذات مساء، وهو عائد من حفل زفاف كان قد غنى فيه. آخر موسيقى سمعها.... موسيقى الرصاص. كان برفقة أحد العازفين في طريقهما إلى السيارة. سقط كلاهما متكئا على آلة عزفه.عندما جاؤوا بجثمانه مع العود، حضرتها فكرة إخفاء العود. ربما عاد أحدهم لكسره, أو لمواصلة إطلاق النار عليه. كان العود قد اقتسم الرصاص مع سيّده, عاد العود إلى البيت، معلناً موت رفيقه الذي رافقه على مدى ثلاثين سنة، منذ أيام حلب يوم قصد أبوها سوريا لتعلّم الموسيقى. 
 ما كان لأبيها عداوات. لم يهدده أحد، ولا جادل يوماً أحداً. لكنّ الموت كان يثرثر من حوله. هل كان اغتياله بسبب غنائه ؟ كان يمكن للقتل أن يكون لأي سبب، ويمكن للقاتل أن يحمل أي وجه. فالكل يشك في الكل... ذهبت شكوك أمها نحو جارهم، شاب في أواخر الثلاثين إسمه عمار، عاطل من العمل، يقيم عند أهله؟ لم ترافق زوجته والدته لتقديم العزاء. إدّعت أمه أنه تعذر عليها الحضور بسب حملها. لكنه مارس سلطته على زوجته المبرقعة، لمنعها من أن تعزي في من يروج "لبضاعة الشيطان". ثم فجأة، اختفى عمار بعد أيام من مقتل والدها. بعد عام، نزل عمار من الجبال" أميراً". رفعته جرائمه إلى مقام" أمير كتيبة". عاد مع التائبين، مغسول اليدين من جرائمه، بحكم قانون العفو العام. لكن من يغسل قلب أمها النازف؟ وأي قانون ينسيها ترمّلها وثكلها ؟ ماذا لو كان عمار خلف مقتل علاء أيضاً، كما كان خلف التحاقه بالإرهابيين؟ إن لم يكن يد القتلة فهو عيونهم. 
 لعل ما روته لفراس، وهي تُعرّي وجدانها في حضرته، أكسبها صديقاً في وسط لا صديق لها فيه. هو يملك خصالاً رجولية تعشقها, كما أنه من حلب، مدينة أخوالها، وهي سعيدة بوجودها معه على حافة أحاسيس جميلة لا إسم لها، ومنها أنه يُذكّرها بعلاء. 

 كان أكثر انشغالاً من أن يتنبّه لقطيعتها الهاتفية. حاول أن يتصل بها مرتين ولم ترد, توقع أن تعاود مهاتفته, ولكنها لم تفعل, بدأ يساوره الشك. أتكون تعمّدت أن تطيل انتظاره ؟ أيعقل أن تجرؤ على أمر كهذا ؟ هو الذى تتهافت الإتصالات عليه ؟ لم يحدث لامرأة أن أحالته إلى هاتف خارج الخدمة. حاول أن يستعيد تفاصيل موعدهما الأخير, عله يعثر على سبب لعتبها. أيكون ندماً متأخراً على قبلته تلك؟ 
رفع السماعة وطلب رقمها. لم يصدق السرعة التى ردت بها. ولكن لم يكن صوتها. ردت عليه نجلاء: 
- ممكن أن أحكي مع هالة من فضلك. أنا صحافي من CBS أود الإتصال بها. 
- هالة مسافرة. هي في فرنسا منذ ثلاثة أيام. 
- هل من وسيلة للإتصال بها. 
 - ليس لدي سوى رقم هاتف فندقها. 
فى المساء دق الهاتف فى غرفتها بالفندق. وعند سماع صوته من هول المفاجأه فقدت صوتها للحظات غير مصدقة رنة صوته العائد بعد شهر من الإنقطاع. 
- كيف حصلت على هاتفي؟. 
 - دوما أحصل على ما أريد. 
- فعلاً... لا ينقصك الغرور. 
- أريد أن ألتقيك، هذه المرة لن تنتظريني أكثر من يوم ... سأحضر غداً إلى باريس وأصطحبك إلى مطعم جميل. 
- لا أرى قدومك مناسباً هذه الأيام. وفي جميع الحالات لن أتمكن من لقاءك. أنا أنام باكراً في الليل لأن أمامي كل يوم نهاراً طويلاً. 
- لا تقولين أنك ستنامين فوراً، كم الساعة عندكم في باريس. 
- الثامنة والنصف. 
- ساعتي أيضاً الثامنة والنصف ...غريب. 
 كانت تُواصل الحديث إليه عندما دق جرس غرفتها مقاطعاً. 
- لا بد أنهم خدمة الغرف... أنا لم أطلب شيئاً... أتكون أرسلتَ لى وروداً ؟ رد ضاحكاً: لا... ليس هذه المرة ! لن أقطع الخط سأنتظرك إفتحي الباب. 
لم يقطع الخط, ولكن قطع أنفاسها... كاد يُغمى عليها وهي تراه أمامها. أغلق هاتفه الجوال وأعاده إلى جيبه. نسيت أن تنظر إليه، أن تسلم عليه بيدها أو بشفتيها. ما كان لها من عيون إلا لما يراه خلفها من تواضع غرفتها. هل تدعوه ليدخل ؟ هل تستبقيه عند الباب ؟ هل تطرده ؟ لقد ضاع صوتها منذ تسمر أمامها، لكنه أدركها وقال: إني أنتظرك في السيارة...غيّري ثيابك وانزلي. 
كما في القصص السحرية. عربة فارهة كانت تنتظر سندريلا في الخارج. ما كانت تقودها الخيول. بل يقودها أميرها العاشق نفسه. إنها تعيش خرافة عصرية. لم يسألها أين ستتعشى. حجز لهما طاولة فى مطعم اعتاد أن يرتاده. إنه يحب هذا الفندق العريق بفخامته وأبهته. سألها إن كان يعجبها المكان. تفادت مكر السؤال. قال لها: لقد حجزت لك غرفة في هذا الفندق. 
- من قال إنني سأقبل ذلك ؟ 
- إقامتك هنا ستكون أجمل. لقد اخترت ما يليق بمقامك. فكرت أنه اختار عنواناً يليق بمقامه, الذي لا يسمح له بحب فتاة تقيم فى ذلك العنوان. فصممت على الرفض وعدم الإستسلام, ولكنه كعادته استطاع بلباقته أن يفحمها ويربكها كي تستسلم لعرضه. قال لها: سأرافقك إلى فندقك لتجمعي حاجاتك. ثم اطلبي سيارة أجرة للعودة إلى هنا. طوق خصرها بذراعه التي كانت ممدودة لتفتح لها باب السيارة. حشرها بين السيارة وصدره, وقال: يجوز الرد على بعض الأسئلة بالقبل. وقبل أن تستوعب الموقف, كان قد سحبها نحوه وراح يقبلها. 
 هو دائم الإحتراز من الحب، هل يحبها حقاً ؟ هو نفسه لا يدري. يحب جرأتها في الدفاع عن قناعاتها، وهزيمتها حين يجردها من قرارتها. هو فقط يؤجل أوان امتلاكها. 

في الصباح، هاتفها في فندقها الجديد، كانت قد غادرت الغرفة. لم يترك لها رسالة صوتية على جهاز التسجيل، حتماً ما كان ليفعل. كان يعنيه فقط أن يتأكد أنها نقلت إقامتها إلى الفندق الجديد الذي حجز بإسمها. حين طلبته ظهراً من المقصورة الهاتفية، وعدها أن يمر عليها مساءاً ليصطحبها إلى العشاء. 
- هل أعجبتك الغرفة؟ 
ردت مازحة: تعني الجناح...وماذا أفعل بجناح واحد؟ 
ضحك لدعوتها المواربة لرؤيته. قال : إذاً أنا من يطير إليك. كوني جاهزة عند الساعة الثامنة في البهو سأمر لاصطحابك إلى العشاء. 

قبل الثامنة بدقائق، نزلت إلى بهو الفندق. لم تكن الساعة في معصمها بل في قلبها. تفقدت زينتها أكثر من مرة. كانت تبدو جميلة، كما يليق بسندريلا أن تكون. جلست تنتظر قدومه في ذلك الصالون الأرستقراطي السقف والثريات المتدلية، حيث لا أحد يعرفها هناك. إنقضت نصف ساعة على وجودها في مهب الأنظار والإنتظار حين مر أحد الموظفين بلوحة مكتوب عليها اسمها. كانت مطلوبة على الهاتف. على الطرف الآخر، قال صوته بنبرة أخفض من العادة: عذراً...نسيت أننا نستقبل ضيوفاً على العشاء في البيت. تعشي حيث تعشينا البارحة, أو اطلبي عشاءاً في الغرفة. سأتصل بك غداً. تصبحين على خير. 

كان واضحاً أنها مكالمة مسروقة. ما ترك لها حتى ومضة، لوضع سؤال أو علامة تعجب. كلمات وانطفأت الفرحة في عينيها وذبل توهجها. عادت سندريلا إلى الغرفة تخلع بهجتها وزينتها التى هيأتها كي تليق باستقباله، بعدما قضت يوماً كاملاً في الإستعداد له. تطفيء الأضواء... لكنها لا تنام. تخلد إلى اللوم طويلاً. لا تغفر لنفسها أن تكون منحته فرصة الإستخفاف بها. كيف استدرجها ذلك الرجل إلى هذه الإهانة الباذخة!؟ 

صباحاً .....استيقظت على صوته. قال إنه في طريقه إلى المكتب، وأنه أحب أن يبدأ نهاره بسماعها. سألته إن كان له مكتب في كل بلد. وعندما رد بضحكة، سألته إن كان له في كل مرفأ امرأة تنتظر دعوته إلى العشاء. قال إنه لا يشترك مع البحارة سوى في حب البحر، وأنه لا يتقن السباحة. قالت: أما أنا فلا أتقن الإنتظار، ولا أنوي الإرتباط ببحار... لذا سأغادر الفندق هذا الصباح! 
رد مازحاً: لا تكوني جزائرية....أكلكم عصبيّون هكذا ؟ 
أجابت: ستعثر على نساء جاهزات بانتظارك في بهو الفندق. أنا ما انتظرت قبلك إلا القتلة. في محطة الحافلة، وفي بهو المدرسة، وفي مدخل البيت، وحتى وأنا في الصف, كنت أنتظر الموت لكن بكبرياء. كنتُ في انتظارك مجرد أنثى ...وقد كنتُ في انتظار الموت رجلاً. 
 ظل صامتاً. ما اعتاد نبرة كهذه ولا توقع كلاماً كهذا. كان مأخوذاً بغضبها، أجابها بأول ما خطر في ذهنه. لأول مرة تكلم دون اختيار كلماته. لأول مرة نادها بإسمها: هالة... ما أجملك غاضبة! أحب كبرياءك، ولأنك كبيرة ستغفرين لي. لا تغادري الفندق أرجوك، سأحضر باكراً اليوم، وأصطحبك في فسحة جميلة في غابة بولونيا. أنا أمارس رياضة المشي هناك. ارتدي ثياباً مريحة وحذاءاً رياضياً سنمشي كثيراً, وسأجعل كل الأشجار تعتذر لك. فهل تقبلين اعتذار الأشجار؟ .. نجح في تهدئتها. قالت: ما دامت الأشجار أنثى ...لكنني لا أغفر أن يخطيء رجل في حقي! 
أغلق الهاتف وتركها أمام مشروع جديد ومصاريف جديدة. عليها الآن أن تخرج للبحث عن ثياب رياضية وحذاء المشي من ماركة كبيرة طبعاً ! 
ياالله ...كم هو مكلف أن تكوني عاشقة ! 

على الساعة السادسة بالضبط حضر سيد الحضور العاصف، وانطلقت بهما السيارة نحو غابة بولونيا. برغم البرد، كان كل شيء يبدو جميلاً. كما لو كانت كل الكائنات تتودد للعشاق. كان وهو يمشي معها على ضفاف البحيرة التي تتزلج عليها بعض البطات، يُسمّي لها الأشجار واحدة واحدة، كما لو كان يعرفها بإناث سبقنها إلى قلبه. قالت ممازحة: لن تكون المنافسة صعبة إن كانت هذه الأشجار نساءك! 
رد بالدعابة ذاتها: برغم ذلك لا تطمئني تماماً لرجل يهرب من البشر إلى الشجر! 
قالت: ما أعنيه هو أنني أجد طريفاً أن يكون في ماضيك حريم من الأشجار. 
 قال: ليس من الرجولة الخوض في حضرة امرأة في موضعين: المال و" الفتوحات الرجالية ". وحدهم الأثرياء الجدد يتبجحون بثرائهم... والمحرومون من صحبة النساء يباهون بعلاقاتهم. 
قالت: لعلك إذاً شبعت نساءاً؟ 
 رد ضاحكاً: ربما أكون شبعت أشجاراً ! على الأقل بحكم عملي في صناعة الورق. يكفي أني أقمت في البرازيل حيث رئتا العالم. أشسع الغابات توجد هناك، وأيضاً مصانع الخشب والورق . 
- أي أنك تدلل الأشجار هنا، وتغتالها في مكان آخر! 
- لست من يغتالها. أنا أقدم الورق لكي يقرأ الناس. 
قالت مازحة: أنت تأتي هنا إذاً لتعتذر للغابات. 
جاء جوابه قاطعاً: لم يحدث أن اعتذرت! 
كانت نبرته جازمة. لاحقاً فقط, ستختبر كم كان صادقاً في قوله هذا. الآن هي لا تتعمق كثيراً في ما يقوله. سعادتها به تشل تفكيرها. لم يحدث أن كان أكثر تلقائية وصدقاً مما هو اليوم، ولا كانت أقرب إليه مما هي هنا. 
- إني في مفاوضات لشراء شقة غير بعيدة من هنا. بإمكانك في المستقبل إن شئت، الإقامة فيها عندما تزورين باريس. 
 ردت بسعادة: إنه حي جميل حقاً...فكرة جيدة أن تنتقل للإقامة فيه. 
 - الحي الذي أسكنه هو جميل كذلك. هذه ستكون شقة لضيوف الشركة حين يزورون باريس. 
 - أتوقع أن يكون بيتك فائق الجمال، ما دمت تفضله على بيت في هذه المنطقة. 
أجاب وقد التقط نبرة حزنها: البيت يصنع جماله من يقاسموننا الإقامة فيه. 
 استنتجت أنه غير سعيد مع المرأة التي تقاسمه إياه، وراحت تصنع من تعاسته المفترضة خبث سعادتها. قالت: كم أتمنى التردد على باريس.. لولا المشاغل التي تنتظرني في الشام. 
- مثل ماذا ؟ 
- لي حفلان في الشهر القادم، لا بد أن أستعد لهما حال عودتي. 
- وهل زرت فيينا ؟ 
- فيينا ؟ لا. ثم سألته: أتغني؟ 
-لا. أنا أصغي. لذا أعتبر نفسي أفضل من كثير من المطربين. أن تكون مستمعاً جيداً أفضل من مطرب سيء! 
- صدقت. 
- تعلمي الغناء من الإصغاء إلى حفيف الكائنات، كما الآن..أصغي إلى صمتك وأنتِ تمشين في هذه الغابة.. بالصمت نعرف متى يكون الوقت صحيحاً أو خاطئاً في الموسيقى ...كما في الحياة. 
- كيف تعرف هذا ؟ 
- ضحك. بعضه من الكتب، وبعضه من التأمل, لا يمكن أن تمضي بعيداً في الحياة، إن لم تضبطي إيقاعك. الإيقاع يمنعك من أن تنشّزي أو تلهثي، أو تمضي في كل صوب. توقف فجأة عن المشي وقال: لم يحدث أن استمتعت بحديث كما معك الآن، تدرين... أحتاج إلى ذكائك لأشتهيك. 
لاحظت أنه لم يقل لأحبك. 
ردت بخجل: لا أظنني ذكية إلى درجة الإشتهاء، أنا أجاريك في التفكير ليس أكثر. الذكاء في النهاية تمرين، وأنا قضيت عمري في التمرّن على قمع ذكائي، حتى لا يزيدني شقاءاً! 
توقف عن المشي وقال وهو يمرر يده على شعرها: لن تشقي بعد اليوم.. سنلتقي كلما استطعت، أنا أيضاً أحتاج أن أتحدث إليك. 
 تمنت لو قال "أحتاجك". حاولت استدراجه إلى تلك الكلمة. قالت: 
- أحب أن تحتاجني...الحب احتياج. 
صحّحها وهو يضمّها إليه : بل الحب اجتياح! 
راحت شفتاه تجتاحانها على مرأى من قبيلة من الأشجار. بدا لها أن قبلته طالت حد احمرار أوراق الشجر استحياءاً وغيرة, وأنه حين توقف عن تقبيلها, كانت الفصول الأربعة بربيعها وأعاصيرها قد عبرتها في بضع دقائق. 
أوصلها إلى الفندق وإحساس واحد يسكنه. كم كان يلزمه من شفاه، ليلثم في امرأة واحدة كل أنوثة الكون ! 

 أجمل لحظة في الحب هي ما قبل الإعتراف به. مرات كثيرة كادت تلفظها، لكنها مثله لم تقلها. يقول فيكتور هيغو " بعد الإعتراف الأول، لا تعود كلمة أحبك تعني شيئاً". لذا دافع كبار العشاق، عن شرف الكلمات " البكر" التي خلقت لتلفظ مرة واحدة. فبالنسبة لهؤلاء كلمة " أحبك " حدث لغوي جلل. يا للمسؤولية ! لهولها سعدت أنها لم تقلها له، ولا هو قالها. لكن قلبها سمع ما سكت عنه. دهمها شعور بالإثم, لا تريد أن تأخذ رجلاً من امرأة أخرى، ولا أن تتقاسمه معها. هي ليست راضية عن تصرفاتها، تشعر أن شيئاً فيها بدأ يتشوه. 

 برغم ذلك، حين عودتها إلى الشام صاحت نجلاء مبتهجة وهي تراها مجدداً: ماذا فعلت لتشعي بهاءاً كهذا؟ 
تضحك..تقسم...تؤكد. والله لا شيء. 
صاحت نجلاء: لا ! أكان هو إذاً ذلك الرجل الذي هاتفني؟ كم جميل أن ينتحل عاشق صفة صحفي ليفاجيء حبيبته! أنظري الآن كم أنت جميلة. حب هذا الرجل يُجمّلك! 
- لم ألتقِ به في باريس سوى ثلاث مرات، كيف له أن يجمّلني! 
 صاحت نجلاء: هناك حب يجعلنا أجمل وآخر يجعلنا نذبل. ثمة رجال يبثون ذبذبات سلبية غصباً عنهم، يأتونك بكآبتهم وهمومهم وعقدهم وعليك أن تنتشليهم بالحب من وحل أنفسهم. وهؤلاء لا أمل منهم. إن رجلاً جميلاً وأنيقاً ينقل لك عدواه ويجبرك على أن تضاهيه أناقة حتى لا تخسرينه، وألا تهملي مظهرك حتى لا تُبدين غير أهل له. عليك إذاً أن تكوني في قمة أناقتك بعد الآن وكأنك ستلتقين به أينما حللت، وأن تكون لكِ ثياب تليق بمرافقة رجل من مقامه. 
- تدرين... قرأت يوماً قولاً جعلني أحسم أمري في ما يخص موضوع الثياب." لا تحاول أن تجعل ملابسك أغلى شيء فيك حتى لا تجد نفسك يوماً أرخص مما ترتديه". 

تذكرت أنها لم تتصل بفارس منذ مدة. وكل ما تريده هو استعادة عود والدها. قال لها وهو يعيده إليها: صادف أن زارني البارحة صديق عازف، عزف عليه بعض الوقت. في الواقع لديه أمنية، أن يستعيره ذات مرة ليعزف عليه في إحدى الحفلات. إنه واحد من خيرة موسيقيينا. بإمكانك أن تثقي به. 
إنتهى بها الأمر أن تركت العود لديه. قالت لتبرّر قرارها: يعنيني العود لقيمته العاطفية، في الواقع أنا ابنة الناي. إنه الأقرب لوجداني. لكن إحساسي بالموسيقى تغيّر، بدأت أميل إلى الكمنجة والبيانو.

وجدت في قدوم عمتها من الجزائر لزيارتهم نعمة نزلت من السماء.عساها تشغل أمها قليلاً عن هواجسها. 
 لقد عاشت أمها الفاجعة في سنة 1982 يوم غادرت وهي صبية مع والدتها وإخوتها حماة، لتقيم لدى أخوالها في حلب، لم يكونوا ليستطيعوا العيش في بيت ذبح فيه والدهم، وهم مختبئون تحت الأسِرّة. سمعوا صوته وهو يستجدي قتلته، ثم شهقة موته وصوت ارتطام جسده بالأرض. عندما غادروا مخابئهم بعد وقت، كان وسط بركة دم, رأسه شبه مفصول عن جسده. كانت لحيته هي شبهته. كان الجيش دخل إلى حماة لينظفها من الإسلاميين, فمحاها من الوجود. كانت حماة الورعة التقية، تدفن ثلاثين ألف قتيل في بضعة أيام. كانت الذكريات تعود كما الأمواج. إنها الأمواج العاتية للحياة، تقذف بها مرة أخرى إلى الشاطيء نفسه، الذي غادرته قبل ثلاثين سنة، عندما تزوجت ذلك الجزائري هرباً إلى أبعد مكان من رائحة الموت، لكن الموت عاد بها، هاربة مرة أخرى من حيث جاءت، كان الموت ينتظرها في سيناريو آخر. هذه المرة ليس الجيش الذي يقتل الأبرياء بشبهة إسلامهم. بل الإرهابيون يقتلون الناس بذريعة أنهم أقل إسلاماً مما يجب! كانت امرأة منهكة, أكسبتها الفجائع حكمة الضحية. لا تتوقف عن التمتمة مسبحة. متأملة هشاشة الوجود الإنساني وعبثيّته. وهي ترى الآن قدرها يتكرر مع ابنتها. 
ما يعنيها الآن أن أمها تبدو سعيدة، تتسامر مع عمتها، وترافقها نهاراً للأسواق، مما يتيح لها السفر دون شعور بالذنب. فهي لا تحب أن تترك أمها بمفردها، وعليها أن تلبي عدة دعوات لتقديم حفلات في أكثر من بلد. 

 في البدء، كانت نجاحاتها تسعده. ثم بدأت التفاصيل المنقولة في الصحافة عن ظاهرة هالة الوافي واجتياحها لقلوب الناس أينما حلت، تزعجه بعض الشيء. لعله بدأ يتنفس أوكسيد كربون الغيرة، لكنه يرفض أن يعترف لنفسه أنه يغار. هاتفها ليطمئن إلى استحواذه عليها. 
قال: - اشتريت تلك الشقة في باريس وانتهيت من تأثيثها، بإمكانك الحضور متى شئت إن كنت ما زلتِ تحبين الغابات. 
- أفعلت هذا من أجلي؟ 
قال مازحاً: لا.... من أجل الأشجار طبعاً! وكان يعني: من أجل ثمار حان قطافها. 
ردت ضاحكة: لن تنجح في جعلي أغار من الأشجار . 

ليست الأشجار، بل الأصفار التي كانت ضرتها، وهذا ما يفسد فرحتها. كيف قبلت عرضه بأن تقيم في بيته؟ أي قدرة يملك هذا الرجل لجعلها تقبل بكل ما قضت عمرها في رفضه. احتارت في حل معضلتها: لو حجزت في فندق بسيط فسيعلم بالأمر. لو حجزت في فندق على قياس جيبه، فسيفرغ جيبها، وتفسد تكاليف الفندق فرحتها. ولو أقامت عنده لخالها فتاة سهلة. أمام ترددها في قبول عرضه، أقنعها بأن البيت في تصرفها وحدها، وأن ثمة نسخة واحدة من المفاتيح ستكون في حوزتها، وأنه اشترى البيت لإسعادها، ويعز عليه ألا تكون أول من يقيم فيه. هذه الجملة بالذات هزمتها. لعله يخطط معها لعلاقة شرعية. 

 سافرت بأحاسيس متناقضة لم تعرفها من قبل. في المطار، أملت على سائق التاكسي عنوان قدرها. تذكرت أمها، تراها عرفت أحاسيس مجنونة كهذه، لتغادر حلب وتلحق برجل غريب إلى بلدة جزائرية نائية! 

عند باب البناية الفخمة ذات الطراز المعماري القديم، دقت شفيرة الباب التي أمدها بها. أربعة أرقام وانفتح الباب الزجاجي. جاء البواب, سألها: آنستي ...هل يمكنني مساعدتك؟ أجابته مرتبكة كأنه سيتعرف إليها: أريد شقة السيد طلال هاشم. دبت فيه الحماسة وحمل عنها الحقيبة حتى باب المصعد. طلب المصعد, وقال: الطابق التاسع على اليمين. كان باب الشقة مفتوحاً. وجدته ينتظرها على العتبة. قبّلها على وجنتيها مرحباً وسحب الحقيبة إلى الداخل. لم يعلّق على حقيبتها الثقيلة أكثر من اللازم. سألها كيف كانت رحلتها من بيروت إلى باريس. لم يسألها عن رحلتها الأصعب تلك التي قطعها قلبها من المطار إلى بيته. ها هو إذاً. أخيراً هو. سعيداً ودوداً كما لم تره يوماً. لكنه على احتفائه بها نسي أن يضمها، راح يتأملها، بينما راحت تتأمل الشقة، في أناقة أثاثها القليل والمنتقى بذوق عصري راق. 
 - تعالي أريك المنظر. لحقتْ به إلى الشرفة. فتح ستارة النافذة. كان المنظر يطل على جادة تعبرها بعض السيارات، وعلى طرفها الآخر تمتد غابة تتوسطها بحيرة. 
 - تدرين ..كنت محظوظاً، قلّ ما تُعرض شقة كهذه للبيع. من هذا العلو أحظى بمنظر خلاب. الذين يقطنون هذه الأحياء الراقية قليلاً ما يعرضون ممتلكاتهم للبيع. إنهم يتوارثونها. شطارتك في أن تغريهم بعرض يفوق القيمة العاطفية لإرثهم. قال لها وهي في الصالون: عندي مواعيد في المكتب.ارتاحي قليلاً من السفر, سأعود مساءاً لاصطحبك إلى العشاء. واصل وهو يتجه نحو الباب: بالمناسبة أنا طاهٍ بارع. ذات مساء سأعد لك عشاءاً في البيت. أسعدتها الفكرة. لكنها أحزنتها لاحقاً. حين قال لها مساءاً وهما في المطعم " عندما أحب امرأة أطهو لها بنفسي". فقدت شهيتها وربما صوتها أيضاً. لم تسأله (هل حدث هذا مراراً؟) 

كان يتقن لعبة الغموض، في الواقع، توقف الأمر على أن يكون لعبة، مذ امتلك الحكمة والنزق في التعامل مع الحياة. الإنضباط سِرّ نجاحه. لم يحدث أن جمع بين امرأتين في مدينة واحدة. يحتاج أن تغادر زوجته باريس ليكون لامرأة غيرها. سعادته الآن في التوفيق بين حياتين متوازيتين، عليهما ألا تلتقيا، ويحتاج إليهما معاً ليحيا. كان دائم البحث عن امرأة تُفقده صوابه. يقوم من أجلها بأعمال خارقة. يمارس أمامها خدعه السحرية, يضعها في صندوق زجاجي, يشطرها وصلاً وهجراً إلى نصفين, ثم يعيد بالقبل جمع ما بعثر منها. إمرأة يخطفها لقضاء نهاية أسبوع فى فيينا, أو يلغي من أجلها مواعيده. 

إستيقظ صباح الغد بنية إدهاش الحب. لعله شعوره بالذنب وهو يتخلى عنها البارحة في ذلك البيت لتقضي أول ليلة بمفردها. قرر أن يخرج من قبعته إحدى المقالب السحرية. حسب تعليماته، على الساعة العاشرة تماماً، دق جرس البيت. نظرتْ من عين الباب. لمحت البواب برفقة شخص يحمل سلة ورد. فتحت الباب. شكرته وتسلمت منه باقة الورد. منذ متى لم تصلها منه باقة التوليب تلك؟ ربما منذ حفل القاهرة، قبل عدة أشهر. 
وضعت الورود على الطاولة وراحت تبحث عن البطاقة. لم تقع إلا على علبة صغيرة بشرائط جميلة. كانت منهمكة في فك الشرائط، حين انطلقت موسيقى من قلب العلبة. انتفضت. أخرجت جهاز هاتف من العلبة، وضغطت على أول زر صادفها. وضعت الهاتف على أذنها. جاء صوته: إشتقت إليك... 
ترك لها الوقت لاستيعاب المفاجأة. ثم أضاف: أحتاج أن أسمعك أينما تكونين. (كان عليها أن تفهم: أريد أن أعرف دائماً أين تكونين) وضعت لك في هذا الهاتف خطاً فرنسياً. بإمكانك استعماله أينما كنت في العالم. سألها: هل اشتقت إلي؟ 
ردت بصوت أفقدته المفاجأة نبرته: عليك اللعنة... كنت ستقتلني ! 
رد ضاحكاً: ليس اليوم..هل أحببت الدانوب الأزرق؟ إنها المعزوفة التي أحبها أكثر...أريد أن أراقص روحك كلما يدق الهاتف. ودّعها وعاد سعيداً إلى مشاغله. 

 كيف استطاع برمجة كل شيء لإدهاشها. وكيف لا... أوَليس سيد ضبط الوقت، وضبط الإيقاع. جوهرجي الدقائق وواهب الساعات ألماس عقاربها. 
حين حضر في المساء سألته: أتكون هذه هي السعادة؟ 
أجابها وهو يضمها: إنها مجرد تمرين عليها. 
- وهل ثمة ما هو أكبر؟ 
- سترين ... 
برغم ذلك لم تنس أن تبدي له رفضها القاطع السماح له بدفع فواتير هاتفها قالت: يسعدني أن يكون لي أخيراً رقم يربطني بالعالم أينما كنت. سأحتفظ بالجهاز وبالخط، لكن لن يدفع أحد فواتيري. البعض ينفق ماله في المطاعم، وآخرون في شراء السيارات، أما أنا، فقلبي أولى بالإنفاق، أنفق على عواطفي. نصف دخلي أشتري به كلمات. تدري أنني أحتفظ بكل البطاقات الهاتفية التي حدثتك عليها. 
رد: إحتفظي بها إن شئت، لكنني أحتفظ بحقي في دفع فواتير قلبك ما دام قلبك معي. هذا المساء سنبقى في البيت. ماذا تودين أن أعد لك ؟ إنتهى الأمر. هو لن يعود إلى موضوع الفواتير. لكنّ الأمر يزعجها حقاً. إن الهاتف" رجل حياتها" كما تقول نجلاء. ولن تقبل أن ينفق أحد على نصفها الآخر! 

كانت لوازم إعداد العشاء موجودة في المطبخ حسب قائمة المشتريات التي أحضرها السائق. تأملته وهو يختار القدر المناسب لكل طبخة. يعرف الدقائق الكافية لشيّ شرائح السمك. متى يضع الغطاء على الرزّ وهو يغلي...علقت متعجبة: ما ظننتك ملماً إلى هذا الحد بأسرار الطبخ! 
أجاب: أنا ذوّاقة ولست طبّاخاً ...تمنيتُ لو استطعتُ أن أدعوك إلى أحد مطاعمي لتتذوقي المطبخ الراقي الرفيع. مع الأسف يصعب علينا التواجد هناك معاً, ولكن جميل أن يرتاد الآخرون مطاعمي أثناء انهماكي في إعداد العشاء لمن أحب. لأول مرة سمعت منه هذه الكلمة، في اعتراف غير مباشر. خبَّأتها بعيداً في قلبها، ستحتاج إلى سماعها لاحقاً في وحدتها. دعاها إلى الصالون في انتظار أن يجهز العشاء. قال وهو يضع مقطوعة ل " كليدرمان": تحلّي بالصبر..سيكون العشاء شهياً. 
ضمها إليه... يكفيه الليلة أن يحتضنها. قال: أشتهي أن أشمك, أحب رائحة أنوثتك, لم يقل أكثر. لا يحب خدش حياء الكلمات. الحب الكبير يولد في حياء الغموض. هكذا هي اعتقدت دائماً. هي معه لا لمقاسمته ما يملك، بل لتكتشف ما كانت تملك ولا تدري به. 

 ما استطاعت النوم. ظلت تتأمل هذا الرجل النائم إلى جوارها يواصل احتضانها في نومه. عند الفجر فقط، استطاعت أن تنام على صدره، كتاباً مغلقاً على سره. كان في ضمته شيء من الأبوة التي تواسي يتمها السري... ورجولة مسالمة جردها النوم من سطوتها. كان له في آن, الحضور الحاني...والبطش العاطفي. يتقدم يوماً بعد آخر في اجتياحٍ مدروسٍ لامتلاكها. دوماً توقّفَ حيث أرادت له أن يقف. أنّى تمر يداه تُزهر أنوثتها، لكنها ترفض أن يقطفها. ما يُعطى بسهولة يُفقد بسهولة. كانت تطيل تمنعها, وكان هو يواصل اختبارها. قال لها وهو يقبلها مغادراً البيت صباحاً إلى المكتب: سأحضر في الساعة الثانية لأصطحبك إلى الغداء... وبعدها نذهب للتسوق. 

قال معتذراً وهما على طاولة الغداء: تمنيتُ لو اصطحبتك إلى أماكن كثيرة... لكنّي معروف في باريس. سأسعى لنلتقي في مدن أخرى. 
- لا تعنيني السياحة... أتفهم تماماً وضعك. شكراً على ما خصصت لي من وقتك. 
أجاب : بل على ما أعطيتني, وشكراً على ما لم تعطني. كل ما أتمناه أن تكوني سعيدة وألا تندمي على شيء. 
 ردت بحياء: لم يحدث أن ندمت في حياتي على شيء." الندم هو الخطأ الثاني الذي نقترفه". 

عادت إلى الشام في نزول اضطراريّ. إرتأت أن تتواجد أكثر في بيروت لتكون أقرب إليه. إحساسها يقول إنه سيتسنى له زيارتها هناك، لأنه سيتعذر عليها إيجاد ذرائع للتردد على باريس. لذا اختارت أن تقيم في شقة في أفخم أحياء بيروت. 
أبراج فاخرة في الرملة البيضاء تطل على البحر. صاحت نجلاء: جُننت! ستدفعين في الإيجار ما يعادل ثمن شقة في الشام. 
- ربما زارني...لا أريد أن أبدو أمامه مقيمة في حي متواضع...أنت لم تري بيت هذا الرجل ولا عالمه. 
 - يكفي أن أراك لأفهم أنك فقدت صوابك... ثم شقة كهذه يلزمها أثاث كثير. عهدتك بخيلة على نفسك. هل اكتسبت منه عادة الهدر؟. 
- أنا لا أنفق على نفسي، أنفق على كرامتي. 
- ومن أين لك المال؟. 
- من الحفلات. أمامي عروض كثيرة. الصيف على الأبواب.. إنها مواسم المهرجانات.  

زفت له أخبار حفلاتها القادمة. سألها بلغة رجل الصفقات: كم ستجنين من كل هذا؟ وعندما سمع الجواب قال: لا تغنّي في هذه المهرجانات. أنتِ أكبر من هذا الحدث ومن هذا الجمهور. 
- لكن مطربات شهيرات ستغنّين فيه. 
- الشهرة ليست دليلاً على عظمة أصحابها...هل ستغني فيه فيروز مثلاً ؟ فلا تقيسي نفسك إلا بالكبار إن شئت أن تكوني كبيرة. 

شعرت بأنه يريدها نسخة أنثوية عنه, وأنها ستخسره إن هي صغرت أو فشلت. لكنها فكّرت أن إلغاء العقدين يُوجب عليها جزاءاً ليس في متناولها. إضافة إلى عجز في دفع إيجار الشقة. هاتفته وبررت له التزاماتها تجاه متعهد الحفل. إستمع إليها ولم ينبسّ بكلمة. وعندما انتهت المكالمة لم تكن تدري أن صمته سيدوم شهرين. ينهار فيها صمودها, تهاتفه لا يرد. تبكي... ويضحك الحب . 

سيظل يخطيء في حقها ثم يمنّ عليها بالغفران, عن ذنب لن تعرف أبداً ما هو, لكنها تطلب أن يسامحها عليه. هكذا هن النساء إن عشقن! 

كيف وقع تحت فتنة هذه الأنثى ؟ برغم براءتها تلك تزعجه, وعنادها يتعبه. ثمة إغراء في أن تكون المرأة ماكرة ومتطلّبة . يطمئنه أن تستغله, كيف يطمئن لامرأة لا تحتاج إليه؟. 

رن هاتفها طويلاً ذلك الصباح. كانت تأخذ حماماً فتأخرت في الرد. لم يقل صباح الخير, لم يقل أهلاً. قال : هل تمنحيني هذا الفالس؟ 
فقدت صوتها وهي تسمع صوتاً انتظرته شهرين كاملين على مدى الليل والنهار، ردت تحت صاعقة المفاجأه : أي فالس؟ 
- أنتظركُ هذا المساء على العشاء في فيينا... عندي لك مفاجأة جميلة. أحضري معك ثياباً للسهرة وذلك الثوب الأسود الذي ارتديته في القاهرة. 
لا تدري بأي منطق ترد عليه...أليس هو من قاطعها شهرين ؟! وهي بكافة الأحوال غير جاهزة للسفر. قالت: أحتاج على الأقل إلى يومين. لدي التزامات كثيرة. 
- كل ما تحتاجينه هو حجز تذكرة على متن الخطوط النمساوية. وعند وصولك سيكون سائق الفندق بالمطار بانتظارك. ظلت تستمع إليه بذهول, وقبل أن تلتقط أنفاسها واصل: لن أرد على الهاتف بعد الآن ..أنتظرك في بهو الفندق. 
نظرت إلى ساعتها. شهقت. ياالله ! الوقت يمر بسرعة. ما تحتاج إليه أولاً هو كذبة قادرة على إقناع والدتها بمبرر سفرها المفاجيء. 

 بعد عشرين دقيقة من وصولها إلى أرض النمسا, توقفت بها السيارة أمام مبنى في فخامة قصر عريق من الزمن الجميل, ما توقعت أن يكون فندقاً. وما كادت تدلف إلى الداخل حتى رأته جالساً في بهو صالون يتحدث في تلفونه. ظلت واقفة بانتظار أن يُنهي مكالمته، كان أنيقاً أناقة لافتة. 
توجه نحوها مرحباً, لم يضمها. أخذها بما أوتي من نظر. جاءته جميلة كمكيدة. هذه الأنثى التى كلما رفع سقف التحدي عالياً, قفزت أعلى من توقعاته، لتثبت له أنها أنثى التحديات الشاهقة. 
قالت بضحكة : هاقد جئتك ..إني أضاهيك جنوناً ! 
رفع يدها إلى فمه، وضع قبلة عليها, وقال : شكراً على قدومك، هذه لحظة خرافية! 

ليست اللحظة وحدها، كل شيء كان خرافياً فى أبهته وفخامته. كان قد حجز جناحين متصلين بباب. الجناح شقة من عدة صالونات، وسرير ملكي شاسع, ومغطس حمام دائري. لكنها قررت ألا تنبهر بشيء. وحدهم الفقراء ينبهرون. ستتصرف كما لو أنها الإمبرطورة (سيسي)! 

 ضمها إليه طويلاً, لثمها, ثم قال : علينا ألا نتأخر.. يجب أن نستعد للعشاء. هل أحضرت ثوب السهرة الأسود...ذاك ؟ ذهب إلى جناحه يغير ملابسه. وعندما عاد توقف للحظة يتأملها منخطفاً بحضورها. كانت قد ارتدت الثوب الأسود الطويل ورفعت شعرها إلى الأعلى... وضع قبلة على عنقها. قال وهو يخاصرها مغادراً الجناح : كم اشتقت إليك ... 
حال دخولهما القاعة، راحت فرقة العزف تعزف مقطوعة بهيجة الإيقاع لتحيتهما, بينما سبقهما نادلان ليجلساهما على أجمل طاولة جهزت بأعلى فخامة. هو حتماً تابع تفاصيل هذا العشاء, واختار المقطوعات التى ستعزف ومتى، وزينة الطاولة, وما سيقدم عليها من أطباق. 
كان كل شيء حولها جميلاً كحلم. حتماً هي تحلم. من أجلها تُعزف ألحان شوبان وشتراوس، وأمامها الرجل الذي تعشقه يحتسي نبيداً فاخراً, ويسألها وهو لا يراها تأكل كثيراً: هل أطلب لك شيئاً ؟. 
ردت بمزاح يخفي حقيقة أمنية: خلتك جئت بي كي تطلب يدي! توجه صوبها وهو يمد يده نحوها: أمنحيني يدك..أريد أن تهديني هذه الرقصة. 
 هو لم يجب عن سؤالها، بل ترك لها بصيغته تلك أسئلة جديدة. ردت مرتبكة : لكنني لا أجيد الرقص! 
 قال وهو يخاصرها ويمضي بها نحو القاعة: أريد أن أراقص قلبك لا قدميك. 
وضع يداً أسفل ظهرها, كما لو كان يطوق فراشة, ثم بيده الأخرى أمسك بيدها ورفعها كى يدور بها فى فالس يزداد تسارعاً كتسارع أحلامها به. 
كانا عاشقين يرقصان فيزدحم بهما الحب نشوة. هى لا تريد امتلاك المكان بل اللحظة, هذا الدوار العشقي تريده دواراً أبدياً. هذا رجل لا تسع نشوته قاعة, إنه يرقص على حلبة الحياة, بحركات أنيقة خفيفة متناغمة. كان في الجو من السعادة ما أصابها بالخدر.. 
رافقها إلى جناحها، قال وهو يدلّها على باب لم تنتبه لوجوده: هذا الباب يفتح على جناحي، عندما تشعرين بالرغبة في الإنفراد بنفسك، يكفي أن تغلقيه. لن أزورك إلا إذا وجدته مفتوحاً. 
 - أنا في ضيافتك ولن أغلق باباً في وجهك. 
- ولأنك في ضيافتي، سأحرص على ألا تكوني رهينتي...أظنك متعبة بعد يوم من السفر... سأدعك تخلدين للنوم. 

خلف الباب، كان ينام فارس من الزمن المعاصر، يحب تدليل فريسته، لأنه في كل ما يفعل يدلل نفسه أولاً، وفي كل قانون يضعه، يتضمن البند الأول، أن يكون هو السيد الأحد. 

سألها في الصباح ماذا تريدين أن تزوري في فيينا. 
- ليس لي أية فكرة عن هذه المدينة. لكنني شاهدت قبل سنوات فيلم " الإمبراطورة سيسي". أتمنى أن أزور المكان الذي عاشت فيه... وصوروا فيه الفيلم. 
قال: توقعت أن تبدئي باكتشاف المعالم الموسيقية، إنها السمة الأولى لفيينا. الموسيقى هنا ليست من الكماليات، بل نمط حياة. في جميع الحالات سأطلب من السائق أن يأخذك إذاً لزيارة قصر شونبرون..أعذريني لن أستطيع مرافقتك، عندي مواعيد عمل هذا الصباح. توقعته جاء لفيينا من أجلها. كانت نجلاء على حق، هو يأتي بها حينما يشاء وحيثما يشاء، حسب برنامج ومواعيد عمله، وعليها وحدها أن تضحي بأعمالها. لم تقل شيئاً. لعله سيرافقها غداً. ودّعته واتجهت صوب الباب تنتظر السائق. حين لمحت الرجل الجزائري الذي سلم عليها في المطار، يهم بدخول الفندق برفقة رجل آخر. توجه نحوها مسلّماً بحفاوة. قال: سعيد أن أصادفك مجدداً.. أنا كمال ساري، التقيتك في المطار.. تذكُرين؟ البارحة جئت على ذكرك مع صديقي، فكرنا في مشروع يمكن أن يهمك. حسنٌ أننا صادفناك هنا. عرّفها بصديقه عز الدين...توقعت كل شيء إلا أن تلتقي بجزائريين في ذلك الفندق ! لا تدري كم من الأحاسيس عبرتها في لحظة واحدة. مزيج من الزهو والحنين والفضول والخوف من انفضاح أمر وجودها في الفندق في ضيافة رجل...علمت من كمال أنه موجود هناك ضمن وفد جزائري من الخارجية. ما كان يعنيها هو أين يقيمان؟ تنفست الصعداء عندما عرفت أنهما حضرا إلى هذا الفندق لموعد خاص ليس أكثر. 
 وقبل أن يودعاها، أمدها الرجل الآخر ببطاقته. قال: هذه أرقام هواتفي... أعمل في الأمم المتحدة. تجدين هنا كل الطرق الموصلة إليّ أينما كنت. لن أطلب منك هاتفك، أثق أننا سنلتقي! ردت بجواب ساذج " إن شاء الله"! لكن وهي تركب السيارة تمتم قلبها "الله يستر"! عادت بتوقيت الغداء لتجده ينتظرها في مطعم الفندق. حاولت ألا تطيل الغداء حتى لا تلتقي بالجزائريين أنفسهم، أو بغيرهم من الوفد. سألها وهو يقف لاستقبالها: كيف وجدت قصر شونبرون؟ 
- مبهر... فخم إلى حدّ يأخذك من نفسك... 
 قال مازحاً: في ساعتين بلغت هذه المرتبة من الفلسفة! أزعجها استخفافه بها. ردّت: استنتجتُ في ساعتين ما تعلمته في عمر. أنا ابنة الجبال، وأدري أن الفخامة تُشوهنا لأنها تجعلنا غرباء عن أنفسنا ! 
قال: رأيتك تتحدثين إلى رجلين هذا الصباح... من هما؟ 
ردت بتلقائية: إنهما معجبان... التقيت بأحدهما في المطار يوم قدومي. أعادته كلمة "مطار" إلى الذاكرة البعيدة معها. يوم لم تتعرف عليه . 
- أأعطعيتهما رقم هاتفك؟. 
- لا. 
- رأيتك تكتبين شيئاً. - كتبتُ كلمة إهداء لزوجة أحدهما، لأنها طلبت مني ذلك. سألها ببراءة كاذبة: بالمناسبة، قليلاً ما تستعملين الهاتف الذي أهديتك إياه... فواتيره شبه ثابتة. أجابت: أستعمله عندما أكون في فرنسا. في الخارج أستعمل هواتف محلية، أو بطاقات هاتفية لأن التسعيرة تصبح مضاعفة خارج فرنسا على هذا الخط. 
ردّ: قلت لك لا تشغلي نفسك بهذه التفاصيل. 
- لا أحب هذا الهدر..أيّا كان من يدفع. تدري كان يجب أن أكون اليوم في بيروت لتسجيل شريطي الجديد. 
 - لن أقبل بأن تقدمي حفلاً قبل سنة من الآن. ولا أكثر من حفل في السنة. سأعوض كل خساراتك المادية. أريد أن تتفرغي لدراسة الموسيقى في معهد محترم بدل هدر وقتك في إقامة حفلات لا تضيف إلى رصيدك الفني شيئاً. 

ما يُحيّرها، أنه لم يمتدح صوتها يوماً، ولا أبدى إعجابه بفنها. أتراه يُحجّم النجمة ليتمكّن من الأنثى كما تقول نجلاء؟ 

كما تمنت عليه، قرر في الغد العشاء في الجناح. كانت ليلة صيفية حالمة. أمر أن تُمد الطاولة في الشرفة المطلة على منظر آخاذ. إستعادت عافيتها وهي ترى ذلك المنظر المفتوح على شساعة السماء. 

 سألها : متى حجزت لعودتك إلى الشام؟ 
أجابت: بعد أربعة أيام. 
علق على كثرة انشغاله : تباً لهذه الإجتماعات. لقد مر الوقت بسرعة. سأسعى إلى أن نقضي وقتاً أطول معاً. 
قالت: لا أفهم أن تكون مشغولاً دائماً. 
- عليّ أن أتعب لينعم الآخرون برخاء أكبر بعدي. 
- أنت من أخترت أن تكون لك مع الحياة هذه العلاقة العاصفة. 
 - أحب أن أنفق ثروتي في إغراء الحياة... ما دام مالي سينتهي لدى رجال سيبرعون في إغراء نسائي! 
- نساؤك ؟ 
- أعني زوجتي وابنتيّ! زوجتي ما زالت جميلة. وستعاود الزواج من بعدي... وكذلك ابنتاي... سيتدافع الرجال للفوز بأوراق اليانصيب الرابحة! 
 - ولماذا أنت واثق إلى هذا الحد مما سيحدث؟ 
- لأنني لا أثق في النساء، لا أمي انتظرت أبي... ولا تلك الفتاة التي أحببتها انتظرتني يوم سافرت إلى البرازيل. 
- ما أدراك بظروفهنّ! ثم ... لو أن تلك الفتاة انتظرتك، لبقيتَ في بيروت ولما حققت كل هذه المكاسب. إن الحياة لا تعطيك شيئاً إن لم تأخذ منك مقابله شيئاً آخراً. 
- تعنين ما أعطتني من مال؟ وما نفع مال يفقدك ما هو أثمن منه؟ الثراء نفسه عندما يزيد عن حده يصبح خطراً على صاحبه. 
 - تدري..كثيراً ما أتمنى أن تُفلّس كي ينفض الجميع من حولك...فلا يبقى لك سواي. 
- وهل لي سواك؟ 
كان قد بدأ بشرب الكأس الأخير من الزجاجة دون أن يشعر وقد بدا عليه التلعثم !! قالت: أراك تملك كل أسباب السعادة. ولا أرى سبباً لتذمرك. قال الرجل الثمل: السعادة ليست في ما تملك...لكن الشقاء في ما لا تملك. غالباً ليس بإمكان ما تملكه أن يصنع سعادتك، بينما أنّ ما تفتقده هو الذي يصنع تعاستك. أجابت: إنها النفس البشرية لا تعرف القناعة..صدقاً لا أرى ما الذي ينقصك لتكون سعيداً... 
أجابها بما فاجأها: ينقصني كل ما لا يُشتري ...وتملكين: الشجاعة. 
- الشجاعة ؟! 
- طبعاً. نحن كلما نزداد ثراءاً نزداد جبناً، خوفاً على مكاسبنا... أحسدك على خساراتك لأنها ما عادت في متناولي... أضاف كما لو أنه تذكر شيئاً: وأيضاً على طمأنينتك ...أنت تثقين في الجميع...أنا لا أثق بأحد. تدرين شقاء إنسان قدره ألا يصدق أحداً، لأن لا أحد يحبه لنفسه. 
- ليتني أستطيع أن أعطيك ما تريده! 
- ما أريده هو صبيّ...صبيّ يحمل إسمي، يرث ثروتي، يحرس شرفي...لكنها أمنية مستحيلة. زوجتي لا تستطيع أن ترزق بطفل ثالث. وهذه قسمتي في الحياة. لن أطلّقها، ولن ألجأ لذرائع دينية لأتزوج عليها. إنّها أم بناتي وأنا أحبها. سألته بنبرة محطمة: وأنا؟ 
- أنتِ أمّ إبني الذي لن يأتي. 
قالت: تصبح على خير. 

سبقته...وتركت الباب خلفها مفتوحاً. دوماً تركته موارباً. لو أغلقته لعاتبها قلبها، ولو تركته مفتوحاً لأنّبها ضميرها. الآن هو يحاول اجتياحها على سرير. يريد أن يشعلها هذه الصبية ذات الأحلام البريئة. يود الإستحواذ على مباهجها جميعها. زاد تمنعها من اشتهائه لها. إن لم يقطفها الليلة فسيجني سواه ثمارها, ربما أشعل فتيلها رجل سيأتي بعده. لكن، مَنْ سواه يعرف نفخ النار في جمر الصبايا، من دون أن يبطيء فتنطفيء الشعلة، أو يُسرع فيضرم ناراً تأتي على كل شيء؟ 
هي تريده لكن ليس حد فقدان صوابها. لقد قال في تلك السهرة ما يكفي لتعي أنه لن يكون يوماً لها. فبأي حق يحوم في البساتين المحرمة. تمتمت وهو يحاول أن يخلع عن الوردة أوراقها: لا أستطيع. كان يكفي كلمة واحدة لتطفيء توهج اندفاعه, وتسكب الماء على نيرانه. 

ظلت طويلاً مستيقظة من بعده، تستمع إلى أنفاسه على مقربة منها. نامت وهي تفكر فى غطاء الزجاجة الذي غافلته وأخذته من على الطاولة, ودسته فى حقيبة يدها، ذكرى لزجاجة نبيذ كانت أغلى من كل توقعاتها. ها قد أصبح لديها مؤونة كاملة من الذكريات. أشياء صغيرة تتشبّث بها, ستواصل الإستماع إلى ثرثرتها يوم يصمت الحب. 

أمام فطور الصباح، حاولت أن تكون مرحة, قالت : البارحة كنت تحتاجني حاجة المذنِب إلى القس, وحين انتيهت من اعترافاتك خلدت إلى النوم. لقد أسعدني أن أكون قسك .. 
رفع يدها يقبلها قال: وحبيبتي. 
واصلت بروح الدعابة نفسها : وأمّ ابنك الذي لن يجيء! 
توقف لحظة عن احتساء قهوته، وبقي صامتاً طوال الفطور، يستمع إليها تحكي عن مشاريعها للذهاب إلى السوق، وزيارة بعض المعالم الفنية. ككل صباح، كلف السائق بمرافقتها. قال وهو يضع قبلة على خدها: أعذريني، لي مواعيد هامة هذا الصباح... ربما رافقتك غداً. 

إعتاد في كل علاقة مع امرأة أن يُبقي مسافة للغموض. سطوته تكمن في سره. فكيف أفلت لسانه, فعرى لها وجدانه, كاشفاً لها عن كدمات روحه ؟ 

عادت ظهراً محملة بالمشتريات. أقتنت تحفاً للتذكار، كي تزين بها شقتها الجديدة في بيروت، لكن أجمل مقتنياتها كانت لعبة شطرنج فاخرة. كانت لعبة تجسد ولع فيينا بالموسيقى، في لونين من كريستال شواروفسكي الأسود والأبيض. هي حتماً أغلى هدية اشترتها في حياتها، لرجل لا تلمس يده إلا الأشياء الثمينة. إستفادت من عودتها قبله، فأخفت في حقيبتها ما اشترته من مقتنيات تذكارية، تماثيل نصفية صغيرة لأشهر موسيقيّي فيينا، أرادت أن يراها لأول مرة حين يزور شقتها في بيروت. 
أخذت بطاقة من بطاقات الفندق الموجودة على المكتب، وكتبت له: " تحتاج لعبة الشطرنج إلى لاعبين اثنين ..أجمل الجولات تلك التي تدوم عمراً". فكرت أن تخفي الهدية مع البطاقة في خزانته. عادت إلى جناحها لترتاح قليلاً قبل موعد العشاء. ثم انتابها الرعب نفسه، ماذا لو صادفت الجزائريين وهي تغادر الفندق بصحبته. ستفتح عليها جبهتين: هو سيستشيط غيرة.. وهما سيعمّمان خبر وجودها بصحبة رجل! إرتأت أن تهاتف الرجل الذي تحدثت إلى زوجته، كما لتسلم عليه، ثم تستدرجه لتعرف منه مشاريعهما هذا المساء، كي تحدد مكان تواجده. كانت سعادته كبيرة بسماعها. تبادلا أخباراً وأحاديث عن الجزائر، ثم عرض عليها أن تنضم إليهم للعشاء. إعتذرت, ودّعته مطمئنة. تنفست الصعداء, إنهم الليلة في ضيافة السفير. 
كان يهم لدخول جناحها حين تناهى إلى سمعه حديثها على الهاتف بلهجة جزائرية، لم يفهم منها إلا الجملة الأخيرة. إنها تحادث غيره وهي في ضيافته وفي جناحه، وربما كانت تستعمل سائقه لتلتقي بهما متعللة أنها تذهب للتسوق. لكن لا بأس، سيواصل التغابي. دخل إلى جناحها. كان يبدو سعيداً لسبب لم تعرفه إلا حين أخبرها أنه وقّع عقداً كبيراً، وأنه سيتفرغ لها لليومين الباقيين. 
سألها: ماذا فعلت اليوم؟ 
ردت: ذهبت إلى السوق ليس أكثر. 
 وحين لم يرَ أثراً لمشترياتها، تأكد لديه أنها ذهبت للقاء ذلك الرجل. قال: لكنك لم تشتر شيئاً. 
أجابت على استحياء: لست مهووسة بالتسوق.. ما يسعدني حقاً هو شراء هدايا تذكار للآخرين. إستنتج من كلامها أن ليس في حوزتها ما يكفي من المال. سيقطع عليها حبل الكذب، سيرى أن كانت ستعود غداً من دون أن تشتري شيئاً. قصد الخزينة الموجودة في جناحه، أخرج حزمة من الأوراق النقدية وعاد بها. قال وهو يمدها بها: أشترِ غداً هدايا لوالدتك...وما يحلو لك من أشياء. 
كانت منهمكة في خلع حذائها. رفعت رأسها فرأته يمسك بحزمة أوراق نقدية. قالت وهي تشير بحركة من رأسها: لا أحتاج إلى مال! بدا له أنها قالت" لا أحتاج إلى مالك". لكأن السماء أطبقت على الأرض. ألقى على طول ذراعه بحزمة الأوراق النقدية، وتغيرت ملامحه لتصبح غريبة في توحشها. راح يصرخ: من تكونين أنت لتهينيني؟! 
ردت مذعورة تحت هول المفاجأة: ما فعلت شيئاً يهينك. أنا فقط...قاطعها: أنت تهينين مالي قصد إهانتي... من تكونين لتتجرأي على ذلك؟ ! 

رجل لا يدري أن الكلمات كالرصاصة لا تستردّ، راح يطلق عليها وابل رصاصه كيفما اتفق, كانت الكلمات تأتي إليه كما الدموع تأتي إليها .....لذلك قررت أن تبقى واقفة...تتأمل تدفق حممه، دون أن ترد عليه أو تنزل من عينيها دمعة، فهي لم تفهم أصلاً ما الذي يحدث. 

 لعل ما زاد من تذمره، صمتها وعدم تضرعها طلباً لمغفرته. كانت فقط تنظر مذهولة إلى هذا الرجل الذى شوه المال وجهه. ماذا لو كان هذا هو وجهه الحقيقي! الرجل الذي أحبته تركته في غابة بولونيا. شلال من الدموع انهمر داخلها. لكنها لم تنبس بكلمة ولا ذرفت دمعة. دون أن تستوعب ما يحدث لها, راحت تجمع أشياءها من الخزانة. ألقت إلى حقيبتها بكل ما عثرت عليه. أصبحت في عجلة لمغادرة المكان. حتى آخر لحظة، توقعت أنها تحلم. لعله يمنعها من المغادرة. كان يكفي كلمة لإنقاذ الحب. لكنّ الرجل الذي قضى أشهراً في انتقاء كلمات ترافق سلال ورده... ما عاد في قلبه كلمة لها. كل الكلمات تأتي الآن من جيبه لا من قلبه. 

 كان قد انسحب إلى جناحه تاركاً الباب بينهما مفتوحاً. لم تودعه بكلمة. جرّت حقيبتها وأغلقت خلفها باب الجناح. حاولت ألا تنهار وهي تخلو بنفسها في المصعد. طلبت سيارة أجرة. حاولت التماسك كي لا تنفضح بدموعها. لم يكن بحوزتها ما يكفى للإقامه في فندق كبير. تركت للسائق مهمة اختيار الفندق بعد أن شرحت له أنها تريده بسعر معقول ومتوسط الحال . 

بكت كثيراً في غرفتها تلك. كانت تحتاج إلى هذا المكان الصغير لتستعيد حقها في البكاء. برغم ذلك كانت ممتلئة كبرياءاً. الكرامة كالشرف مرة لا مرتين. وهي لم تعطه هذا ولا ذاك. لقد غادرته كبيرة، يكفي أن عليه الآن أن ينحني ليجمع كل الأوراق النقدية التي فرشت الأرض كسجاد... 

لم تندم على إنفاقها ما تجاوز سقف بطاقتها المصرفية في شراء هدية له، ندمت على التحف التي اشترتها لبيت تدري الآن أنه لن يزوره. 

كانت تخرج لتشتري بعض المأكولات، وتعود لتتناولها في الغرفة. خشية أن تأخذ شيئاً من البراد، أو تطلب شيئاً من الفندق، فتتفاجأ عند المغادرة، بفاتورة تفوق المبلغ النقدي الذي في حوزتها. 

ما كان يشعر بأنه أخطأ في حقها. كيف تسنى لها أن تخاطبه هكذا. في إهانتها لماله إهانة متعمدة له. حتى الذين ينصبون عليه يغفر لهم. لكنه لا يغفر لمن يباهي باستغنائه عنه. 

صباحاً، قبل مغادرة الفندق، طلبت فاتورة إقامتها، وسيارة أجرة. 
رد الموظف: إقامتك مدفوعة يا سيدتي. 
سألته مندهشة: مدفوعة ممن؟ 
راح يدقق في أوراقه ثم أجاب: عذراً... لا أدري. يبدو أن ثمة من اتصل بالفندق ودفع ثمن الإقامة. 
حتماً هو. من سواه يدري بوجودها؟ لعله اتصل بشركة التاكسي نفسها التي تعمل مع الفندق ليستفسر أين أوصلها. تراه قد ضحك كثيراً من عنوان إقامتها. يريد إعطاءها علماً بأنه يعلم كم تساوي بالضبط عندما يتخلى عنها، وأن ثلاث ليال من عمرها تساوي أقل من زجاج نبيذه. لكن زجاجة نبيذه تلك جعلته أصغر من أن يقف أمامها كبيراً. 

 كانت على عجل أن تغادر فيينا. وصلت إلى المطار قبل إقلاع الطائرة بثلاث ساعات، كي تستفيد من خدمات صالون الدرجة الأولى، وتنجو من ذلك الفندق ومن " ليالي البؤس في فيينا". كانت تحتسي قهوتها في زاوية مطلة على مدرج الطائرات, عندما شهق قلبها. لم تُصدق عينيها، وهي تراه يدخل من أقصى القاعة. إستفادت من كونه لم يرها. فانسحبت عجلى إلى الحمام تجدد هيأتها. ما الذي جاء به؟ حتما هو يعرف أنها ستأخذ هذه الرحلة، فهي الرحلة الوحيدة إلى بيروت. عادت لتجلس، مطمئنة إلى هيأتها، دون أن تلقي نظرة حولها. راحت تتظاهر بتصفح إحدى المجلات كما لو أنها لا تدري بوجوده، حين تقدم منها النادل حاملاً صحناً عليه ورقة مثنية. أخذتها منه مندهشة. فتحتها . قرأت " شكراً على لعبة الشطرنج" . ثنت الورقة، وراحت تبحث عنه بعينيها كأنها فوجئت بوجوده، وحين لمحته على بعد ثلاث طاولات منها، لم تتحرك من مكانها، ولا بدا منها أي ردّ فعل. 
حتماً فوجيء بتجاهلها له. قصدها، قال وهو يقف على مقربة منها: أتأذنين لي بأخذ فنجان قهوة معك؟ تمتمت وقد وضعت المجلة جانباً: إن شئت. 
 قاومت رغبتها فى البكاء. توقعت أن يكون جاء ليعتذر عن كل ما ألحق بها من أذى. لكنه قال كأنه يواصل حديثاً سابقاً: بالمناسبة، لا تحتاج لعبة الشطرنج دائماً إلى لاعبين... يمكن للاعبٍ حاذق أن يلعب ضد نفسه بتغيير مكانه. 
ردت بمكر: يحدث هذا مع لاعب أكبر غروراً من أن يتقبل الخسارة أمام شخص آخر غير نفسه! 
- جميل... ما توقعتك تفهمين في هذه اللعبة! 
- أيّاً كانت اللعبة، فالجولة انتهت في هذه المدينة. 
رد بسخرية: أليس طريفاً أن جولة بدأناها فى مطار شارل ديغول تنتهي في مطار فيينا؟!. 
أجابته وهي تخفي عنه نزيفها: الأطرف أنّ في الجولة الأولى لم أتعرف إليك...أمّا في الجولة الأخيرة فأنت الذي لن تتعرّف إليّ...تلك الحمقاء التي أحبّتك ما عادت أنا! 
رد بنبرة واثقة: سأظل أتعرف إليك ما دام الأسود لونك... أعني لوننا. 
- أنا امرأة من أنغام وأنت رجل من أرقام... وليس بإمكان لون أن يجمعنا. 

لم يصدق كلامها. هو يعرف النساء, ويعرف الحب اكثر منها, ويدري أنها ستُهزم وتعود إليه يوماً, لتقول عكس ما تقوله الآن !! لذا لن يناقشها، سيتظاهر بأنه يوافقها، وأنهما لا بد أن يفترقا. 

جاءت المضيفة تطلب من المسافرين إلى بيروت الإلتحاق بالطائرة. إعتقدت وهي تراه يقف أنه يسافر على الرحلة نفسها، وأنهما سيواصلان الحديث في الطائرة، لكنه قال مودّعاً: أتمنى لك سفراً سعيداً. إلى اللقاء. راح قلبها يزداد خفقاناً، لم يترك لها وقتاً لتسدد له سوى جملة، من قهرها قالت عكس ما تمنى قلبها أن يقول: لا أظننا سنلتقي بعد اليوم، إلا إذا استطعت أن تشتري لك مصادفة أخرى في مطار! 
رد بما كان يدري أنه الضربة القاضية: سيكون ذلك صعباً، لأننا لن نسلك البوابة نفسها بعد اليوم..سأتسلم طائرتي الخاصة نهاية هذا الشهر! 

 تباً له رجل يقتني الطائرات، ما حاجته لشراء المصادفات. لا تعرف معنى أن يكون أحد ثرياً إلى هذا الحد! لم تعلق على ما أراد تذكيرها به: تلك المسافات المصرفية التي تباعد بينهما، والتي ألغتها وهي تترك ماله أرضاً وتمضي، فحوّلتها بإهانتها إلى مجرّد أصفار. إنصرفت دون أن تلقي نظرة عليه، بنفس العنفوان الذي غادرت به جناحه. 

كانت تهم بمغادرة القاعة عندما وجدت نفسها عند الباب، أمام ذلك الجزائري الذي التقت به برفقة الرجل الرجل الآخر في الفندق. غمرته سعادة عارمة وهو يراها، أما هي فسعدت لأنه منحها فرصة البقاء، في حيّز رجل وحده يعنيها. قال بالفرنسية: أما قلت لكِ لا تعطيني رقم هاتفك...أثق أننا سنلتقي! إلى أين أنتِ مسافرة ؟ 
- إلى بيروت...وأنت؟ 
- إلى بغداد. 
- وهل ثمة من يسافر الآن إلى بغداد والبلاد غارقة في الحرب! 
 - نحن نذهب حيث تكون الحروب..لا نختار وجهتنا..الحرب هي التي تختارنا! 
- وماذا أنت فاعل هناك؟ 
- علينا أن نؤمّن حياة النازحين نحو الدول المجاورة... 
كان عليها أن تلحق بالطائرة. وجدت نفسها على الطريقة الجزائرية تقبله على خديه مودعة، فقد شعرت أن ثمة احتمالاً ألا تراه أبداً. 
أخرجت ورقة كتبت له عليها رقم هاتفها، وقالت مازحة وهي تمده بها: القدر منحك حق امتلاك رقمي.... 
أجاب: سأجعل منها ورقة يانصيب رابحة. 
ردت بلهجة جزائرية وهي تسرع لتلتحق بالطائرة: عندك على روحك... 

ركبت الطائرة وهي مدمَّرة. لفرط ألمها، لم يشغل ذلك الجزائري أي حيز في تفكيرها. لكنها فكرت أن الآخر وجد الآن دليلاً ملموساً على علاقة تجمعها بهذا الرجل. وهو الآن يعزّي نفسه بأنها ما كانت أصلاً تستحق حبه. بل ربما اختلق مبرراً ليجالس ذلك الرجل في انتظار طائرته، عساه يعرف من يكون. 

 قضت أياماً مذهولة مما حل بها. تعيش بين الناس، من دون أن يتنبّه أحد أنها، في الحقيقة، نزيلة العناية الفائقة، وأن نسخة مزورة منها هي التي تعيش بينهم. نسخة يسهل اكتشافها، فلا شيء مما يسعد الناس يسعدها، وما من خبر مما يحدث في العالم يعنيها، وكل حديث أياً كان موضعه يبكيها. لأن كل المواضيع حتماً ستفضي إلى ذلك الرجل الذي دمرها ومضى. 

هي الآن حرة، لكن كلما تحررت منه، سعدت وحزنت في آن. وكلما شفيت من عبوديتها، عانت من وعكة حريتها. لقد غدت يتيمة مرتين. ليس الحب وحده ما فقدت، بل تلك القوة الأبوية الرادعة التي كانت تطوّقها بالأسئلة، وتحاصرها بالغيرة. 

مأساة الحب الكبير ليست في موته صغيراً بل في كونه بعد رحيله يتركنا صغاراً. هو ليس حزيناً من أجلها، بل لأنه جعلها كبيرة، وتركته صغيراً. مذ رآها تحادث بشوق ذلك الرجل، الذي سبق أن التقته في الفندق، وذهبت حدّ تقبيله على خدّه... أكثر من وسواس الغيرة، سكنه إحساس لم يحدث أن خبره في حياته: الشعور بالإهانة. 

لم تفهم كيف أن رجلاً أهدى لها كرم اللحظات الباهظة... وبخل عليها بالكرامة. وهبها في لحظات زمناً أزلياً...ثم كسر ببضع كلمات ما اعتقدته أبدياً. ما عاد لها رغبة في البحث عن تفسير لصمته. لا أحد يبحث عن مبرر لصمت الموتى...كلما فكرت فى موت الآخرين صغر موته, وكلما ضجت الأنباء بأنين الأبرياء احتقرت غطرسة صمته. لقد مرّت أشهر وهى تكابر, تنتظر أن يهزمه الشوق ويطلبها. في انتظار دقة هاتفه نسيت أن تعيش. ثم, بدأت تراه يموت حقاً, وكذلك رقم هاتفه . الأرقام تموت بموت الإحساس بأصحابها. 

إذاً، ستشرع بإعلان الحرب على كل ما يتشبث به قلبها من أصفاد، بدءاً بجهاز الهاتف الذي أهداه إليها. لا تريد هاتفاً ثميناً لا يدق، بل هاتفاً بسيطاً يخفق. عليها أن تتخلص من كل شيء جميل, وكانت ذكراه الأغلى على قلبها. 

عاد الشتاء من دونه، وقبله مر فصلان لم تدرِ بهما. بلغت معه ذلك الحزن الأكبر الذي ليس بعده خسارة أو فقدان. 

لأشهرٍ، فقدت مباهجها وحماستها لإنجاز ألبومها الجديد، متذرعة بالظروف السياسية. الحقيقة، لا شيء سواه كان يعنيها. كانت تكرهه بقدر ما تحبه, وتتمرد عليه وتتمناه, وتحنّ إليه سراً, وعلناً تتحداه, ثم تنهار باكية, أمام سؤال لا تملك له جواباً: كيف حدث كل هذا ؟؟ 

في تلك السهرة التي خرج فيها الجن من عنق الزجاجة, قال لها : إحزني قليلاً كي نتساوى في العمر. ها قد غدت في غيابه أكبر منه سناً. لقد جعلها في أشهر تبلغ سن الفاجعة... بينما تتوقع أن يكون عاد إلى شبابه مع سواها. 

ثمة نساء يلامسن لواعج الروح، يعبرن حياتك كجملة موسيقية جميلة، يظل القلب يدندنها لسنوات بعد فراقهن. وأخريات بدون قفلة، لا تدري وهن يغادرن، إن كان من تتمة لتلك السوناتا. هذا ما أدركه متأخراً، وهو يحاول أن يقنع نفسه بأن أجمل قصص الحب هي تلك المعلقة، وأجمل المتع تلك الناقصة، وأن الحياة اختارت له معها أجمل النهايات. أتكون قصتهما قد انتهت هنا؟ 

الحب وهم، لا يصمد أمام الأضواء الكاشفة. لقد عرفت هذه الفتاة سرّه الأبعد عمقاً. أيقظت فيه قسوة لا عهد له بها. لعلها أمراض الرجولة. لا يغفر الرجل لامرأة رأته في لحظة ضعفه. في الواقع، هو خاسر سيء, يحجم عن دخول معركة لا يضمن كسبها. هو لم يشعر يوماً معها بالأمان، لأنه لم يمتلكها حقاً، شيء منها ظل يفلت من قبضته، لذا يفضل أن يخسرها بملء إرادته، قبل أن تكون من يخبره بخسارته. لقد تركها أرضاً محروقة، من يأخذها منه فسيأخذها أنثى بلا قلب. إنها، بعده, بلاد خراب، لا أحد يجازف بحكمها، وأيّاً كان من سيليه، ستعيش مسكونة بالحنين إلى جلّادها، فقد كان هو عصرها الذهبي، دون منازع. 

ذات صباح، دق الهاتف. قال الرجل على الطرف الآخر: أنا عز الدين...هل تذكّرتني؟ كان يتحدث إليها من رقم سوري. 
- طبعاً أذكرك... لكن ما توقعت وجودك بسوريا. طمني عنك. 
 - إنني هنا في مهمة... قلت أسلّم عليك، عساك بخير. قالت: بخير...شكراً. واصلت مازحة: بخير ما دمت لا أتابع الأخبار . 
- أنت محظوظة...أنا لا أتابع الأخبار... بل أتبعها! 
- وأين ألقت بك الحروب؟ 
- ما زلت بين جنيف والعراق. تعبت..إنها حرب بسبعة أرواح. 
- أغبطك... لا تتذمر... في العمل الإنساني، على الأقل لا تكافأ بالجحود، لأنك لا تعمل لإنسان بل للإنسانية. 
- صدقت والله... مآسي الناس وبؤسهم تنسيك قدرتهم على الأذى، على كل حال أتمنى أن أراك، لديّ الكثير مما أقوله لك، ثمة مشروع كنت أود أن أحدثك عنه منذ فيينا. هل هناك مجال لنلتقي؟ 
 - إلى متى أنت هنا؟ 
- لأربعة أيام...على الأكثر. 
- نلتقي غداً إذاً. 

 كان في هاتفه إشارة من القدر. لعل الله تقبل دعواتها. لا تدري ما هو المشروع لكنها تريده. ذهبت إليه في الغد دون زينة، عدا كحل رسمت به عينيها. 
 قال بالفرنسية ممازحاً: أما قلت لك إننا سنلتقي؟ 
- لن تقنعني أن المصادفة رتبت لنا موعداً ثالثاً! 
- أنت تسيئين الظن بالقدر. 
- لنقل إنني لا أصدق المصادفات المتقنة. 
 - لا تدقّقي في هدايا الحياة...حضرت لأتابع موضوع اللاجئين العراقيين. ما كان يمكن أن أكون هنا لولا أن سورية تستقبل مليون ونصف المليون لاجيء عراقي. المصادفة هي وجودك.. أي ريح طيبة أتت بك إلى هنا؟ 
- هي تلك الريح ذاتها التي أتت بك... حتى نلتقي. 
- أما وقد جئتُ...فأود أن أعرف لماذا تركت الجزائر. علمت أنك عشت مأساة. يعنيني أن أعرف منك القصة. راحت تروي له قصتها منذ البداية. قصتها، من دون تلك القصة... 
 قال معلقاً بأسى: كنا نريد وطناً نموت من أجله، وصار لنا وطن نموت على يده. لا خيار لك إلا التفوق، إن المآسي الكبيرة هي التي تجعلنا كباراً. أرى في المشروع الذي أعرضه عليك فرصة لبداية شهرة عالمية. نعد لحفل كبير يقيمه نجوم عالميون، وأريد أن تشاركي فيه، سيعود ريعه لدعم اللاجئين العراقيين، فنحن على أبواب الشتاء وعشرات الآلاف يعيشون في المخيمات. سيكون الحفل في ميونيخ وينقل مباشرة من خلال عدة فضائيات أجنبية. 
 كان أجمل خبر سمعته منذ سنوات. إنه خبر نجاتها. ردت بشهقة الفرحة: ياالله... شكراً لأنك فكرت بي. أنت باب سعدي. 
رد: بل بوابة حظك... الأبواب الصغيرة لا تليق بك. "ياله من رجل!". لكن قلبها عاود التفكير في الرجل الآخر. ما يعنيها قبل كل شيء، هو أن يراها تغني في حفل عالمي. هي لن تشفى ما دامت لم تثأر منه بالنجاح. 
سألته متعجبة: لماذا ميونيخ؟ 
أجاب: لأن جالية عراقية كبيرة تعيش في ألمانيا... كان الله في عون العراقيين، كم دفعوا ثمن وجودهم، لمصادفة جغرافية، على أغنى أرض عربية، لحظة حدوث أكبر عملية سطو تاريخية قام بها بلد لنهب بلد آخر. 
كان مهموماً بالعراق، بإمكانه أن يحكي لساعات عن بلد المليون نخلة الذي غدا بلد المليون قتيل، لكنها كانت أكثر سعادة من أن تصغي لما يقوله، إنها فرصتها لتعود إلى الأضواء من علو شاهق. تريد أن يراها ذلك الرجل وهي واقفة على تلك القمة مع الكبار. أن تطل عليه من جبلها, لا من المطار الذي تركها فيه. 
سألته بلهفة: متى يكون الحفل؟ 
- في 5 ديسمبر. أمامك شهر للإستعداد. إختاري أغاني جميلة لأنك تتوجهين لجمهور لا يعرفك. 
 - لا أخفيكَ أن حفلاً كهذا يخيفني. 
 - لا تهتمي... قد تصعدين على المسرح نكرة، لكن حين تنزلين منه لن ينسى أحد اسمك. أريدك يومها أفضلهم. تذكري أنك كما ترين نفسك تكونين. 

 افترقا على أن يتهاتفا ليحددا موعداً آخر يزودها فيه بالتفاصيل. أحبت رجولته الشامخة في تواضعها الجميل، وغيرته على اسمها. إحساس بالأمان تسرب إلى قلبها. حمدت الله لوضعه هذا الرجل في طريقها، فما عاد بإمكانها التجديف وحدها. 

 عندما التقته بعد غد، كانت تبدو أجمل وأكثر بهجة. اكتشفت أن السعادة هي أن تملك مشروعاً. أما العافية، فهي أن تضحك من القلب..أخيراً. 
بعد مغادرته، واصل عزالدين مهاتفتها ليطمئن على سير استعداداتها. يحرّضها حيناً على العمل، وأحياناً يحلو له مفاجأتها، يطلبها أثناء أسفاره من أرقام لا تعرفها. 

 أرعبها أن تغني مع الكبار. هي سهرة واحدة، لا تملك منها إلا نصف الساعة لتلعب مستقبلها على طاولة القدر. لفرط خوفها تحررت من الخوف. قررت أن تربح الرهان.  

كان يعتقد أنه يمتلك ثقافة البهجة، بينما تملك هي ثقافة الحزن، ولا أمل في انصهار النار بالماء. فكيف انقلبت الأدوار، وإذ بها هي من يشتعل فرحاً، بينما شيء منه ينطفيء، وهو يتفرج عليها تغني ؟ ربما كان يفضّل لو خانته مع رجل، على أن تخونه مع النجاح. النجاح يجمّلها، يرفعها، بينما أعتقدَ أنه حين ألقى بها إلى البحر مربوطة إلى صخرةِ لامبالاته، ستغرق لا محالة. من فكّ رباطها ؟ بمن استنجدت لتقطع المسافة بين القاع والسطح؟

 تماماً كما يوم رآها لأول مرة, هو جالس ذات مساء يتفرج عليها عبر شاشة تلفازه. لقد عادت عصية وقصية كما كانت. أراد أن يعطيها درساً في الغناء...ستلقّنه درساً في الإستغناء. لا أحد يتوقع أمام طلتها كم عانت، وفي أي الخنادق لا الفنادق أقامت. ولا كم من الهجمات صدّت. 

لقد أكسبها الظلم حَصانة الإيمان. مذ أدركت أن طغاة الحب كطغاة الشعوب، جبابرة على النساء، وصغاراً أمام من يفوقهم جبروتاً. وأن سيّدك أيضاً له سيّده، وطاغيتك له من يخشاه، صغُر السادة في أعينها، وغدت سيدة نفسها. لا تخاف غير الله، ولا تنبهر سوى بأصغر كائناته. 

بدءاً، تحمست للمشاركة في هذا الحفل العالمي، كي تضمن أن يراها وقد خلعت سوادها، فيدرك أنه من خلعت. كان يعنيها أن تقهره. كانت في لونها الجديد شهيّة كمؤامرة عشقيّة. تركت له الأسود، فليرتدِ هو الحداد عليها. " لكل طائر لون صيحته". ارتدت لون العصيان. أرادت أن تثأر لكرامتها لحظة تقع عيناه عليها وهي في ثوبها اللازوردي. لونٌ اختارته أمّها ليبعد عنها العين، لفرط بهائها، كما قالت. 

لكن, أثناء استعدادها الحفل، وتدريباتها على مدى شهر على الأغاني التي ستؤديها، ما عاد الثأر يعنيها، فالهوس بالإنتقام، يعني أن نسمح لمن نريد أن نأثر منه بمواصلة إبقائنا أشقياء به. اليوم هي تغني للناس جميعاً عداه. ليس ثوبها، بل صوتها هو من يأخذ بالثأر، من ذلك الحفل الذي أجبرها فيه يوماً على ألا تغني لسواه. هو اليوم الغائب الأوحد. أول ما اعتلت المنصة، اختفى طيفه من القاعة، غدا خلفها، قرر قلبها ألا يلتفت إليه، فالنهر لا يلتفت وراءه. درسٌ آخر تعلّمته من حيث جاءت. هي اليوم امرأة حرة كما هم " الشاويّة" : "الرجال الأحرار". 

صوتها ناي يحنّ إلى منبته، يعود موّالاً إلى تربته. لا يحتاج إلى ميكرفون، إنه ينتشر مع الهواء، عابراً الوديان، ماضياً صوب الأعالي التي غنى منها جدّها. صوتها الليلة يغني لحريتها. يصدح احتفاءاً بها، صوتها الليلة لا يحب سواها. لأول مرة تقع في حب نفسها. ما عاد يعنيها أن يكون الآن يشاهدها في أحد بيوته، وقد خلعت ما كان يسميه "لونهما". 

 الرجل الذي لم يعطها شيئاً.... وعلّمها كل شيء، تناسى أن يعلمها درسه الأهم: الإخلاص للحياة فقط. ذات يوم عثرت على حكمة أبقتها في ذهول. بدا لها وهي تقرأها، أنها سرقت آخر أسراره. لكأنه من كتبها: 
"ارقص كما لو أن لا أحد يراك 
غنِّ كما لو أن لا أحد يسمعك 
أحب كما لو أن لا أحد سبق جرحك 
كم من الأشياء تفعل هذا المساء لأول مرة. 
أيتها الطيور، أيتها الجبال, أيتها الأمواج، أيتها الينابيع، أيتها الشلالات، يا كلّ الكائنات، إني أسمع ناياتك تناديني. 
أيتها الحياة, دعي كمنجاتك تطيل عزفها... وهاتي يدك. 
لمثل هذا الحزن الباذخ بهجة... راقصيني 

                                      النهاية.



إرسال تعليق